وفي أعقاب الهجوم الصاروخي الروسي الأخير، يتعين على الاتحاد الأوروبي تعزيز الحزمة التاسعة من العقوبات ضد روسيا، التي عارضها "أوربان" بصورة غير متوقعة. ولكن الانفجار الذي حدث في بولندا قد يجعل المجر التي تعد أقرب حليف لبولندا داخل الاتحاد الأوروبي، أكثر خضوعا. ويجب أن تكون النتيجة الواضحة الأخرى...
بقلم: سلاومير سيراكوسكي

وارسو- أثبتت الضربة الصاروخية التي قتلت بولنديين بالقرب من حدود بلادهما مع أوكرانيا في 15 نوفمبر/تشرين الثاني أنها ليست اختبارا للسياسة الدفاعية بقدر ما هي اختبار للسياسة الإعلامية لبولندا وأوكرانيا وحلف شمال الأطلسي. وفقط الأمريكيون نجحوا في الاختبار، بينما تعثر الحلفاء الأوروبيون وأوكرانيا، وهو ما يدل عن نقص مخيف في الاستعداد لسيناريو كان من الممكن توقعه منذ بداية الحرب تقريبًا.

وتعد بولندا أكبر دولة في الجهة الشرقية لحلف الناتو وهي تمثل أهم مركز لوجستي للحرب التي تثير قلق العالم بأسره تقريبًا. إن حزم الدول الغربية ووحدتها أمران ضروريان للدفاع عن أوكرانيا وإلحاق الهزيمة بروسيا، الأمر الذي قد يقرر مصير العالم لعقود. ومع ذلك، فاجأ انفجار يوم الثلاثاء في بولندا الجميع باستثناء الولايات المتحدة، وأثار سلسلة مذهلة من الأحداث الناتجة عن ارتكاب أخطاء فادحة.

لقد علم البولنديون بحادث سقوط الصاروخ الذي وقع في الساعة 3:40 مساءً، قبيل الساعة 8:00 مساءً من وكالة Associated Press أسوشيتد برس. والتزمت الحكومة البولندية الصمت حتى بعد منتصف الليل، عندما أصدرت وزارة الخارجية بيانًا زعمت فيه أن "الصاروخ روسي الصنع"، وطالبت بتفسير من السفير الروسي. ووضعت الحكومة بعض الوحدات العسكرية في حالة تأهب قتالي.

وبعد ذلك، عندما خاطب رئيس وزراء بولندا، ماتيوز موراويكي، ورئيسها "أندريه دودا" الشعب، لم يقدما شرحا بشأن مصدر الصاروخ، مما أثار شكوكًا واسعة النطاق بأن هذا كان هجومًا (سواء كان متعمدًا أم لا) من جانب روسيا. وأصبح الكثير من الأوكرانيين الذين يعيشون في بولندا والبالغ عددهم ثلاثة ملايين، 85 في المائة منهم من النساء والأطفال، يعتقدون أن الحرب التي فروا منها تقترب منهم.

إن كل معلومة جديدة يتلقاها البولنديون كان مصدرها أمريكا. ففي الساعة 4:00 صباحًا، بالتوقيت البولندي، قال الرئيس جو بايدن أن الصاروخ ربما أطلقته قوات الدفاع الجوي الأوكرانية في مواجهة وابل روسي. ولم يذكر "دودا" هذه المعلومة إلا بعد ظهر يوم 16 نوفمبر/تشرين الثاني، عندما طُمأِن المواطنون لأول مرة أن "بولندا لم تكن هدفًا لهجوم روسي".

وفي غضون ذلك، كان الارتباك يتزايد بين حلفاء بولندا الأوروبيين في الناتو. وكان البعض قد اتهم روسيا بالفعل، وعقد بعض رؤساء الحكومات اجتماعات حكومية استثنائية، كما هو الشأن في المجر.

ونشر وزير دفاع لاتفيا "أرتيس بابريكس" تغريدة على تويتر يصف فيها الصاروخ على أنه "روسي"، وهو تصريح كرره على شبكة "سي إن إن". ووصفت جانا سيرنوشوفا، وزيرة دفاع جمهورية التشيك، الحادث على أنه "استفزاز لا حاجة له" من جانب روسيا. ووصف رئيس بلغاريا الانفجار على أنه "غير مقبول". وصرح الرئيس الليتواني "جيتاناس ناوسودا" بأن "التفجيرات التي تعرضت لها بولندا يوم الثلاثاء تعني مرحلة جديدة في حرب روسيا ضد أوكرانيا. ويجب أن يرد الناتو وفقًا لذلك"، ودعا الناتو إلى نشر المزيد من النُظم المضادة للصواريخ على الجانب الشرقي لحلف الناتو.

