مرّ الحديث لدى الشيعة الإمامية بمراحل مختلفة منها مرحلة التدوين والعرض وغيرها من المراحل التي ساهمت بشكل كبير في حفظ الحديث الشيعي. ومن أهم المراحل الحسّاسة للحديث الشيعي هي مرحلة عصر الإمام الصادق حيث تسنّت الفرصة للشيعة أن يلتفّوا حول الإمام ويستفيدوا من علومه المختلفة...

تميّز الشيعة الإماميّة عمّا سواهم من سائر المذاهب الإسلامية الأخرى أنّهم تلقّوا أحاديثهم من أهل بيت الوحي ومعادن العلم الذين جعلهم الرسول (صلى الله عليه وآله) عدلاً للقرآن الكريم، فقال: (إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)(1).

وقد امتثل الشيعة أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعملوا بوصيّته حيث تمسّكوا بالثقلين ولم يفرّقوا بينهما بل اتكأوا في أمور دينهم على الكتاب والسنّة الشريفة المُتمثّلة بأحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام).

وبالرغم أنّ الشيعة على مرّ التأريخ عاشوا ظروفاً حرجة وعانوا من الحكومات ما عانوا إلا أنّهم حفظوا تراثهم جيلاً بعد آخر ولم يفسحوا للحكومات والسلاطين كي يتحكّموا في أمور دينهم وذلك بفضل وبركات أهل البيت (عليهم السلام) الذين ربّوهم على ذلك وأرشدوهم إلى الصواب.

ومن أهم المجالات التي امتاز بها الشيعة عن غيرهم هو مجال الحديث حيث حفظ علماء الشيعة عبر العصور المُختلفة التراث الروائي الضخم الذي بلغهم عن أهل البيت (عليهم السلام) وأسّسوا القواعد والضوابط العلميّة التي على ضوئها يُبحث الحديث سواء من حيث السند أو الدلالة أو الجهة.

وقد عمدت الحكومات المُختلفة على محو هذا التراث ومحاربة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) بشتّى السُبل ومع ذلك فقد حُفظت أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) عبر العصور لحرص الأجيال على حفظ الحديث وصيانته من الأيادي المُغرضة التي سعت جاهدة لتزييف هذا التراث العظيم.

بالطبع مرّ الحديث لدى الشيعة الإمامية بمراحل مختلفة منها مرحلة التدوين والعرض وغيرها من المراحل التي ساهمت بشكل كبير في حفظ الحديث الشيعي.

ومن أهم المراحل الحسّاسة للحديث الشيعي هي مرحلة عصر الإمام الصادق (عليه السلام) حيث تسنّت الفرصة للشيعة أن يلتفّوا حول الإمام (عليه السلام) ويستفيدوا من علومه المختلفة ومنها علم الحديث.

وقبل أن نُشير إلى مسار الحديث في عهد الإمام الصادق (عليه السلام) لا بأس أن نذكر بعض الأمور:

الأول: أهميّة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) لا تحتاج إلى بيان زائد ويكفينا في بيان أهميتها حديث الثقلين حيث جعلها عدلاً للقرآن الكريم.

الثاني: أنّ المعصومين الذين كانوا قبل الإمام الصادق (عليه السلام) ركّزوا أيضاً على حفظ الحديث، ويشهد لذلك ما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (من حفظ من أمتي أربعين حديثاً ممّا يحتاجون إليه من أمر دينهم بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً (3).

الثالث: هناك من حارب أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وسعى إلى تحريفها والوضع فيها وإلى ذلك يُشير ابن عدي في الكامل عند ذكر عبد الكريم بن أبي العوجاء الذي قُتل في زمن المهدي العباسي، وأنّه أُخذ لتُضرب عُنقه، قال: وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أُحرّم فيها الحلال وأُحلّل فيها الحرام (4).

وقال العُقيلي في الضُعفاء الكبير بسنده عن غندر، قال: رأيت شعبة راكباً على حمار، فقيل له: أين تريد يا أبا بسطام؟

قال: أذهب أستعدي على هذا - يعني جعفر بن زبير - وضع على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أربعمائة حديثاً كذباً (5).

الرابع: ساعدت الظروف الإمام الصادق (عليه السلام) أن يبُثّ من علومه ومعارفه الكثيرة ومنها علوم الحديث خاصة أنّه (عليه السلام) وجد بعض الحملة من طلاب العلم وعشّاق المعارف ممّن قصدوه من مختلف أنحاء العالم والتفّوا حوله وإلى ذلك يُشير الحسن بن علي بن زياد الوشّاء لأبي عيسى القمّي: (إنّي أدركت في هذا المسجد- يعني مسجد الكوفة- تسعمائة شيخ كل يقول: حدّثني جعفر بن محمد) (6).

نهج الإمام الصادق (عليه السلام) في الحديث

لكي نطّلع على دور الإمام الصادق (عليه السلام) في الحديث الشيعي ينبغي تكون لنا نظرة دقيقة على نهجه الشريف في الحديث وكيف أنه أحدث ضجّة علمية في علوم الحديث.

واليوم كثير من العلوم تجدها مدينة لأحاديث الإمام الصادق (عليه السلام) حيثّ إنه أمّا نص عليها أو أشار إليها.

وعلى كل لسنا الآن بصدد بيان دور الإمام الصادق (عليه السلام) وفضله في مختلف بل إنّ الحديث معقود حول نهجه (عليه السلام) في الحديث وعلومه فنقول: عكف الإمام الصادق (عليه السلام) في مجال الحديث على تثبيت أُسس التشيّع في الحديث وإرساء قواعده المُختلفة وذلك عبر أمور أهمّها الفرد والنهج، فقبل أن يبثّ الإمام الصادق (عليه السلام) علومه في الحديث راعى مسألة حملة الحديث فكان يُربيهم ويُحمّلهم الأحاديث كل حسب مستواه ومعرفته ويشهد لذلك قوله (عليه السلام): (اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنّا، فإنّا لا نعدّ الفقيه منهم فقيها حتى يكون محدّثاً، فقيل له: أو يكون المؤمن محدّثاً؟

قال (عليه السلام): يكون مفهّماً، والمفهّم محدّث) (7).

ولعل من أبرز الأمور التي أكد عليها الإمام الصادق (عليه السلام) في تربية حملة الحديث هي:

1- أن لا يطلبوا الحديث للدنيا: تلقّي الحديث كسائر العلوم الأخرى التي ينبغي أن يبتغي بها الإنسان الدار الآخرة لا أن يجعل تحصيل الحديث كوسيلة لنيل المناصب والتزلّف إلى الحكام والسلطات.

وحيث إنّ الحكومات عبر العصور المختلفة تسعى إلى كسب الشرعيّة وتغطي مساوئها من خلال جمع العلماء ورجال الدين فعادة ما كانوا يجمعون حولهم العلماء كافّة ومنهم رجال الحديث فهم حملة العلوم خاصة إذا كانوا من المُبرّزين.

ومن هنا دعا الإمام (عليه السلام) حملة الحديث أن يبتغوا بتحصيلهم الحديث الدار الآخرة ومن ذلك قوله (عليه السلام): (من أراد الحديث لمنفعة الدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب، ومن أراد به خير الآخرة أعطاه الله خير الدنيا والآخرة) (8).

وعن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب) (9).

2- ممّن نستقي الحديث: لم يدعوا الإمام الصادق (عليه السلام) في أحاديثه إلى تحصيل الحديث من كل أحد بل إنّه دعا إلى طلب الحديث من أهله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وهذا الأمر دعا إليه سائر الأئمة (عليهم السلام) قبل وبعد الإمام الصادق (عليه السلام) حيث أكّدوا في أحاديثهم على أخذ الحديث منهم.

ففي الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): (أما أنّه ليس عند أحد من الناس حق ولا صواب إلا شيء أخذوه منّا أهل البيت، ولا أحد من الناس يقضى بحق وعدل إلا ومفتاح ذلك القضاء وبابه وأوّله سنّة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فإذا اشتبهت عليهم الأموركان الخطأ من قبلهم إذا أخطأوا والصواب من قبل علي بن أبي طالب (عليه السلام) إذا أصابوا) (10).

وعن حمزة بن محمد الطيّار، قال: عرضت على أبي عبد الله (عليه السلام) بعض خطب أبيه، حتى

انتهى إلى موضع، فقال (عليه السلام): (كفّ، فأمسكت ثم قال لي: اُكتب وأملى عليّ: إنّه لا يسعكم فيما نزل بكم مما لا تعلمون، إلا الكفّ عنه والتثبّت فيه وردّه إلى أئمّة الهدى (عليهم السلام)، حتى يحملوكم فيه على القصد، ويجلو عنكم فيه العمى، قال الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لاتعلمون} (11).

3- عدم الرجوع إلى غيرهم (عليهم السلام): لم يقتصر الإمام الصادق (عليه السلام) على دعوة تلامذته إلى الأخذ منهم فحسب بل أكد على عدم الأخذ من غيرهم، ففي الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (والله ما جعل الله لأحد خيرة في اتّباع غيرنا وإن من وافقنا خالف عدوّنا، ومن وافق عدوّنا في قول أو عمل فليس منّا ولا نحن منهم) (12).

وعن زيد الزرّاد في أصله، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (أطلبوا العلم من معدن العلم وإيّاكم والولائج فهم الصدادّون عن سبيل الله، ثم قال: ذهب علم وبقي غبرات العلم في أوعية سوء واحذروا باطنها فإنّ في باطنها الهلاك وعليكم بظاهرها فإنّ في ظاهرها النجاة) (13).

4- دراية الحديث: إلى جانب دعوة الإمام الصادق (عليه السلام) أصحابه إلى تلقّي الحديث دعاهم إلى دراية الحديث وعدم الاقتصار على روايته، ففي الحديث عنه (عليه السلام) قال: (حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه، ولا يكون الرجل منكم فقيها حتى يعرف معاريض كلامنا، وإنّ الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجها لنا من جميعها المخرج) (14).

وعن داود بن فرقد، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، إنّ الكلمة لتنصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب) (15).

رجال تربّوا على نهج الإمام الصادق (عليه السلام)

في غضون الفترة التي عاشها الإمام الصادق (عليه السلام) - سواء قبل إمامته لمّا شاطر أباه الإمام الباقر (عليه السلام) حركته الخالدة في الحديث أو أيام حياته لمّا ثُنيت له زعامة التشيّع- تخرّج الكثير من رجال الحديث ممّن خلّدوا أسمائهم في تأريخ البشرية عبر العصور المختلفة.

ومن يتتبّع سيرة من تربّوا على نهج الإمام الصادق (عليه السلام) في الحديث يُدرك ملياً كيف ثبّت الإمام قواعد الحديث وأسّسه في نفوس هؤلاء الرجال الذين كانوا حملة وسفراء يمثلون نهضته العلميّة في الحديث.

ولعل أهم من تميّز به تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام) الذين حملوا علومه وأهمها علوم الحديث هي:

الأول: أنّهم كانوا من مختلف البلاد وهذا كفيل بإيصال أحاديث الإمام (عليه السلام) إلى مختلف بقاع العالم دون أية حساسيّة من السلطات التي كانت تُراقب تحرّكات الإمام عن كثب.

فقد كان من بين تلامذة الإمام من مختلف بقاع العراق ومنهم من أهل الحجاز، ومنهم من...

الثاني: أنّ اعتقادهم بالإمام الصادق (عليه السلام) كان اعتقاداً راسخاً وإجلالهم وتعظيمهم له كان عظيماً حتى بلغ الأمر ببعضهم أن يأتي للإمام برمّانة ويقول له: والله لو فلقت رمّانة بنصفين، فقلت: هذا حرام وهذا حلال، لشهدت أنّ الذي قلت حلال حلال، وأنّ الذي قلت حرام حرام، فقال: (رحمك الله، رحمك الله) (16).

وكان عبدالله بن مسكان لا يدخل على الإمام الصادق (عليه السلام) شفقة ألا يُوفيه حقّ إجلاله، وكان يسمع من أصحابه ويأبى أن يدخل عليه إجلالاً وإعظاماً (17).

وعن محمد بن حسّان، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يتلوا هذه الآية: (فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ) (18) ثم أهوى بيده إلينا، ونحن جماعة فينا جميل بن درّاج وغيره، فقلنا: أجل واللّه جعلت فداك لا نكفر بها) (19).

الثالث: أنّ بعضهم كانوا علماء أبرار وفقهاء أحرار وليسوا مُجرّد حملة للحديث، ويكشف عن ذلك بعض أسألتهم من الإمام (عليه السلام)، أو تصريح الإمام بمكانتهم العلمية.

الرابع: علاقة الإمام الصادق (عليه السلام) بهم وشدّة ارتباطه بهم خاصة الصفوة منهم ويشهد لذلك كثير من الشواهد منها أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) لمّا بلغه موت أبان، قال: (أما والله لقد أوجع قلبي موت أبان) (20).

وأرسل الإمام الصادق (عليه السلام) إلى أبي حمزة الثمالي وكان أبو حمزة بالبقيع، فقال له بعد أن رجع: (إنّي لأستريح إذا رأيتك) (21).

الخامس: إشادت الإمام (عليه السلام) بمكانتهم وبيانه لمقاماتهم ومن ذلك قول الإمام (عليه السلام) لإبراهيم بن نعيم العبدي: (أنت ميزان لا عين فيه)، فعُرف بالميزان (22).

وقال (عليه السلام) أيضاً: (أوتاد الأرض وأعلام الدين أربعة: محمد بن مسلم، وبُريد بن معاوية، وليث بن البُختري المُرادي، وزرارة بن أعين) (23).

وروي عن عبد اللَّه بن أبي يعفور أنّه قال: كنت عند أبي عبد اللَّه (عليه السلام) إذ أقبل عيسى بن أبي منصور، فقال لي: إذا أردت أن تنظر خياراً في الدنيا، خياراً في الآخرة فانظر إليه يعني عيسى بن أبي منصور (24).

وعن المُفضّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يوماً ودخل عليه الفيض بن المُختار، فذكر له آية من كتاب اللّه عزّ وجلّ تأوّلها أبوعبد اللّه (عليه السلام)، فقال له الفيض: جعلني اللّه فداك ما هذا الاختلاف الذي بين شيعتكم؟

قال: (عليه السلام) (وأيّ الاختلاف يا فيض؟).

فقال له الفيض: إنّي لأجلس في حلقهم بالكوفة فأكاد أشك في اختلافهم في حديثهم حتى أرجع إلى المُفضّل بن عمر، فيوقفني من ذلك على ما تستريح اليه نفسي، و يطمئن إليه قلبي.

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): (أجل هو كما ذكرت يا فيض، إنّ الناس أُولعوا بالكذب علينا، إنّ اللّه افترض عليهم لا يُريد منهم غيره وإنّي أُحدّث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتى يتأوّله على غير تأويله، وذلك أنّهم لا يطلبون بحديثنا وبحبّنا ما عند اللّه وإنّما يطلبون به الدنيا، وكل يحب أن يُدعى رأساً، أنّه ليس من عبد يرفع نفسه إلا وضعه اللّه، وما من عبد وضع نفسه إلا رفعه اللّه و شرّفه.

فإذا أردت بحديثنا فعليك بهذا الجالس وأومى بيده إلى رجل من أصحابه)، فسألت أصحابنا عنه، فقالوا: زرارة بن أعين (25).

السادس: تميّز بعضهم ببعض الصفات المهمّة في الحديث منها قوّة الحافظة والدقّة والضابطية والصدق في الحديث، وكمثال على ذلك ورد في أحوال أبان بن تغلب أنّه كان من أحفظ الناس بحيث إنّه يرى كتابه فلا يزيد حرفاً (26).

ونُقل أنّ سفيان بن عيينة، قال: (ما كتبت شيئاً إلَّا حفظته قبل أن أكتبه) (27).

ولمّا بلغ الإمام الصادق (عليه السلام) وفاة عبدالله بن أبي يعفور، قال: (إنّه كان يصدق علينا (28).

وقال العتابي في الكُميت بن زيد: كان في الكُميت عشر خصال لم تكن في شاعر: كان خطيبَ أسد، وفقيه الشيعة، وحافظ القرآن، وثبت الجنان، وكان كاتباً حسن الخطّ، وكان نسّابة، وكان جدلًا (29).

رعاية الإمام الصادق (عليه السلام) لرواة الحديث

أخطر شيء وقف أمام حركة الحديث في عصر الأئمّة (عليهم السلام) هو التشكيك في مصداقيّة الرواة والطعن في أحاديثهم التي تلقوها عن أهل البيت (عليهم السلام) ما يجعل جهود المعصومين (عليهم السلام) تذهب هباءاً إن لم يقفوا أمام هكذا تشكيكات.

ومن هنا فقد تصدّى المعصومون (عليهم السلام) لهكذا حملات ووقفوا أمام تفشيها بين أوساط الشيعة ومنهم الإمام الصادق (عليه السلام) حيث أشرف بنفسه على وأد هذه الحركة الخطير وذلك من خلال:

1- التوثيق لمجوعة من الأصحاب المؤتمنين، وجعلهم وسائط لنقل الأحاديث، والإرجاع إليهم في الحديث، وإلزام الشيعة بالرجوع إليهم والأخذ عنهم، وعدم التشكيك فيما يصدر عنهم من الأحاديث.

ففي الحديث عن يونس بن يعقوب، قال: كنّا عند أبي عبدالله (عليه السلام)، فقال: أما لكم من مفزع؟

أما لكم من مُستراح تستريحون إليه؟

ما يمنعكم من الحارث بن مغيرة النصري؟

وعن مسلم بن أبي حيّة، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) في خدمته، فلما أردت أن أُفارقه ودّعته وقلت: أُحبّ أن تزوّدني، فقال: (ائت أبان بن تغلب فإنّه قد سمع منّي حديثاً كثيراً، فما رواه لك فاروه عنّي) (30).

وعن عبد الله بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّه ليس كل ساعة ألقاك ولا يمكن القدوم، ويجئ الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كل ما يسألني عنه، فقال (عليه السلام): (ما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي، فإنّه سمع من أبي وكان عنده وجيهاً) (31).

وعن المُفضّل بن عمر، أنّ أبا عبد الله (عليه السلام) قال للفيض بن المُختار في حديث: (فإذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس، وأومى إلى رجل من أصحابه، فسألت أصحابنا عنه، فقالوا: زرارة بن أعين) (32).

وعن يونس بن عمّار، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّ زرارة قد روى عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه لا يرث مع الأُم والأب والابن والبنت أحد من الناس شيئاً إلا زوج أو زوجة، فقال أبو عبد الله: (أما ما رواه عن أبي جعفر فلا يجوز لي ردّه) (33).

2- التحذير من الكذّابين: هناك أمر آخر تحرّك عليه الإمام الصادق (عليه السلام) في مسار حركة الحديث ألا وهو بيان أنّ هناك من يكذبون على أهل البيت (عليهم السلام) ويتقصّدون الوضع عليهم بشكل عام، والتحذير من الأخذ من الكذّابين والتأكيد على عدم التساهل في نقل الحديث، ومن ذلك قوله (عليه السلام): (إنّا أهل بيتٍ صادقون، لا نخلو من كذّاب يكذبُ علينا، فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس… إنّا لا نخلو من كذّاب أو عاجز الرأي، كفانا اللَّه مؤنة كلِّ كذّاب، وأذاقهم اللَّه حرَّ الحديد) (34).

وأجاب (عليه السلام) الفيض بن المختار عن سؤاله بشأن الاختلاف في الحديث، فقال‏ (عليه السلام): «يا فيض، إنَّ الناس أولعوا بالكذب علينا، … وإنّي أُحدّث أحدهم بالحديث، فلا يخرج من عندي حتى‏ يتأوّله على غير تأويله، وذلك أنّهم لا يطلبون بحديثنا وبحبّنا ما عند اللَّه، وإنّما يطلبون الدنيا، وكلٌ يحبُّ أن يُدعى‏ رأساً، إنّه ليس من عبدٍ يرفع رأسه إلّا وضعه اللَّه، وما من عبدٍ وضع نفسه إلّا رفعه اللَّه وشرّفه (35).

وعن داود بن سرحان، قال: سمعتُ أبا عبد الله‏ (عليه السلام) يقول: «إنّي لأُحدِّث الرجل بحديث، وأنهاه عن الجدال والمراء في دين اللَّه تعالى، وأنهاه عن القياس، فيخرج من عندي فيتأوّل حديثي على غير تأويله، إنّي أمرتُ قوماً أن يتكلّموا ونهيت قوماً، فكلٌّ يتأوّل لنفسه، يُريد المعصية للَّه تعالى ولرسوله، ولو سمعوا وأطاعوا، لأودعتهم ما أودع أبي‏ (عليه السلام) أصحابه) (36).

وعن أبي بصير، قال: سمعتُ أبا عبد الله‏ (عليه السلام) يقول: «رحم اللَّه عبداً حبّبنا إلى الناس، ولم يُبغّضنا إليهم، أما واللَّه لو يروون محاسن كلامنا لكانوا به أعزّ، وما استطاع أحد أن يتعلّق عليهم بشي‏ء، ولكنَّ أحدهم يسمع الكلمة فيحطّ عليها عشراً) (37).

أمّا البعد الآخر في عملية المنع دون وصول الكذّابين والوضّاعين إلى مقاصدهم وهي تحريف حركة الحديث عند أهل البيت (عليهم السلام) يتمثّل في فضح الكذّابين بالاسم ومن ذلك قوله (عليه السلام): (كان المغيرة بن سعيد يتعمّد الكذب على أبي…، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي؛ فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدسّ فيها الكفر والزندقة، ويسندها إلى أبي) (38).

