إنّ المشاركة والخدمة في المجالس الحسينية فيها ثواب عظيم، ولكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحدّ، فلم يكن يوم عاشوراء مناسبة للندب والتعزية حسب، بل كان وما يزال وقفة للتأسّي بدروسه والاقتداء بأبطاله، فيجب علينا أن نقتدي بسيّد الشهداء عليه السلام وأن نتأسّى به في...

إنّ المشاركة والخدمة في المجالس الحسينية فيها ثواب عظيم، ولكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحدّ، فلم يكن يوم عاشوراء مناسبة للندب والتعزية حسب، بل كان وما يزال وقفة للتأسّي بدروسه والاقتداء بأبطاله، فيجب علينا أن نقتدي بسيّد الشهداء عليه السلام وأن نتأسّى به في جميع شؤوننا.

إنّ من بين ما تميّزت به قضية الإمام الحسين سلام الله عليه ميزتين هامّتين هما: العَبرة والعِبرة، وتكاد تكون هاتان الميزتان متلازمتين. فالذي يحظى بمنزلة أرفع وحرمة أكبر عند سيّد الشهداء (عليه السلام) هو الأقدر على الجود في العَبرة وأخذ العِبرة من قضية الإمام (عليه السلام). وعلى قدر السعي والجدّ في هاتين المسألتين سوف يحظى الفرد بالثواب والجائزة.

وكلّما جاد الإنسان في البكاء والأسى على مصاب الإمام الحسين (عليه السلام) أظهر للعالم استنكاره لما جرى على الإمام سلام الله عليه، بمعنى أنّ العبرة على الإمام مظهر لنصرته في أيّ وقت كان.

بعبارة أخرى: إنّ توقّع الإمام الحسين سلام الله عليه من الأفراد يتناسب مع منزلتهم ومقامهم. ولم يهمل المعصومون سلام الله عليهم في رواياتهم هذا الجانب، أي منازل الأفراد، حيث يقول الإمام الصادق سلام الله عليه لأحد أصحابه:

(إنّ الحسن من كلّ أحد حسن وإنّه منك أحسن لمكانك منّا، وإنّ القبيح من كلّ أحد قبيح وإنّه منك أقبح...)(1).

إنقاذ الناس من عتمة الجهل

وفيما يتعلّق بالميزة الثانية ـ وهي أخذ العِبرة ـ فقبل كلّ شيء يجب أن نعلم لماذا اختار الإمام (عليه السلام) وأبناؤه وأصحابه (عليه السلام) طريق الشهادة، وبهذه الطريقة المفجعة؟ ولعلّ زيارة الأربعين تجيب عن تساؤلنا، حيث جاء فيها:

«وبَذَلَ مُهجَتَهُ فيكَ لِيَسْتَنْقِذَ عِبادَكَ مِنَ الجَهالَةِ وَحَيْرَةِ الضَّلالَةِ»(2).

إنّ أئمّتنا سلام الله عليهم كلّهم قد بذلوا مهجهم في سبيل الله ومن أجل هداية الناس، وكما روي عنهم سلام الله عليهم «ما منّا إلاّ مقتول أو مسموم...»(3) فلماذا خُصّ سيد الشهداء (عليه السلام) بهذا التعبير؟

إنّ الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه باستشهاده قد فتح مدرسة العِبرة للجميع، ليقارعوا الظلم ويتحمّلوا الشدائد والمصاعب حتى يذوقوا طعم السعادة.

إنّ شهادة الإمام سلام الله عليه هي اختبار للناس وإتمام للحجة، وفي ذات الوقت مشعل هداية ونجاة من الجهل والتيه والظُلمة. فسيّد الشهداء (عليه السلام) هيّأ أسباب الهداية ومهّد طريقها للناس، عندما قدّم دمه الزكي من أجل النجاة من الضلالة والجهالة ليرتقي الناس إلى السعادة والفلاح.

ومهمّتنا نحن وأمثالنا أن نتمثّل هذه البطولات والتضحيات وأن نجعل من شهادة الإمام سلام الله عليه حجة بالغة، وتوظيفها على أكمل وجه لهداية أنفسنا والآخرين.

بإمكاننا أن نستلهم هذه المعاني من خلال مراجعة سريعة لصفحات التاريخ، حيث روي: أنّ أحد أصحاب الإمام الحسين سلام الله عليه اعترضه وهو في طريقه إلى مكة أو المدينة وقال لـه: إلى أين يا بن رسول الله؟ إنّ بني أمية سيقتلونك. فأجاب الإمام (عليه السلام): فبما يُمتحن هذا الخلق(4).

فدورنا أن نقتبس من نور مشعله (عليه السلام) قدر استطاعتنا لنستضيء به في طريق الهداية ونخلّص أنفسنا من الظلمات.

فمن أهمّ الدروس في سِفْرِ واقعة استشهاد الإمام أبي عبدالله (عليه السلام) هو انعتاق النفس من قيود الجهل وحلكة الضلال، وسلوك طريق الهداية، وهو بلا شكّ هدف عظيم وسامٍ إلى الدرجة التي حملت سيّد الشهداء سلام الله عليه على أن يضحّي بنفسه من أجل بلوغه. وعلاوة على البركات المستفادة من الإمام الحسين (عليه السلام)، تقع علينا مسؤوليتان كبيرتان:

المسؤولية الأولى: أن نعمل بما نعلم ونؤمن به، وأن نسعى إلى الاقتراب أكثر فأكثر من أهداف وقيم سيّد الشهداء سلام الله عليه.

لقد أراد الإمام (عليه السلام) أن ينجي العباد ـ كلّ العباد ـ من الجهل والضلال والتيه، فكلمة «عبادك»، لا تخصّ الشيعة وحدهم، بل جميع العباد. لذلك إذا أردنا أن نتقرّب منه (عليه السلام) أكثر علينا أن نبذل كلّ ما نملك في خدمة هذه القضية.

إنّ الإمام الحسين سلام الله عليه استشهد من أجل: أصول الدين، والأحكام الشرعية، والأخلاق الإسلامية. فمن أراد أن يكون على ولائه لسيّد الشهداء (عليه السلام) وأهدافه السامية، عليه أن يسعى في الحفاظ على هذه الأهداف الثلاثة التي استشهد من أجلها الإمام (عليه السلام) وأن يضعها على رأس أولوياته، لتقرّ به عين الإمام الحسين (عليه السلام) والإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف. ولنعلم بأنّه على قدر هممنا في المضي على هذا الدرب، تكون عنايتهما ولطفهما تجاهنا.

المسؤولية الثانية: هي أن نحثّ الآخرين على أن ينهلوا من هذا المعين الصافي وتعريفهم بشخصية الإمام الحسين سلام الله عليه وأهدافه ومبادئه(5). ويجدر بنا بعد أن نتمثّل التعاليم القيّمة لسيّد الشهداء (عليه السلام) أن نعلّمها لغيرنا، أي أن نطبّقها وندعو الآخرين إلى تطبيقها.

إنّ بعض الناس ليست لهم اهتمامات بحضور مجالس الوعظ والخطابة أو المجالس الدينية ـ لأسباب عدّة ـ أو لنقل إنّ حضورهم قليل ومحدود، من هذا المنطلق يتوجّب على الذين يتردّدون باستمرار على مثل تلك المجالس ويستمعون إلى محاضرات الخطباء والوعّاظ ويستفيدون ممّا يطرح فيها من أحكام ومعارف، على هؤلاء أن يسعوا إلى إرشاد الآخرين ووعظهم وأن يرفدوهم بالعلوم والمعارف ـ ولو بجزء يسير ـ التي تعلّموها من خلال مواظبتهم على حضور مجالس الإمام الحسين سلام الله عليه.

إنّ كلمة «عبادك» في عبارة «ليستنقذ عبادك» تعلّمنا أن نسعى إلى هداية جميع البشر وليس المؤمنين فحسب، وأن نأخذ بأيديهم نحو القمم العليا في الإسلام والإيمان، إلى الصراط المستقيم الذي هو صراط أهل البيت عليهم السلام.

إنّ في أعماق كلّ إنسان ـ بما في ذلك الظالم والمتعصّب والعاصي والجاهل بمختلف أنماطه ـ مساحةً للهداية وقبول الحقّ، والاستعداد للتحوّل والارتقاء، لذا فإنّ على أتباع الإمام الحسين ابن علي سلام الله عليهما أن يأخذوا بيد هؤلاء ويعينوهم على الخروج من كهف الجهل وظلمته إلى نور الهداية.

لا يستهين أحدٌ منّا بقدراته أو يقلّل من قابلياته في هذا المجال، فلكلّ منّا مواهب خلاّقة وإمكانات هائلة مطمورة في ذاته، إذا ما أحسن الاستفادة منها وتوظيفها لَوَقَف على حقيقة قدراته ولمس روائع إبداعاته، ويتجلّى لنا هذا عندما نتأمّل في البيت المنسوب إلى الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه:

أتزعم أنّك جرمٌ صغيـــــر.....وفيك انطوى العالم الأكبر(6)

فكم من الأمور التي يمكن إنجازها حتى بالقول وحده.

أحد الأشخاص الذين أعرفهم كان يحثّ الناس ويدعوهم إلى تقديم الإعانات المالية لتنفيذ مختلف أعمال الخير، وقد استطاع عن هذا الطريق بناء 80 مسجداً، وهذه مسألة مهمّة يجدر بأهل العلم أن يأخذوها في الحسبان، وهي أنّ لبعض الوسائل كالخطابة والكتابة أثراً كبيراً في جذب الناس واستنفار طاقاتهم وإمكاناتهم قد لا تتوافر في الوسائل الأخرى، لذا ينبغي أن يوجّه أهل العلم منابرهم وأقلامهم لتحقيق هذا الهدف.

وصيّة أخرى إلى الخطباء والذين يرتقون المنابر، وهي أن يختاروا أشخاصاً ممّن يجدون فيهم الأهلية والصلاح لمرافقتهم في هذه المهامّ الجهادية، لأنّ هذه الصحبة ستكون مفيدة من جهة أنّهم سيتعلّمون من سلوك الخطيب وتصرّفاته قبل أن يتعلّموا من خطبه وأقواله، ومعلوم أنّ السلوك أقوى في التأثير من الخطاب وأبلغ في التلقّي من المقال ـ وهذا أيضاً ينطبق علينا تجاه من نعتبرهم مثلنا الأعلى، فنحن نستلهم المعرفة من سيرتهم (عليه السلام) قبل أن نأخذ الدروس من أقوالهم.

وعلى هذا الأساس، فإنّ هؤلاء الأفراد الذين يصحبونكم سيستفيدون من صحبتكم أكثر. بعبارة أخرى: سيقفون على تصرّفاتكم بتفاصيلها ودقائقها، وهذا يتيح لهم التعرّف على حقيقة أحوالكم وماهيّتكم ومن ثمّ يختصر عليهم طريق التصديق بأقوالكم وآرائكم. إنّ مسؤولية هداية الناس وإنقاذهم من ظلمات الجهل والضلالة والتيه، ليست حكراً على أحد، بل هي مسؤولية عامة، وهي تعتبر أحد الدروس المستلهمة من سيرة سيد الشهداء سلام الله عليه.

إنّ تحقيق هذا الهدف يتمّ عبر عدّة أساليب ووسائل، وعلى كل منّا أن يسلك الطريق المناسب للوصول إلى هذا الهدف، وان لاّ يدّخر جهداً في سبيل ذلك.

معاملة العدو بالحسنى

إن للمدرسة الحسينية عطاءً لا ينفد، ومكاسب لا تبلى، وهي تجسّد عظمة سيّد الشهداء عليه السلام. فالحسين (عليه السلام) إمامنا ومثلنا الأعلى، فلنرَ ماذا فعل حتى نسلك طريقه ونتبع أثره؟ وهاهنا نستعرض بعض المكاسب التي جادت بها المدرسة الحسينية على الإنسانية، علّنا ننتفع بها في حياتنا:

أحد المآثر التي قام بها الإمام الحسين سلام الله عليه هي تقديمه الماء لأصحاب الحرّ الرياحي، فمن هم يا ترى أصحاب الحرّ. إنّهم جماعة كلّفهم ابن زياد بمهمّة اقتياد الإمام الحسين (عليه السلام) إليه، وكان سلام الله عليه قد قال: «حتى لو استسلمتُ لهم، فلن يتورّعوا عن قتلي».

نعم، إنّهم جاءوا لمحاربة الحسين (عليه السلام) وقتله في حال عدم استسلامه، لكنّ الحرّ رجع إلى نفسه وتاب في يوم عاشوراء بعد الذي بدر منه في البداية، فتاب الله عليه.

والآن لنرَ ماذا فعل أصحاب الحرّ؟ فريق منهم رمى الإمام (عليه السلام) بوابل من سهامه، وفريق آخر حاربه بالرمح والسيف، وأولئك الذين لم يكن معهم سلاح أمطروه بقطع الخشب والحجارة، كما ساهم بعضهم في قتل علي الأكبر (عليه السلام) ابن الإمام سلام الله عليه، ومنهم من رمى أبا الفضل العباس (عليه السلام) بالسهام. وكان الإمام عليه السلام يعرفهم ويعرف نواياهم، لكن مع ذلك سقاهم الماء، وهنا يمكن أن نسأل: «يا أبا عبد الله لماذا سقيتهم الماء؟». الجواب هو أنّ الله تعالى يريد من الإنسان أن يخدم أخاه الإنسان صالحاً كان أم طالحاً، وهنا أيضاً لا ينبغي أن يقال: لو لم يسقهم لما دخل بعضهم النار معللاً الأمر بأنهم كانوا سيموتون من العطش، وبالتالي لم يكونوا ليشاركوا في محاربته سلام الله عليه، لأنّ الله يريد من الإنسان أن يخدم نظيره الإنسان بغضّ النظر عن كونه كافراً أو مسلماً، عادلاً أو فاسقاً، ولكن بشرط أن لا تكون تلك المساعدة علامة على تأييد مسلكهم الخاطئ.

لنحاول تعلّم هذه الدروس من الإمام عليه السلام وأن نستعمل ألسنتنا ومواقفنا في فعل الخير دائماً ومع الجميع دون استثناء، فإذا كان باستطاعتنا التفريج عن كربة مكروب لا نتردد في ذلك، وإذا كان بإمكان المرء أن يساعد بماله أو لسانه أو التوسّط للمساعدة لصالح من يعرفه أو حتى من لا يعرفه، فليفعل.

لاشكّ في أنّ قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) كانوا شرّ خلق الله، لكن مع ذلك نرى الإمام سلام الله عليه نفسه في ذلك اليوم يترجّل عن فرسه ليسقي من ماء قربته أحد أفراد العدوّ الذي زالت قواه من شدّة العطش ولم يقوَ على النهوض، يقول بعض الرواة بأنّ ذلك الشخص كان أحد الذين شاركوا في قتل الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء، والإمام (عليه السلام) نفسه كان يعلم بهذا، ومع ذلك سقاه الماء.

كان بإمكان الإمام الحسين سلام الله عليه عند لقائه الحرّ وجيشه المنهك العطشان أن يبيدهم عن بكرة أبيهم بإشارة واحدة ـ كما قلنا ـ خصوصاً أنّه كان أكثر منهم استعداداً وتأهّباً وجاهزيّة للقتال، وكان محتاطاً لكل شيء، وفي المقابل كان أفراد جيش العدو خائرين وعطاشى، ولم يكونوا يقوون على القتال، ولو قُدّر لهم أن يشتبكوا لما نجا منهم أحد البتّة، لقد كان أولئك في قبضة الإمام سلام الله عليه وما كان عليه إلاّ أن يشدّ قبضته حتى يعصرهم في سويعات قليلة فيقضي عليهم أو يأسرهم في معركة سهلة، لكن ليست هذه من شيم الإمام سلام الله عليه ونبل أخلاقه، فقد عاملهم بالحسنى وقدّم لهم ولخيولهم الماء ليرتووا.

لقد وقف الحرّ في طريق الإمام الحسين سلام الله عليه ولم يسمح لـه بالتقدّم معلّلاً ذلك بأنّه مأمور بالتصدّي لجيش أبي عبد الله (عليه السلام) ومنعه من التقدّم، وعلى الرغم من أنّ الحرّ لم يتعرّض للإمام سلام الله عليه بسوء لأصالة معدنه ونقاء ذاته، إلا أنّه على أيّ حال كان يُحسَب على الأعداء، وكان بمقدور الإمام (عليه السلام) منع الماء عنه وعن جيشه ليهلكوا جميعاً من العطش، لأنّه كان في حالة دفاع عن النفس، لكنّه (عليه السلام) أبى أن يلجأ لمثل هذه الأساليب ومعاملتهم بنفس منطقهم، وأن يبيح لنفسه إهلاكهم بالعطش. فسيرة أئمّتنا سلام الله عليهم سيرة الهداية وإنقاذ الناس.

لقد ضرب الإمام سلام الله عليه مثلاً رائعاً في اللطف والعطف حتى مع أعدائه، وكان يأمل (عليه السلام) أن يهدي به الله ولو فرداً واحداً من جيش العدو وينقذه من شفير الهاوية وعذاب الآخرة.

تنطوي هذه الأحداث والوقائع المروّعة والمعبّرة في آن معاً على دروس جمّة وعميقة الغور وهي تعتبر بحقّ مصنع الإنسان، وإنّ الوقوف عند تفاصيلها مدعاة للوعي والتنوير.

علينا أن نعمل جاهدين لكي نعرّف العالم على هذه السيرة المفعمة بمعاني الإنسانية، وأن نثبت لهم بأنّ الإسلام يختزن في كل لبنة من لبنات صرحه الشامخ مبادئ الرحمة والمروءة والواقعية والإنسانية بكلّ ما في هذه الكلمات من معانٍ ومفهوم وفي أرقى مستوياتها، ومتى ما استطعنا إيصال تلك التعاليم المضيئة إلى أسماع العالم فإنّنا قد أنزلنا هدف الإمام الحسين سلام الله عليه «ليستنقذ عبادك» إلى أرض الواقع والتطبيق.

والجدير بالملاحظة أنّ الجهل بهذه التعاليم النورانية لا يقتصر على غير المسلمين في العالم، بل إنّ الكثير من المسلمين لا يزالون يجهلون الجزء الأكبر من حقائقها. وهذه التعاليم تتطلّب الشرح والتفسير وتنطوي على دقائق وأسرار كثيرة ينبغي لنا أن نعرضها على الناس كما هي.

في رواية صحيحة عن الإمام علي بن موسى الرضا سلام الله عليه أنّه قال لأبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي ـ وهو من الثقات ـ: «رحم الله عبداً أحيا أمرنا، فقال أبو الصلت: وكيف ذلك؟ فقال الإمام (عليه السلام): يتعلّم علومنا ويعلّمها للناس، فإنّ الناس لو عَلموا محاسن كلامنا لاتّبعونا»(7).

إنّ درجات العلماء ومراتبهم عند الله سبحانه وتعالى وأهل البيت سلام الله عليهم يوم القيامة تعتمد على مقدار علمهم وجدّهم واجتهادهم في هداية عباد الله وإرشادهم.

حينما نقول مثلاً: إنّ فلاناً جادّ في عمله، نعني أنّه يسعى في كسب رزقه في كلّ الأحوال والظروف صيفاً وشتاءً، ولا يؤثّر عليه شيء آخر، وكذلك هو الحال مع من يريد أن يتشرّف بزيارة بيت الله الحرام فلن يتوانى عن طرق جميع الأبواب وتهيئة مستلزمات هذا الأمر العظيم حتى يوفّق في تحقيقه. وهكذا بالنسبة للعالم المجدّ الذي يسعى في هداية خلق الله فهو لا يترك صغيرة أو كبيرة إلا ولجأ إليها لكي يفوز بهدفه وهو عبودية الناس لله وهدايتهم وما من شك أنّ الله يسدّد خطاه في مسعاه.

إذا عقد أهل العلم العزم على هداية الناس وأظهروا الجدّية في إيصال رسالة أهل البيت سلام الله عليهم، عند ذاك نستطيع القول أنّهم قد ارتقوا إلى مستوى المسؤولية وأدّوا ما عليهم، والحقّ أنّ الإمام الحسين سيّد الشهداء (عليه السلام) لم يجر تعريفه للناس كما يجب وكما هو حقّه باعتباره إمام الحقّ في الدنيا والآخرة وإمام الإنس والجنّ، ولا شكّ أنّها مهمّتنا جميعاً وبالأخصّ أهل العلم أن نقدّم سيرة الإمام (عليه السلام) إلى العالم وأن نجسّد مقولة الإمام المعصوم الخالدة المتمثّلة في عبارة «ليستنقذ عبادك» على الواقع.

نأمل أن نستوعب جميعاً دروس المدرسة الحسينية في الهداية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والثقة بالله تعالى وإظهار المحبّة مع الصديق والعدوّ... وغير ذلك من الدروس القيّمة، وأن نعلّمها للناس، ونجعلها مهمّتنا جميعاً بلا استثناء، إن شاء الله.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

بعد التدبّر بمقولة الإمام (عليه السلام) الخالدة: «أريد أن آمر بالمعروف...»(8)، يتّضح أنّ من جملة الدوافع الحقيقية لقيامه عليه السلام هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي فيه دلالة على أهميّة هاتين المسؤوليتين.

حينما يسعى الإنسان في الأمر بالمعروف، يلزم أولاً أن يهيّئ المستلزمات العقلية والشرعية التي يتطلّبها هذا الأمر، وأن يعمل على تعبئة جهوده واستنفار طاقاته لهذا الغرض. صحيح أنّ هذه المسألة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) واجب كفائيّ، أي بقيام أحد المكلّفين بها يسقط تكليفها عن الباقين، ولكن المشكلة تكمن في إحراز الفرد قيامَ أحدٍ بالأمر، ليسقط تكليفه عن الباقين، ممّا تحتّم علينا وكلّ من موقعه التصدّي لهذا الأمر، وذلك لأنّ الجهل بأحكام الإسلام في الواجبات والمحرّمات ضارب بأطنابه في أوساط المسلمين.

وكما أنّ القرآن الكريم يتحدّث صراحة عن شكوى النبي صلى الله عليه وآله من هجر المشركين لكتاب الله حيث تقول الآية:

(وقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إنَّ قَوْمي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآنَ مَهْجُوراً)(9).

كذلك كان الأمر من كثير من المسلمين بعد إعراضهم عن كتاب الله تعالى وتركهم امتثال جميع أوامره ونواهيه، خصوصاً بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله إلى الرفيق الأعلى.

فالعمل بالقرآن الكريم وعدم هجره لا يقتصر على إقامة الصلاة وأداء الصوم ومناسك الحجّ وشعائره، بل إنّ لعدم هجر القرآن وأداء حقّه على الوجه الأكمل والتزام حدوده معنى أوسع وأشمل ممّا نتصوّر. هناك طيف عريض من الناس ليس لهم إلمام بالأحكام المعروفة الواردة في كتب الفقهاء. من هنا تأتي ضرورة مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ طبعاً بشروطها ـ وتعليم الناس أحكام الإسلام، وإذا كان الإمام الحسين سلام الله عليه قد ضحّى بنفسه الزكية من أجل تثبيت دعائم الإسلام وتطبيق أحكامه، فإنّ أقل واجب يقع على عاتقنا هو أن لاّ نبخل بتعليم الناس أحكام الإسلام، فلو جرى إطلاعهم على مسائل الشريعة لتحصّنوا ـ ولو بمقدار ـ ممّا يعرض لهم في حياتهم. فالسبيل الأمثل لتحقيق هذا الأمر هو تلبية نداء النصرة الذي أطلقه الإمام سيّد الشهداء سلام الله عليه وانتشال الناس من أوحال الحيرة وظلمات الجهالة إلى نور الهداية.

أنقل لكم حادثة سمعتها قبل أكثر من ثلاثين أو أربعين عاماً من أحد رجال الدين، قال إنه عزم على السفر إلى الهند في رحلة تبليغية، وقد ذهب إلى قرية هناك كان يعرفها بالاسم، ولكن لم يكن لديه اطّلاع واضح عنها ولا عن أهلها، وسُرَّ أهل القرية كثيراً لمقدم رجل الدين وإلقائه الخطب فيهم، وفي أحد الأيام أقامت إحدى حسينيات تلك القرية مراسيم عزاء سيّد الشهداء سلام الله عليه، وقد أُلبست بالسواد، وفي أثناء دخول وقت الصلاة انتبه رجل الدين إلى عدم رفع الأذان في الحسينية وعندما سئل عن السبب، صُدِم لما عرف أنّ أهل القرية لا يعرفون الأذان ولا حتى الصلاة، بل إنّ الإسلام لمّا يدخل قلوبهم بعد، فهم لايزالون على كفرهم السابق، عند ذاك ارتقى المنبر وخطب في الناس قائلاً:

أيّها الناس، قد جاءكم الإمام الحسين سلام الله عليه بعدما عرفتموه بقيامه الذي أنار ظُلَم القلوب، وإنّ لهذا الإمام جدّاً عظيماً ووالداً كريماً وأمّاً طاهرة وأخاً مجتبى (عليه السلام) يكنّ لهم الإمام حبّاً واحتراماً فائقين، فإن لم يكن هؤلاء (عليه السلام) قد جاءوا إلى قريتكم بعد، فها هو الإمام الحسين (عليه السلام) وهو خامسهم قد شرّف دياركم بقدومه، فحريّ بكم أن تستقدموا بقية الأسرة الطاهرة الكريمة لتتشرّفوا بهم وتنهلوا عنهم ما حملوا عن ذلك الجدّ العظيم رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله من ختم رسالات السماء... إلى آخر ما أبان لهم في خطبته المضيئة عن الإسلام والنبيّ وأئمة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وأضاف قائلاً: لقد أطلعتهم على أصول الدين وفروعه من الألف إلى الياء، ممّا كان لـه أثر كبير عليهم، حيث اعتنق جميعهم أو معظمهم الإسلام.

في الحقيقة، إنّ قلوب هؤلاء كانت بمثابة صفحات بيضاء لم يُكتب فيها شيء، وحين أضاء نور الإسلام قلوبهم أسلموا لـه، ولا عجب في هذا، فما تزال الدنيا ـ برغم ظلماتها وضبابها ـ تحتوي على صفحات بيضاء ناصعة مهيّئة لأن تمتلئ بأحرف من نور سيّد الشهداء (عليه السلام) إذا ما أشرق عليها. وإذا ما حملنا المسؤولية المتمثّلة في هداية الناس وأطلعنا العالم على النهج الحقّ لسيّد الشهداء سلام الله عليه، فستهوي أفئدتهم إليه لا محالة وسينضوون تحت لوائه.

ومن الضروري أيضاً تعرية النهج التعسّفي لبني العباس وبني أمية وإطلاع الناس على الحقيقة المخزية للظلمة أمثال معاوية ويزيد وهارون والمأمون والمتوكل الذين كانوا يقتلون الناس لموالاتهم أهل بيت الرسالة ومعدن العلم آل محمد صلى الله عليه وآله، وعلى الشبهة والظنّة. كذلك وفي الوقت نفسه ينبغي أن ننقل الصورة المشرقة لسيرة الإمام الحسين سلام الله عليه ونهجه مع عدوّه الذي كان في قبضته والذي كان بإمكانه القضاء عليه بإشارة واحدة لكنّه أبى إلاّ أن يُحسن معاملته وأن يسقيه وخيله من الماء. فإذا أحسنّا القيام بواجبنا في تقديم الصورة الناصعة لأهل البيت عليهم السلام إلى بقية الأمم واطّلع الناس عليها، فإنّهم سيعتقدون بهم وبنهجهم، وسيزدادون بعداً عن الظلمة والمستبدّين ومن إليهم.

الثقة بالله

على كل فرد منّا أن يمضي في طريق الأهداف التي بذل الإمام الحسين (عليه السلام) مهجته في سبيل تحقيقها، وأن ننتخي جميعاً لتلبية النداء الذي أطلقه. لقد قال سلام الله عليه في يوم عاشوراء:

«اللهمّ أنت ثقتـي في كلّ كرب»(10).

وللفظة «ثقة» هنا مفهوم عميق، ولربّما نستطيع أن نبيّن معنى قول الإمام (عليه السلام) هذا في ضوء المعنى العميق الذي تكتنزه لفظة (ثقة) على النحو التالي: «اللهمّ أنت سندي واطمئناني وإيماني واعتمادي».. و«للكرب» أيضاً معنى دقيق وقد اختير من بين المفردات التي تعني الانكماش والاضطراب والحزن. وفي تقديم الضمير هنا دلالة خاصة تتمثّل في الحصر والتخصيص، فيكون المعنى الإجمالي للعبارة: إلهي أنت وحدك مدعاة سكوني واطمئناني عند عظيم الكربة وفرط الغمّ، وأنت من يهدّئ خاطري ويسكّن روعتي.

والحقّ أنّ فصحاء العرب لم يشهدوا من قبل مثل هذا البيان والترتيب الباهر للألفاظ لتفيد هذه المعاني الراقية والغايات السامية.

إنّها مسألة في غاية الأهمية أن يثق الإنسان بالله ويعتمده، وهي في ذات الوقت صعبة المنال لكنّها ليست بالمستحيلة فهي ممكنة بالجدّ والاجتهاد. فلو وثق الإنسان بربّه، سيبلغ لا محالة مرحلة التكامل ويحلّق في رحبة الآفاق الروحية.

في أغلب الأحيان عندما نعمل عملاً صالحاً تتوق أنفسنا إلى أن يطّلع عليه الآخرون، حتى لو تعاملنا بدهاء لكي نخفي ما جُبلت عليه أنفسنا وحاولنا أن نغطّي على عُجْبها وزهوها، وتظاهرنا بعدم اهتمامنا بهذا الأمر، ستبقى في أعماقنا بقايا رغبة تدفعنا إلى إطلاع الآخرين على إنجازاتنا ونقول في أنفسنا ليت فلان حاضراً ليشهد ما أصنع. فإذا ما وضع الإنسان ثقته بالله وكان موئل اعتماده، كبرت روحه، واتّسع أفقه، وعند ذاك سيطرح عنه هذه الصغائر النفسيّة.

لقد أطلق الإمام الحسين سلام الله عليه، نداءه هذا في لحظات عصيبة افتدى فيها بكلّ ما يملك في الظاهر من هذه الدنيا من إخوة ومال وبنين، وكلّ شيء، وكان هو نفسه مثخناً بالجراح وملقى على الرمال الحارقة في أرض كربلاء التي عفّرت جسده الطاهر وهو ينزف دماً زكياً، في تلك البرهة التي سقط إخوته وأبناؤه وجميع أصحابه الأوفياء مضرّجين بالدماء، ولم يتبقَ إلاّ أهل بيته وعياله الذين كانوا يتابعون المشهد المأساويّ بصبر وألم، في هذا الخضمّ الهائج من البلايا وأمواج المصائب العاتية يتوجّه الإمام سلام الله عليه إلى الله ليؤكّد ثقته به: «اللهمّ أنت ثقتـي في كلّ كرب»، إنّها حقّاً تُبرز أنّه صلوات الله عليه كان ممسوساً في ذات الله تعالى حين يطلق هذا القول وسط غبار المعركة المتصاعد واشتداد أوارها، وهو ما دعا أحد الرواة الشهود على واقعة كربلاء لأن يصف رباطة جأشه وقوّة عزمه سلام الله عليه بما يلي:

«... فو الله ما رأيت مكثوراً قطّ قد قُتل ولده وأهل بيته وصحبه أربط جأشاً منه...»(11).

ثمّة أناس لم يستوعبوا جيّداً معنى التوكّل، حيث يتصوّرون أنّ التوكّل يعني تركهم للأفعال الواجبة واليومية المتداولة(12)، ويعتقد هؤلاء بتعارض فكرة التوكّل مع الأخذ بالأسباب الدنيوية الطبيعية وأنّ أمور المتوكّلين الدنيوية والمعاشية تتأتّى عن طرق غيبية غير متداولة، وليس عليهم أن يبذلوا الجهد لتهيئة أسباب معيشتهم وتحسين أساليب حياتهم. لكن التعاليم الإسلامية تفنّد هذا التصور. إنّ عبارة «اللهمّ أنت ثقتـي في كل كرب» لا تعني بأيّ حال من الأحوال أن يقفز الإنسان على قوانين الدنيا ويترك الجدّ والاجتهاد، جاء في القرآن الكريم:

(وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى)(13)، فالتوكّل يعني أنّه في الوقت الذي يبذل الإنسان جهده ويأخذ بأسباب الدنيا المتاحة، عليه أن يضع ثقته في التقدير الإلهي ويعتمد على الله سبحانه وتعالى اعتماداً مطلقاً، ويرضى بما قسم له.

من المعلوم أنّ سيّد الشهداء (عليه السلام) قد أعدّ ليوم عاشوراء كل الأسباب والمستلزمات الضرورية والتوكّل على الله، ويُروى في هذا الشأن أنّ قافلته كانت تحتوي بالإضافة إلى الأبقار والأغنام، 250 من الإبل، كما ورد في بعض النصوص التاريخية أنّ سيّد الشهداء سلام الله عليه قد حطّ رحاله على أرض كربلاء بمعيّة ألف وخمسمائة شخص(14)، ومعلوم أنّ تهيئة الطعام والماء لهذا العدد من الأشخاص بالإضافة إلى 250 من الإبل ومعها الأبقار والأغنام ليس بالأمر السهل.

قبل أن يلتقي الإمام الحسين سلام الله عليه بالحرّ الرياحي وصل إلى مكان فيه ماء فأمر أصحابه أن يستقوا من الماء، وفي المقابل كان الحرّ يقف مع جنده الذين بلغوا زهاء الألف وقد غرز العطش مخالبه فيهم وفي خيولهم، حول هذه الواقعة، يروي لنا التاريخ أنه: «قال الحسين (عليه السلام) لفتيانه:

اسقوا القوم وارووهم ورشّفوا الخيل ترشيفاً»(15).

علاوة على شدّة حرارة الجوّ، كان يجب إرواء الخيل والإبل التي تشرب عشرة أضعاف كمية الماء التي يشربها الإنسان، من هنا يتّضح لنا بأنّ الإمام سلام الله عليه كان يحمل معه كمية كبيرة من المياه استطاع أن يسقي بها 1500 من المقاتلين وسائر أفراد القافلة و250 من الإبل، بالإضافة إلى سقاية ألف مقاتل من جيش الحرّ مع خيولهم، ما يعني أنّ الإمام سلام الله عليه قد أعدّ لمحاربة العدو كل مستلزمات القتال من عدّة وعدد، واحتاط للأمر بما يتناسب مع حجمه وأهميّته.

يتبيّن ممّا قيل، أنّ عبارة «اللهمّ أنت ثقتـي في كلّ كرب» لاتعني بأيّ حال من الأحوال أن يترك الإنسان العمل والمثابرة ويركن إلى الكسل، بل أن يعدّ لكل شيء في هذه الدنيا عدّته ويهيّأ أسبابه، وأن يسعى في حلّ المسائل بالطرق المشروعة، دون أن يستغني عن التوكّل على الله وأن ينيب إليه في جميع أموره وأن يلجأ إليه وحده دون غيره.

نستخلص مما تقدّم أنّ لكلّ من التوكّل والعمل مكانته وأهميّته الخاصّة به، وهما ينسجمان مع بعضهما ويكمّل بعضهما الآخر.

ذكر الحسين (عليه السلام) ذخر ليوم الحساب

روي عن الإمام الصادق سلام الله عليه:

«إن الذي يلي حساب الناس قبل يوم القيامة الحسين بن علي (عليهما السلام)، فأما يوم القيامة فإنما هو بعث إلى الجنة وبعث إلى النار»(16).

كلنا سنرحل عن هذه الدنيا وسنحاسَب على أعمالنا في ثلاث محطّات ـ أعاننا الله عليها ـ حيث نُقل في بعض الروايات أنّه عند الموت، يؤتى بروح الإنسان لتُسأل، وحسب الرواية فإنّ الجسد لا يرفع من مكانه ما لم يتمّ الانتهاء من الحساب. وهناك حساب ثانٍ قبيل يوم القيامة، وثالث في يوم القيامة. وتصرّح الرواية المذكورة بأنّ حساب البرزخ للمؤمن والكافر فرادى وجماعات هو من اختصاص الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه فقط.

إذاً كلّنا سنواجه الإمام سلام الله عليه وسنكون مسؤولين أمامه، وقد خصّه الله جلّ وعلا بخصوصية لم يخصّ جدّه أو أباه أو أمّه أو أخاه بها ـ مع أنّهم جميعاً يفوقونه في المنزلة ـ هذه الخصوصية هي في حسابه للخلق قبل يوم القيامة.

إذاً علينا أن نتزوّد ليوم الحساب مادامت الفرصة سانحة، حيث يقول الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: «فإنّكم لو قد عاينتم ما قد عاين من مات منكم لجزعتم ووهلتم»(17).

وفي رواية أخرى له:

«فإنّ اليوم عمل ولا حساب، وإنّ غداً حساب ولا عمل»(18).

لا يستطيع الإنسان يومئذ إضافة حسنة واحدة في صحيفة أعماله ولا محو سيّئة واحدة منها. لهذا، وبسبب انقطاع الإنسان عن العمل في الدار الآخرة ـ من ذكرٍ ينفعه أو حسنة تضاف لـه ـ تراه يتحسّر على كلّ لحظة من لحظات حياته، لم يستزد من عملٍ صالح أو يقلع من ذنبٍ، وما إلى ذلك.

عاشوراء والأحكام الاستثنائية

لقد خصّ الله سبحانه وتعالى الإمام الحسين (عليه السلام) بامتيازات دون غيره، فمثلاً: ورد في روايات عدّة ما يشير إلى: كراهة الصلاة بلباس أسود، لأنّ السواد يقلّل من ثوابها، كما يكره الطواف بلباس أسود، ويكره أيضاً الجزع على الميّت وهو غير الحزن والبكاء، فالجزع يعني العويل على الميّت، أو الضرب على الرأس واللطم على الوجه، لكنّ الجزع ولبس السواد على الإمام الحسين سلام الله عليه ليس غير مكروه فحسب، بل كما قال بعض العلماء هو مستحب أيضاً. فالامتيازات التي خصّ الله تعالى بها الإمام الحسين (عليه السلام) لم يشرك معه غيره من المعصومين سلام الله عليهم بها، وبعض الأمور التي تكره في مواضع أخرى قد تكون غير مكروهة إذا كانت في سبيل الإمام الحسين سلام الله عليه بل تُعدّ فضلاً وثواباً.

روى الشيخ في المصباح، عن عبد الله بن سنان قال: دخلت على سيدي أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) في يوم عاشوراء فألفيته كاسف اللون، ظاهر الحزن، ودموعه تنحدر من عينيه كاللؤلؤ المتساقط. فقلت: يا ابن رسول الله ممّ بكاؤك، لا أبكى الله عينيك؟ فقال لي:

أوَ في غفلة أنت؟ أما علمت أنّ الحسين بن علي أصيب في مثل هذا اليوم؟

قلت: يا سيدي فما قولك في صومه؟ فقال لي:

صمه من غير تبييت وأفطره من غير تشميت، ولا تجعله يوم صوم كملاً وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء فإنّه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلّت الهيجاء عن آل­ رسول ­الله وانكشفت الملحمة عنهم وفي الأرض منهم ثلاثون صريعاً في مواليهم يعزّ على رسول الله (صلى الله عليه وآله) مصرعهم ولو كان في الدنيا يومئذ حيّاً لكان صلوات الله عليه وآله هو المعزَّى بهم.

قال: وبكى أبو عبد الله سلام الله عليه حتى أخضلت لحيته بدموعه ثم قال:

«إن الله عزّ وجلّ لما خلق النور خلقه يوم الجمعة في تقديره في أوّل يوم من شهر رمضان، وخلق الظلمة في يوم الأربعاء يوم عاشوراء في مثل ذلك اليوم يعنـي العاشر من شهر المحرم في تقديره وجعل لكلّ منهما شِرْعَةً ومِنْهاجاً...».(19)

فالله تعالى قد أكرم الإمام الحسين سلام الله عليه بقائمة طويلة من الامتيازات. وعلى هذا الأساس، فأولئك الذين يتحمّلون قسطاً أكبر من الشدائد والصعاب في سبيله(20)، الذي هو سبيل الله تعالى، سيغبطهم غيرهم ويتحسّر عليهم.

إنّ مثل الآخرة كمثل أسواق الدنيا، من يعمل ويكدّ أكثر، يكون ربحه في نهاية الموسم أكبر، ومن كان عمله أقلّ كان ربحه بطبيعة الحال أقلّ من غيره، مع فارق واحد وهو أنّ كلّ ما يجمعه الإنسان في سوق الدنيا ـ قلّ أو كثر ـ هو متاع قليل، بينما الخدمة لسيّد الشهداء سلام الله عليه هي الثروة الأكثر التي يستطيع الإنسان أن يأخذها معه لآخرته. يقول الإمام الحسين سلام الله عليه مخاطباً أصحابه: «الدُّنْيا حُلْوُها وَمُرُّها حُلم»(21).

أحياناً يرى الإنسان أحلاماً سعيدة، لكن ما أن ينتبه من نومه حتى يتحسّر على كونها مجرّد أحلام، وبالعكس حينما يرى كابوساً، يفرح حين يرى أنّه كان حلماً لا حقيقة، وبالنسبة لنا عندما ننتقل إلى الآخرة سنرى بأنّ الدنيا لم تكن إلاّ مثل حلم وانتهى، لكنّ الخدمات التي نقدّمها في طريق محبّة الإمام الحسين سلام الله عليه، تبقى، وكلّما كانت هذه الخدمات أكثر وأكبر كانت فرحتنا أعظم.

جزاء قتلة سيّد الشهداء (عليه السلام)

نقل صاحب كتاب كامل الزيارات (وهو من المصادر المعتبرة والقيّمة لدى الشيعة) خبراً مفاده أنّ كلّ من شارك في قتل الإمام سيّدالشهداء سلام الله عليه ابتلي بأحد الأمراض الثلاثة: الجنون والجذام والبرص(22).

ويفيد الخبر أيضاً: أنّ هذه الأمراض قد انتقلت إلى بعض ذريّاتهم من بعدهم، على الرغم من أنّهم لم يكونوا في عصر ارتكاب الجريمة، إلا أنّ ذلك من عواقب فعل آبائهم في قتل الإمام الحسين سلام الله عليه. وهذه مسألة تكوينية.

كما نقرأ في (كامل الزيارات) أيضاً: أنّ قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) قد قُتلوا جميعاً، ولم يمت أيّ منهم ميتة طبيعية. وفي هذا السياق يقول الإمام الباقر سلام الله عليه:

«والله لقد قُتل قتلة الحسين ولم يُطلب بدمه بعدُ»(23).

والله تعالى لم يرض بعد، لأنّ للإمام الحسين (عليه السلام) مكانة في الملأ الأعلى، عظيمةٌ جداً. نسأل الله تعالى أن يوفّقا جميعاً لخدمة شعائر الإمام الحسين (عليه السلام).

وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.

* مقتطف من كتاب إحياء عاشوراء، وهو يجمع سلسلة من محاضرات المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)

.......................................
(1) بحار الأنوار: ج 47، الباب 33، ص 349، ح 50.
(2) تهذيب الأحكام: ح 6، ص 113، ح 17.
(3) كفاية الأثر: ص 227.
(4) اللهوف: ص 67.
(5) من الطبيعي أن لا يوجد تسلسل زمني بين هاتين المسؤوليتين ـ وهما من المسائل الملزمة في الأحكام ـ بمعنى أنّه لا يشترط الانتهاء من المسؤولية الأولى للشروع في تنفيذ المسؤولية الثانية، بل يُمكن تنفيذهما معاً، كما أنّ تنفيذ أيّ منهما لا يغنينا عن تنفيذ الثانية.
(6) مجمع البحرين: ج 1، ص 122، مادة: انسان.
(7) عيون أخبار الرضا سلام الله عليه: ج 1، ص 307.
(8) بحار الأنوار: ج 44، ص 329.
(9) سورة الفرقان، الآية 30.
(10) الإرشاد: ج2، ص 96.
(11) بحار الأنوار: ج 45، ص 50.
(12) ومجرد الاعتماد على الله.
(13) سورة النجم، الآية: 39.
(14) الإرشاد: ج 2، ص 78؛ بحار الأنوار: ج 44، ص 376
(15) بحار الأنوار: ج 44، ص 376.
(16) بحار الأنوار، ج 53، باب الرجعة، ص 43، ح 13.
(17) نهج البلاغة، ص 62، الخطبة 20.
(18) الكافي، ج 8، ص 58.
(19) بحار الأنوار: ج45 ص36 سائر ما جرى عليه سلام الله عليه، ح3 ـ باب 37.
(20) أي سبيل الإمام الحسين (عليه السلام).
(21) بحار الأنوار: ج 45، الباب 37، ص 90، ح 29.
(22) راجع: كامل الزيارات، ص62، الباب 17، ح8.
(23) كامل الزيارات، ص63، الباب 88، ح2.

اضف تعليق