ملفات - عاشوراء

الحسينيون وظاهرة الرسل

الحسينيون؛ هم الوحيدون على الارض الذين تتغذي بهم ظاهرة الرسل عليهم السلام بالحياة

تتحدد الغايات السامية لرسل الله عليهم السلام بغايتين نستمدهما من القرآن الكريم هما: الاول: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [1]. فإرسال الرسل والبينات لإقامة العدل وليقوم الناس بالقسط.

والثاني: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [2]

والغايتان تتحققان ببغض الظلم كله بما فيه الشرك باعتباره ظلم عظيم (ان الشرك لظلم عظيم) وبعداوة الظالمين مهما كانوا بما فيهم النفس.

والملاحظ ان الاعلان عن تلك الغايات الرسالية تكرر كل عام بذات الشعارات من اللوعة والحزن ومقت الظالم ولعن الظالمين والتبشير بدين ال محمد الصادق ونهجهم الصحيح.

وهذا الواقع الاجتماعي صنعته نهضة الحسين عليه السلام في الامة، وهو يطابق واقع ظاهرة الرسل عليهم السلام على الارض، بسبب استذكار الاماميين لتلك النهضة المباركة بذات العلل والأهداف والآليات من خلال الشعائر الحسينية.

فمما شاء الله تعالى في استذكار نهضة الحسين عليه السلام؛ إلا ان يكون لها انصار ورايات وشعارات لا زالت تتواصل منذ يوم استشهاده عليه السلام والى ما شاء الله تعالى، وليس لاؤلئك الانصار ولتلك الشعائر ولتلك الآليات الا ان تكون ذات العلل وذات الاهداف وذات النهج لظاهرة الرسل عليه السلام فهي امتدادا تاريخيا وروحيا لها.

فالرحمة علة واضحة في كل تفاصيل نهضة الحسين عليه السلام من اولها الى نهايتها، والصبر والثبات على المبدأ في نبذ الظلم وعداوة الظالمين نهجه في السبيل الى ربه فقد كتب الحسين عليه السلام في وصيته في خروجه الى العراق حين خرج للقاء الله متيقنا: (بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف يابن الحنفية أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، جاء بالحق من عند الحق، وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي صلى الله عليه وآله اريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب عليه السلام فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين)(3)

وحتى في اخر لحظة من حياته عليه السلام يقول: (صبراً بني الكرام، فما الموت إلاّ قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائم)(4).

وكان منه عليه السلام درسا للصبر لأهل بيته وعياله، ودعاهم إلى الصبر والتحمل قائلاً: (انظروا إذا أنا قتلت فلا تشقّن عليَّ جيباً ولا تخمشن وجهاً)(5)، وتحمّلت أخته زينب ثقل هذه الملحمة الدامية، وكانت كل لحظة من وقائع الحادثة تعبيراً عن المقاومة والثبات، وحتى الكلمات الأخيرة التي تلفظ بها سيد الشهداء حين سقط على الأرض إنمّا تعكس هذه الروح من الصبر والصمود، إذ قال: (صبراً على قضائك)(6).

ونتيجة للمظلومية الكبرى في التاريخ الانساني تحول استذكار نهضة الحسين عليه السلام الى واقع تحياه البشرية بما يستذكره الاشياع غلى مر الدهور والأزمان من هذه المظلومية، فصار بغض الظالمين سيكولوجية تعيشها نفوس انصار الحسين عليه السلام ولذا نجد احسن ما قيل في الحسين عليه السلام هو ما قالته النخب العالمية من العلماء والفلاسفة والأدباء والقادة والمصلحين العالميين المعروفين من ابناء الانسانية من كافة الملل والمذاهب والأديان في شرق الارض وغربها.

اذن فالحسينيون هم الوحيدون على الارض الذين تتغذي بهم ظاهرة الرسل بالحياة من خلال تجدد غاياتها وشعاراتها بشعائر الحسين عليه السلام وبالحسينيين ُتسترجع تلك ظاهرة الرسل باسترجاع علتها وأهدافها وآلياتها.

.........................
هوامش البحث:
1- الحديد: 25
2- الممتحنة: 4
3- مقتل الخوارزمي 1: 188. و(حياة الإمام الحسين 246:2 و288). وبحار الأنوار - العلامة المجلسي (44/ 329-330).
4- نفس المهموم:135
5- اللهوف:81
6- موسوعة عاشوراء - الشيخ جواد محدثي (ص: 386)، و(مقتل الحسين للمقرم:357)

اضف تعليق