وقال (عليه السلام) في أبي الخطّاب: (كان أبو الخطّاب أحمق، فكنتُ أحدّثه فكان لا يحفظ، وكان يزيد من عنده) (39).

وفي الحديث أنّ مجموعة من الأصحاب كانوا جلوساً عند أبي عبد الله‏ (عليه السلام) فدخل زُرارة بن أَعْيَن، فقال له: إنَّ الحكم ابن عتيبة روى‏ عن أبيك أنّه قال له: «صلِّ المغرب دون المزدلفة»فقال له أبو عبد الله‏ (عليه السلام) – بأيمانٍ ثلاث – «ماقال أبي هذا قطّ، كذب الحكم بن عتيبة على أبي) (40).

وفي بيان قول الله عزّ وجل: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ*تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} (41).

قال (عليه السلام): «هم سبعة: المغيرة بن سعيد، وبيان، وصائد، وحمزة بن عمارة البربري، والحارث الشامي، وعبد الله ابن عمرو بن الحارث، وأبو الخطّاب) (42).

وعن أبي بصير، قال: ذكر ذكر أبو عبد الله كثير النّواء، وسالم بن أبي‏حفصة، وأبا الجارود، فقال: «كذّابون مكذّبون كفّار، عليهم لعنة اللَّه).

قلت: جعلت فداك، كذّابون قد عرفتهم، فما معنى مُكذّبون؟

قال: «كذّابون، يأتوننا فيخبرونا أنّهم يصدّقونا، وليسوا كذلك، ويسمعون حديثنا فيكذّبون به) (43).

وعن محمّد بن أبي عمير، قال: حدّثنا بعض أصحابنا، قال: قلتُ لأبي عبد الله‏ (عليه السلام): زعم أبو هارون المكفوف أنّك قلتَ له: إنْ كنت تريد القديم، فذاك لا يدركه أحد، وإنْ كنت تريد الذي خلق ورزق، فذاك محمّد بن علي؟

قال (عليه السلام): «كذب عليَّ، عليه لعنة اللَّه، واللَّهِ ما من خالقٍ إلاّ اللَّه، وحده لا شريك له، حقّ على اللَّهِ أن يُذيقنا الموتَ، والذي لا يهلك هو اللَّه خالق البريّة) (44).

المنهج في الحديث

لمّا تسنّت الظروف للإمام الصادق (عليه السلام) في نشر الحديث ووجد الحملة المؤهّلين باشر في بيان قواعد الحديث وضوابطه فنشر من علومه ما سارت به الرُكبان وملأ البُلدان، ولا غرابة في ذلك فهو عالم آل محمد وزعيم من زعمائها وابن بنتها والناطق عن لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وقد كان نهج الإمام الصادق (عليه السلام) في مسار الحديث كالتالي:

1- الدعوة إلى حفظ الحديث: على غرار سائر الأئمة الهداة (عليهم السلام) سار الإمام الصادق (عليه السلام) في الحث على الحث على حفظ الحديث حتى قال (عليه السلام): (من حفظ من أحاديثنا أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة عالما فقيهاً (45).

وفي حديث آخر قال (عليه السلام): (من حفظ من شيعتنا أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة عالماً فقيهاً ولم يُعذّبه (46).

وقال (عليه السلام): (من حفظ عنّا أربعين حديثاً من أحاديثنا في الحلال والحرام بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً ولم يُعذبه) (47).

بالطبع الإمام (عليه السلام) دعا إلى حفظ الحديث ولم يحدّد المُتعلق وكما يقال: أنّ حذف المُتعلّق يُفيد العموم فيشمل حفظها الأحاديث عن قلب وحفظها في الكُتب والمُصنّفات وغيرها، وإن كان القدر المتيقّن منها حفظها عن قلب.

2-الحث على رواية الحديث: إضافة إلى الدعوة إلى حفظ الحديث حثّ الإمام الصادق (عليه السلام) على رواية الحديث وعدم الاقتصار على حفظه في الكتب والصدور ليصل إلى العالم ويتستفيد منه العباد وينتشر في البلاد ويتجاوز مرحلة الخطر المتمثلة في إتلاف الأحاديث من حرق الكتب وموت الحفظة.

ففي الحديث أنّه (عليه السلام) قال لجميل بن درّاج: (يا جميل ارو هذا الحديث لإخوانك، فإنّه ترغيب في البر) (48).

وعن معاوية بن عمّار، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل رواية لحديثكم يبث ذلك في الناس ويشدده في قلوبهم وقلوب شيعتكم، ولعل عابداً من شيعتكم ليس له هذه الرواية، أيّهما أفضل؟

قال (عليه السلام): (الرواية لحديثنا يشدّ به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد) (49).

وعن علي بن حنظلة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (اعرفوا منازل الناس على قدر روايتهم عنّا) (50).

وقال (عليه السلام): (تزاوروا، فإنّ في زيارتكم إحياء لقلوبكم، وذكراً لاحاديثنا.و أحاديثنا تعطَّف بعضكم على بعض، فإن أخذتم بها رشدتم و نجوتم، و إن تركتموها ظللتم وهلكتم، فخذوا بها و أنا بنجاتكم زعيم (51).

3- الحث على تدوين الحديث: هناك عدّة أمور دعت أهل البيت (عليهم السلام) إلى أن يأكدوا على تدوين الحديث منها:

1- أنّه وسيلة مُهمّة لنشر العلوم للأجيال عبر العصور المُختلفة.

2- أنّ تدوين الأحاديث يصونها من التلف والضياع ويحل مشكلة موت حفظتها دون إيصالها للأجيال اللاحقة.

3- أنّ تدوين الأحاديث يساهم في حل مشكلة عدم إمكان الوصول إلى الأئمة الأطهار (عليهم السلام) إمّا لبُعد المسافة وشقّة الطريق أو لملاحقة السُلطات وما شابه ذلك.

4- أنّ تدوين الحديث يحل مشكلة سوء الحافظة والنسيان وعدم الضبط خاصة أنّ بعض المُدوّنات عُرضت على الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) وضبطوها ونقّحوها.

5- أنّ تدوين الأحاديث يصونها من الوضع والتحريف الذي كان مُتفشّياً خاصة أنّ هناك وضّاعيين كانوا يترصّدون بأحاديث الأئمة (عليهم السلام) ليضعوا فيها انحرفاتهم.

من هنا فقد أكد أهل البيت (عليهم السلام) على تدوين الحديث ومنهم الإمام الإمام الصادق (عليه السلام)، ومن ذلك قوله (عليه السلام) للمُفضل بن عمر، قال: (اُكتب وبثّ علمك في إخوانك، فإن متّ فأورث كتبك بنيك، فإنّه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم) (52).

وعن أبي بصير، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال: (دخل علي أُناس من أهل البصرة، فسألوني عن أحاديث وكتبوها، فما يمنعكم من الكتاب؟ أما إنّكم لن تحفظوا حتى تكتبوا) (53).

وعن عاصم، قال: سمعت أبا بصير يقول: قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): (اكتبوا، فإنّكم لا تحفظون إلا بالكتابة) (54).

وعن أبي بصير، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال: (ما يمنعكم من الكتاب؟! إنّكم لن تحفظوا حتى تكتبوا، إنّه خرج من عندي رهط من أهل البصرة يسألون عن أشياء فكتبوها) (55).

وعن المُفضّل بن عمر، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): (اُكتب وبثّ علمك في إخوانك فإن متّ فأورث كُتبك بنيك فإنّه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتهم) (56).

وعن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال: (القلب يتكل على الكتابة» (57).

وقد ذكر الشهيد الأوّل في كتابه (الذكرى) فقال: (أنّ أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) كتب من أجوبة مسائله، أربعمائة مُصنّف، لأربعمائة مُصنّف ودوّن من رجاله المعروفين، أربعة آلاف رجل من أهل العراق والحجاز والشام، - إلى أن قال-: ومن رام معرفة رجالهم، والوقوف على مُصنّفاتهم، فليُطالع كتاب الحافظ، ابن عُقدة، وفهرست النجاشي) (58).

4- إملاء الأحاديث: وهو نوع خاص من الدعوة إلى تدوين الأحاديث حيث أملى الإمام (عليه السلام) على أصحابه بعض الأحاديث ومن ذلك كتاب (التوحيد) في بيان التوحيد أملاه الإمام (عليه السلام) على المُفضّل بن عمر الجُعفي ويُسمّى أيضاً بـ (كتاب فَكّر) لأنّ الإمام‏ (عليه السلام) يقول فيه للمُفضّل مُكرّراً: «فكرّ يا مُفضّل »ويعدّ من أفضل الكتب المؤلّفة في التوحيد، وقد طُبع مراراً باسم (توحيد المُفضّل)، وأدرجه المجلسي&في (بحار الأنوار) ) (59).

‏ومنها كتاب (الجعفريّات) وهو عبارة أحاديث ‏الأحكام، مرتّبة على ‏أبواب‏ الفقه، رواها عن‏ الإمام الصادق لابنه الإمام ‏الكاظم‘وأحاديثه‏كلّها مسندةٌ عن آبائه، أو مرفوعةٌ إلى (صلى الله عليه وآله) ونسخته الموجودة برواية محمّد بن محمّد بن الأشعث الكوفي المصريّ، عن موسى بن إسماعيل بن الإمام الكاظم، عن أبيه إسماعيل، عن أبيه الإمام الكاظم‏ (عليه السلام).

ولأنَّ الإمام جعفر بن محمّد (عليه السلام) هو مجمع الأحاديث كلِّها، فإنّ الكتاب سُمِّي بـ (الجعفريّات).

5- عرض الكتب وتوثيقها: وهي خطوة هامّة في مسار الحديث إذ لم يقتصر الإمام (عليه السلام) على حفظ الحديث وفضح الكذّابين بل عمد إلى مراجعة ما دوّن والتدقيق في ما كتب وفرز الصحيح من الأحاديث عن الموضوع وبذلك تُصان الأصول من التحريف والوضع.

فقد وثّق الإمام الصادق (عليه السلام) كتاب (الصحيفة السجاديّة) التي أخذها المتوكل بن هارون من يحيى‏ بن زيد الشهيد&وتوجّه بها إلى المدينة بعد مقتل يحيى، ودفعها إلى الإمام الصادق‏ (عليه السلام) ففتحها، وقال: «هذا – واللَّهِ – خطّ عمّي زيد، ودعاء جدّي عليّ بن الحسين) (60).

وروى الحلّي&أنّ لعبيد الله كتاباً عرضه على الصادق (عليه السلام) وصحّحه، وقال عند قراءته: (ليس لهؤلاء في الفقه مثله.. وهو أول كتاب صنفه الشيعة) (61).

‏ وجاء في ترجمة عبيد اللَّه بن عليّ بن أبي شعبة الحلبي: أنّه كان كبير إخوته ووجههم، وصنّف الكتاب المنسوب إليه، وعرضه على أبي عبد الله‏ (عليه السلام) وصحّحه، وقال عند قراءته: «أترى‏ لهؤلاء مثلَ هذا؟ (62).