وعززت وزارة الخارجية الروسية الانطباع بأن روسيا هي فعلا من ألقى الصاروخ على الأراضي البولندية. إذ مباشرة بعد صدور التقارير الأمريكية الأولية عن الانفجار، اعتمد الروس أسلوبهم المعتاد وزعموا أن هناك استفزازًا غربيًا.

وبالمقابل، كانت الردود الغربية، مهما كانت مضللة، محقة بشأن الطرف الوحيد المسؤول عن الضربة الصاروخية. وأكد رئيس الناتو "ينس ستولتنبرغ" قائلا: "يحق لأوكرانيا الدفاع عن نفسها ضد الحرب العدوانية الروسية غير المشروعة."

ولكن بعد ذلك حدث خلاف غير متوقع بين قادة الناتو وأوكرانيا. إذ قال الرئيس فولوديمير زيلينسكي: "ليس لدي شك في أنه لم يكن صاروخنا"، مضيفًا أن أوكرانيا لديها أدلة على ذلك، وطالب بالاطلاع على التحقيق. وتفاجأت بولندا وحلفاؤها في الناتو بهذا التصريح فامتنعوا عن التعليق على بيان زيلينسكي، ومن الواضح أنهم ينتظرون مزيدًا من الاتساق في الخطاب.

وقد يعزز جمود "زيلينسكي" أيضًا الانطباع السائد لدى بعض القادة الغربيين بأن السلطات الأوكرانية تتصرف بغطرسة بينما لا تدفع أوروبا ثمن الأسلحة والمساعدات الإنسانية فحسب، بل تعاني أيضًا من تضخم قياسي، يقترب في بولندا من 20 في المائة. فعلى سبيل المثال، لو كانت للمجر في ظل قيادة رئيس وزرائها الموالي لروسيا، فيكتور أوربان، نفس موقع بولندا الجغرافي، الذي يجعل منها قناة رئيسية تتدفق عبرها الأسلحة، والطاقة، والغذاء، والإمدادات الأخرى إلى أوكرانيا- فمن شبه المؤكد أن روسيا كانت ستنتصر الآن.

وفي أعقاب الهجوم الصاروخي الروسي الأخير، يتعين على الاتحاد الأوروبي تعزيز الحزمة التاسعة من العقوبات ضد روسيا، التي عارضها "أوربان" بصورة غير متوقعة. ولكن الانفجار الذي حدث في بولندا قد يجعل المجر التي تعد أقرب حليف لبولندا داخل الاتحاد الأوروبي، أكثر خضوعا.

ويجب أن تكون النتيجة الواضحة الأخرى تعزيز الناتو للدفاعات الجوية على جناحه الشرقي. إذ ليس لدى وارسو، العاصمة البولندية، سوى نظام من الحقبة السوفيتية، بُني في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. واشترت بولندا ثماني بطاريات "باتريوت" المضادة للصواريخ من الولايات المتحدة، لكنها لن تحصل على المزيد خلال عشر سنوات أخرى، أما الاثنتان المتبقيتان فلن تكونا جاهزتين للاستخدام حتى عام 2023 على أقرب تقدير.

وتقع طرق النقل التي تحمل أسلحة أمريكية إلى أوكرانيا وخط النقل الذي يربط أوكرانيا بنظام الطاقة في الاتحاد الأوروبي (والذي يقع بالمصادفة بالقرب من موقع الانفجار الأخير) تماما داخل المدى المؤثر للصواريخ الروسية التي تسقط على الجانب الآخر من الحدود الشرقية للناتو. لقد كان الانفجار الأخير في بولندا حادثًا. ولكن الانفجار التالي قد لا يكون كذلك.

ويدرك "زيلينسكي" هذا الأمر، لذا، بعد يومين من حدوث الانفجار بدأ بالفعل يقول أنه غير متأكد تمامًا من مصدر الصاروخ الذي سقط في بولندا. وربما لم ينطلق الصاروخ من روسيا، ولكن من المؤكد أن الانفجار خُطط له هناك.

* سلاومير سيراكوسكي، فوندر من حركة تي كريتيكا بوليتيانا، آيس زميل أقدم في مجلس تي جيرمان للعلاقات الخارجية.
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق