عندما يلامس "الحب" ذرات الكون يتغير كل شيء...

فقد جعله الله "أساس الكون" لأجل استمرارية الحياة، فلولا الحب لم نجد أي شيء قائم كما يجب، إنه إكسير الحياة وهو المنبّه للخلايا الميتة، والسبب الأهم لنجاح المشاريع والتفوق، ولولا الحب لما كانت هناك علاقة بين البشر مع بعضهم، ولما تحملت أية أنثى أعباء الحمل وصعوبات الرضاعة والتفاني لأجل المولود الجديد، ولما كان أي رجل أن يتحمل أعباء المصاريف الكثيرة، والكد من الصباح حتى المساء لأجل أسرته، لذا فإن الحب هو القوة الدافعة ومزود الطاقة للجسد البشري.

كذلك يعد الحب هو السبب الذي يدفع أي شخص مهما عظم مقامه إلى الخضوع والانحناء أمام جلالة اسم "الحسين"، فالحب يجعله يترك فراشه الجميل والمريح لينام على الرصيف رغبة بزيارة الحبيب، ويجعله ينسى البرد القاسي في الشتاء، ولا يعبأ بحرارة الشمس في الصيف ليخطو خطواته بثبات نحو المحبوب، ويجعله يتجشم عناء السفر وعدم الراحة شوقاً لرؤية مولاه سيد الشهداء.

والحب هو الذي يدفع بالإنسان ليركن العنصرية جانبا، وينسى الغرور الذات، ويبدأ بخدمة الجميع بنفس المستوى من دون تفرقة بين شخص أو آخر، على أساس العرق أو الدين، أو الغنى والفقر وما شابه.

إن هذا المستوى من الارتقاء هو الذي يليق بزائر الحسين (عليه السلام)، ويقدم له ما يملك فداءً وحباً، فمقام الزائر الكريم عالٍ جدا، ومن يستطيع أن يتصدى لمن تصافحه الملائكة؟؟.

كما أن الإمام الحسين (عليه السلام) يستغفر لزواره؛ فعن أبي عبد الله جعفر ابن محمد الصادق عليه السلام:

إن الحسين بن علي عند ربه عز وجل ينظر إلى معسكره ومن حله من الشهداء معه، وينظر إلى زواره، وهو أعرف بهم وبأسمائهم وأسماء آبائهم وبدرجاتهم ومنزلتهم عند الله عز وجل من أحدكم بولده، وإنه ليرى من يبكيه فيستغفر له ويسأل آباءه (عليهم السلام) أن يستغفروا له، ويقول:

لو يعلم زائري ما أعد الله له، لكان فرحه أكثر من جزعه، وإن زائره لينقلب وما عليه من ذنب.*1

ويصافح أمير المؤمنين (ع) زائر الحسين (ع) يوم القيامة:

فعن محمد البصري, عن أبي عبد الله (ع) قال: سمعت أبي (ع) يقول لرجل من مواليه وسأله عن الزيارة. فقال له: من تزور؟ ومن تريد به؟ قال: الله تبارك وتعالى. فقال: من صلى خلفه (خلف قبر الحسين ع) صلاة واحدة يريد بها الله، لقي الله يوم يلقاه وعليه من النور ما يغشى له كل شيء يراه، والله يكرم زواره ويمنع النار أن تنال منهم شيئا، وأن الزائر له لا يتناهى له دون الحوض، وأمير المؤمنين (ع) قائم على الحوض يصافحه ويرويه من الماء، وما يسبقه أحد إلى وروده الحوض حتى يروى، ثم ينصرف إلى منزله من الجنة، ومعه ملك من قبل أمير المؤمنين (ع) يأمر الصراط أن يذل له، ويأمر النار أن لا يصيبه من لفحها شيء حتى يجوزها، ومعه رسوله الذي بعثه أمير المؤمنين (ع).*2

وهكذا فإن زائر الحسين عليه السلام في مقام يتحسر عليه الجميع؛ وبخصوص زيارة الإمام الحسين(عليه السلام): عن أبي جعفر عليه السلام قال:

لو يعلم النّاس ما في زيارة قبر الحسين عليه السلام مِن الفضل لماتوا شَوقاً؛ وتقطَّعتْ أنفسهم عليه حَسرات. قلت: وما فيه؟. قال: مَن أتاه تشوّقاً كتب الله له ألف حجّة متقبّلة، وألف عمرة مبرورة، وأجر ألف شهيد مِن شهداء بدر، وأجر ألف صائم، وثواب ألف صدقةٍ مقبولة، وثواب ألف نَسَمَة أُريد بها وجه الله، ولم يزل محفوظاً سنةً مِن كلِّ آفةٍ أهونها الشَّيطان، ووُكّل به ملك كريم يحفظه مِن بين يديه ومِن خلفه، وعن يمينه وعن شِماله، ومِن فوق رأسِه ومِن تحت قَدَمِه، فإن مات سَنته حَضَرتْه ملائكةُ الرَّحمة يحضرون غُسْله وإكفانه والاستغفار له، ويشيّعونه إلى قبره بالاستغفار له، ويَفْسَح له في قبره مَدَّ بَصَره، ويؤمنه الله مِن ضَغْطَة القبر، ومِن منكر ونَكير أن يروِّعاه، ويفتح له باب إلى الجنّة، ويعطى كتابه بيمينه، ويعطى له يوم القيامة نوراً يضيء لنوره ما بين المشرق والمغرب، وينادي مُنادٍ: هذا مَن زار الحسين شَوقاً إليه، فلا يبقى أحدٌ يوم القيامة إلاّ تمنّى يومئذٍ أنّه كان مِن زُوّار الحسين عليه السلام*3.

وهذا الحب بالتحديد حير عقول البشرية، وهل ثمة قلب يغشاه الحب حين يسمع حكاية الطهر؟ إن لحب الحسين حرارة في قلوب المؤمنين، لن تبرد أبداً، لذلك من الطبيعي أن يهوى الحبيب محبوبه، ويتحمل كل شيء لأجل الوصول إليه والتقرب منه.

إن الحسين أساس الحب وإكسير الحياة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
1- أمالي الطوسي ص34.
2- كامل الزيارات ص 122, بحار الأنوار ج 98 ص 78.
3- الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعياته، للصلابي، جزء2، ص291.

اضف تعليق