6- التنويه على أخطاء الرواة: وهي خطوة عمليّة مهمّة في مسار الحديث عند الإمام الصادق (عليه السلام) حيث إنّه عمد إلى التطبيق العملي في تصحيح مسار الحديث وسلّط الأضوء على أخطاء الرواة عملياً الأمر الذي جعلهم يراقبون ويدقّقون لدى نقلهم للأحاديث ويحرصون على ضبط الروايات بالدقّة.

يقول محمد بن مسلم: قلتُ لأبي عبد الله‏ (عليه السلام): إنَّ عمّار الساباطي روى‏ عنك رواية، قال: «وما هي؟» قلتُ: روى‏ أنَّ السنّة فريضة، فقال: «أين يذهب، أين يذهب؟!

ليس هكذا حدّثته، إنّما قلتُ: من صلّى‏ فأقبل على صلاته، لم يحدّث نفسه فيها، أو لم يَسْهُ فيها، أقبل اللَّه عليه ما أقبل عليها، فربما رفع نصفها أو ربعها أو ثلثها أو خمسها، وإنّما أُمرنا بالسنّة؛ليكمل بها ما ذهب من المكتوبة (63).

7- التأكيد على المعاني: ومن الضوابط الهامّة في الحديث والتي سلّط الإمام الصادق (عليه السلام) عليها الأضواء ولفت أنظار رجال الحديث إليها هي التركيز على المعاني وعدم التقيّد بالألفاظ في حال أدائها نفس المعنى المُراد من قبل المعصوم (عليه السلام) وذلك لأنّ الألفاظ قنطرة إلى المعاني والملاك في الحديث هي المعاني.

ففي الحديث عن المختار أو غيره، رفعه، قال: قلتُ لأبي عبد الله‏ (عليه السلام): أسمع الحديث عنك، فلعلّي لا أرويه كما سمعته! فقال (عليه السلام): «إذا أصبت الصُلبَ منه، فلا بأس، إنّما هو بمنزلة تعالَ وهلمَّ، واقعد واجلس) (64).

عن داود بن فرقد، قال: قلتُ لأبي عبد الله‏ (عليه السلام): إنّي أسمع الكلام منك فأُريد أن أرويه كما سمعته منك، فلايجي‏ء، قال (عليه السلام): «فتتعمد ذلك؟» قلتُ: لا، فقال: «تريد المعاني؟»

قلتُ: نعم، قال: «فلا بأس) (65).

8- الدقّة في الإسناد: ومن الخطوات الأخرى التي أكد عليها الإمام الصادق (عليه السلام) في تصحيح مسار الحديث هي مراعاة الدقّة في إسناد الحديث وعدم التدليس في نسبته إلى غير أهله خاصة أنّ الكذّابة كانوا ينتحلون أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وفضائلهم وينسبونها إلى أنفسهم أو إلى أعداء أهل البيت (عليهم السلام).

ولذا دعا الإمام (عليه السلام) إلى الدقّة في الإسناد، فقال: (إيّاكم والكذب المُفترع»قيل له: وما الكذب المُفترع؟ قال (عليه السلام): «أن يُحدّثك الرجل بالحديث، فتتركه وترويه عن الذي حدّثك عنه (66).

تثبيت قواعد الحديث

علاوة على كل ما ذُكر في مسار الحديث عند الإمام الصادق (عليه السلام) هناك عدّة ضوابط أساسيّة عمل الإمام (عليه السلام) على تثبيتها في مضمار الحديث ليرجع إليها في تشخيص الصادر من أحاديث المعصومين (عليهم السلام) ومن ذلك:

1- ضوابط الصدور: نص الإمام الصادق (عليه السلام) في بعض أحاديثه على ضوابط كليّة في تحديد الأحاديث الصادرة عنهم (عليهم السلام) ومنها عدم مخالفة الكتاب وسنّة النبي (صلى الله عليه وآله) وأنّ ما كان مخالفاً لكتاب الله وسنّة نبيّه فهو غير صادر عنهم.

ففي الحديث عن هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنّة) (67).

وعن أيوب بن الحرّ، قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (كل شيء مردود إلى الكتاب والسنّة وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زُخرف) (68).

بالضبط هناك بحث دقيق في تعيين المراد من المخالفة وعلى نحو هي يرجع فيه إلى الأصول في بحث التعادل والتراجيح.

2- مُرجحات الراوي: فقد نصّ الإمام (عليه السلام) في بعض أحاديثه مُرجّحات الراوي عند تعارض الأحاديث والحيرة في معرفة أيّها مُرجّح للعمل، فقال (عليه السلام): (الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يُلتفت إلى ما يحكم به الآخر) (69).

3- مُرجحات الرواية: من الضوابط الأساسيّة التي سلّط الإمام الصادق (عليه السلام) الأضواء عليها في تشخيص الحديث الصادر عنهم عمّا سواه من الأحاديث المجعولة هي مُرجحات الرواية ومنها:

أ- موافقة الكتاب: حيث ورد أكثر من حديث ينص على العمل بالحديث الموافق لكتاب الله وطرح المُخالف له ومن ذلك ما ورد في مقبولة عُمر بن حنظلة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم، قال: (ينظر فيما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة وخالف العامّة أخذ به) (70).

وفي وصحيحة هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق الكتاب والسنّة، أوتجدون معه شاهداًً من أحاديثنا المُتقدّمة، فإنّ المغيرة بن سعيد لعنه الله دسّ في كُتب أصحاب أبي أحاديث لم يُحدّث بها أبي، فاتّقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى وسنّة نبينا) (71).

