منذ سنوات لم أدخل إلى متنزّه، ولم أقضِ أي وقت في ساحة خضراء، وأجزم أنني لم أتنفس هواءً نقيا طوال سنوات، لم يمنعني أحد من ذلك، على العكس أصدقائي وأهلي وأقاربي دائما يطلبون مني فكّ عزلتي الطوعية، وكانوا يقولون لي أنت مسؤول أمام نفسك، فهي لها حق عليك، فأنت أمام مسؤولية لا يُستهان بها، اليوم عصرا كسرتُ عزلتي، أجبرتُ نفسي وخرجت إلى متنزه قريب بمفردي.

حين دخلتُ بوابة المتنزّه رأيتُ عالما آخر، لا يشبه غرفتي الكئيبة، الأشجار كثيفة الأوراق والخضرة، الأغصان متشابكة يصعب على أشعة الشمس اختراقها، الأرض مكسوة بالحشائش الخضراء الناعمة، الهواء في قمة النقاء والعذوبة، المقاعد كثيرة والألعاب والناس تفترش الحدائق، البهجة والسرور تلوّن الوجوه والعيون.

وبّختُ نفسي كثيرا، لأنني خسرتُ هذه البهجة لسنوات، وآمنت بأنني مسؤول عن نفسي، ولكن لا يهم، فقد كسرتُ عزلتي وها أنا الآن في ربوع هذه الواحة الخضراء، وبين وجوه الناس السعيدة، شعرتُ أنني تغيرتُ فعلا وأنا أتمشى بين أشجار المتنزّه الوارفة، واستطعمتُ كثيرا لذة الهواء النقي، أما الوجوه السعيدة التي تطالعني بفرح، فهي أكثر شيء أشعرني بالراحة والأمل.

ولكن اللحظات السعيدة لا تستمر طويلا، كان هناك شاب نحيل يجلس على كرسي متحرك وسط الحديقة، يبدو أن جسده غير قادر على الحركة، وجهه شاحب، وأسنانه صفراء، وعيونه غائرة، لا أعرف لماذا جاء إلى المتنزّه وهو على هذا الحال، كانت البثور الحمراء الناعمة تصبغ وجهه ويديه ورجله، كل شيء ظاهر منه كان مطليّا بحبوب صغيرة ذات رؤوس حمراء مدببة ومليئة بالقيح.

الأسف على الشاب سرق سعادتي بهذا المكان الأخضر، دنوت من الشاب، جلست بالقرب منه، كان وحيدا، كيف وصل إلى المتنزّه وحده؟، لا أعرف، كسر قلبي، وشعرت أن موجة من القهر تجتاحني، حزنتُ على الشاب، وملأت له كأس ماء بارد، وناولته إياها، لم يتردد، أخذ مني الكأس، وشعت فرحة صغيرة في عينيه الغائرتين، الشيء الوحيد الذي لا ينقصه، وضوح الكلمات التي كان ينطقها.

قصّ لي حكايته، وكيف أُصيب بهذا المرض الملعون الذي ملأ جلده بأكياس جلدية حمراء، وانتهى بكلامه إلى أن السبب في إصابته بهذا التشوّه الجلدي القاتل عائلته، فما حدث له هو مرض معدٍ كان قد أصاب عائلة تمتُّ لهم بقرابة، نوع من الجراثيم التي لا يمكن الخلاص منها إذا لامستها.

كان الشاب يردد بألم أن ما تعرضَّ له كان يمكن أن لا يحدث لو أن أباه وعائلته تصرفت بحكمة، فالأب لم يبادر لمعالجة العائلة المريضة، ولم يبعد عائلته وأبناءه عنها، وهكذا انتقلت الجراثيم إلى جسد الشاب.

كان الحل الوحيد أما معالجة مرض العائلة القريبة، أو الابتعاد عنها وعدم مخالطتها، وهو حل متاح وممكن لو أن الأب تصرّف بمسؤولية، وكان الشاب هو ضحية سلوك الأب الذي ينمّ عن عدم شعور بالمسؤولية.

يقول الشاب المنهك النحيل: أنا كنتُ طفلا لا أعي مخاطر جراثيم العائلة المريضة التي تقرب لنا، ولم يبادر أبي لاتخاذ القرار الصحيح لحمايتي من (التجرثم)، وها أنا كما ترى ميّتاً وأنا على قيد الحياة.

الأشخاص وكذلك المجتمعات المتأخرة ينطبق عليها التجرثم الذي فتك بالشاب، فهذه المجتمعات لم تتعامل مع الجهل والتخلف بمسؤولية، والنخب لم تقم بدورها كما يجب لإبعاد جراثيم الجهل والتخلف عن الناس، باختصار المجتمع أو الدولة هي التي تتحمل مسؤولية التجرثم الذي يعاني منه الناس، وكان عليهم أن يقوموا بالخطوة الصحيحة لمعالجة الجهل والتأخّر.

قصة معبّرة وعميقة تنطبق على حالة هذا الشاب، وعلى أي مجتمع متأخر، قرأتها في صفحة القاص العراقي حسن عبد الرزاق، تقول هذه القصة:

كان المستنقع ساكنا.

أحد المجانين هو من رمى حجرا عليه، فهبَّتْ على أثر ذلك الألوف من الحشرات وجعلت من جسده وليمةً لها.

حين فرَّ الشاب هاربا منها، واصلت الحشرات ملاحقته والالتصاق به، وعندما دخل المدينة، صار المستنقع بعيدا عن الحشرات، فاستوطنت المدينة ولم تعد إلى المستنقع.

هذه القصة سردها معلم التربية الوطنية لتلاميذه، ثم سألهم من باب الاختبار:

- من يتحمل مسؤولية انتقال الحشرات إلى المدينة؟

رد الكل:

- المجنون.

إلا تلميذا واحدا خالف الآخرين وأجاب قائلا:

- المدينة هي التي تتحمل المسؤولية.

فسأله المعلم:

- كيف يا ولد؟. فأجاب التلميذ:

- لأنّ المدينة لم تطرد المجنون منذ البداية، ولم تردم المستنقع.

اضف تعليق