وعن ابن أبي يعفور، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اختلاف الحديث، يرويه من نثق به ومن لا نثق به؟

قال (عليه السلام): (إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أومن قول رسول الله (عليه السلام) فخذوا به، وإلا فالذي جاءكم به أولى به) (72).

بالطبع هناك بحث واسع في نوع المخالفة مع الكتاب يوكل إلى ومن أراد التحقيق أكثر يرجع إلى الأصول في مباحث التعادل والترجيح.

ب- الشهرة الروائيّة: وهي من المُرجحات المنصوصة التي وردت في أحاديث الإمام الصادق (عليه السلام) في ترجيح الأحاديث، ففي مقبولة عمر بن حنظلة، قال (عليه السلام): (ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك) (73).

3- مُخالفة العامّة: وهي ضابطة أخرى لتمييز الحديث الصادر عن المعصوم (عليه السلام) عمّا سواه حيث يُنظر عند تعارض الأحاديث إلى ماهو موافق لفتاوى العامّة أوما هم إليه أميل فيؤخذ بالمُخالف لهم.

ففي مقبولة عُمر بن حنظلة، قال (عليه السلام): (فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة وخالف العامّة ففيه الرشاد) (74).

بل إنّه (عليه السلام) أمر بالأخذ بما يُخالف ميل العامّة، فلمّا قال له عمر بن حنظلة بن عمر: جعلت فداك وجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لها بأيّ الخبرين يؤخذ؟

قال (عليه السلام): (بما يخالف العامّة فإنّ فيه الرشاد).

قلت: جُعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعاً؟

قال: (ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر) (75).

وهناك الكثير من الضوابط الدقيقة التي قنّنها الإمام الصادق (عليه السلام) في الحديث لا يسع المقام للحديث عنها تُوكل إلى محلّها، فإنّ هذا غيض من فيض من دور الإمام الصادق (عليه السلام) في تصحيح وضبط مسار الحديث الذي هو أساس كثير من العلوم ومنها العقائد والأحكام والأخلاق وغيرها فسلام الله على زعيم المذهب يوم وُلد ويوم عاش مظلوماً ويوم وفد على ربّه شهيداً غريبا.

........................................
(1) بصائر الدرجات: 433.
(3) ثواب الأعمال: 134.
(4) ميزان الاعتدال ج2 ص644.
(5) ضعفاء العقيلي: 1 /118.
(6) رجال النجاشي: 40.
(7) الكافي: 1/50.
(8) الكافي: 1/46.
(9) الكافي: 1/46.
(10) المحاسن: 1/146.
(11) المحاسن: 1/216.
(12) وسائل الشيعة: 27/119.
(13) مستدرك وسائل الشيعة: 17/285.
(14) معاني الأخبار: 2.
(15) بصائر الدرجات: 1/329.
(16) رجال الكشي: 2/518.
(17) الاختصاص: 207.
(18) سورة الأنعام: 89.
(19) رجال الكشي: 2/520.
(20) من لا يحضره الفقيه: 4/435.
(21) رجال الكشي: 1/141.
(22) رجال الطوسي: 123.
(23) رجال الكشي: 2/507.
(24) من لا يحضره الفقيه: 4/487.
(25) رجال الكشي: 1/347.
(26) لسان الميزان: 1/24.
(27) تأريخ بغداد: 9/178.
(28) بصائر الدرجات: 1/238.
(29) تأريخ مدينة دمشق: 50/232.
(30) رجال الكشي: 2/623.
(31) الاختصاص: 201.
(32) رجال الكشي: 1/347.
(33) تأريخ آل زرارة: 50.
(34) رجال الكشي: 2/593.
(35) رجال الكشي: 1/347.
(36) رجال الكشي: 1/399.
(37) الكافي: 8/299.
(38) رجال الكشي: 2/491.
(39) رجال الكشي: 2/584.
(40) رجال الكشي: 1/377.
(41) سورة الشعراء: 221-222.
(42) الخصال: 2/402.
(43) رجال الكشي: 2/496.
(44) رجال الكشي: 2/489.
(45) الكافي: 1/49.
(46) أمالي الصدوق: 306.
(47) الخصال: 2/542.
(48) الكافي: 2/206.
(49) الكافي: 1/33.
(50) الكافي: 1/50.
(51) الكافي: 2/186.
(52) الكافي: 1/52.
(53) بحار الأنوار: 2/153.
(54) الكافي: 1/52.
(55) بحار الأنوار: 2/153.
(56) الكافي: 1/52.
(57) الكافي: 1/52.
(58) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة: 1/59.
(59) توحيد المفضّل: 54.
(60) الصحيفة السجادية: 16.
(61) رجال العلامة: 113.
(62) فهرست النجاشي: 231.
(63) الكافي: 3/363.
(64) وسائل الشيعة: 27/105.
(65) الكافي: 1/51.
(66) الكافي: 1/52.
(67) رجال الكشي: 2/489.
(68) المحاسن: 1/221.
(69) الكافي: 1/170.
(70) تهذيب الأحكام: 6/302.
(71) رجال الكشي: 2/489.
(72) الكافي: 1/69.
(73) الكافي: 1/68.
(74) الكافي: 1/68.
(75) الكافي: 1/68.

اضف تعليق


التعليقات

محمد البسونى
مصر
هدانا الله لاهل البيت واكتشفنا تزوير الدين من ١٥٠٠ سنة ولا والله ان ولايتهم كمال وتمام للدين2021-11-22