مما تميزت به زيارة الإمام الحسين يوم الاربعين، تحويلها صفة الكرم والسخاء والجود من حالة فردية، الى حالة وصفة لشريحة كبيرة من المجتمع، ثم تحولها الى موروث شعبي بجذور عقدية عميقة، يتوارثها الابناء عن الآباء، فالشباب الذين وجدناهم بالأمس يتسابقون لتوزيع الطعام والشراب، ويغسلون أرجل الزائرين، ويرشدونهم الى اماكن السكن والاستراحة والطبابة وكل اشكال الخدمة، كانوا قبل 18عاماً اطفالاً صغار، وربما بعضهم لم يولد بعد.

وبدلاً من أن يكون العطاء اللامحدود تحت عنوان "الكرم" وساماً يحمله صاحبه منذ أن عرفه العرب في غابر الزمان، صار هوية لشعب بأكمله يوسم بأنه الأكثر كرماً وسخاءً في العالم، تنعكس هذه السمة بشكل مباشر على سلوكه وطريقة تفكيره طيلة أيام السنة، لتكون هذه الزيارة فرصة عظيمة للبناء الانساني بعيداً عن أي تنظير أو إطار فكري محدد، فالحالة لم تنطلق من فرد ثم لتعود عليه بالسمعة الحسنة، بقدر ما هي الآن حالة اجتماعية عامة وهادرة تنطلق نحو أبعاد واسعة في الحياة لا يحدها شيء.

البناء الثقافي

جوانب عديدة لهذا البناء أسهمت فيها الزيارة الاربعينية، منها؛ النظافة، والتنظيم، والمطالعة، ولا أدلّ على التدرج في البناء على مدى السنوات الماضية، ففي مدينة صغيرة مثل كربلاء المقدسة، بمساحتها الصغيرة، وشوارعها المحدودة، وامكاناتها القليلة، لابد أن تواجه تحدياً كبيراً في مجال النظافة خلال تواجد الملايين من الزائرين، مع وجود المواكب الخدمية الى جانبهم داخل المدينة القديمة وهي مشغولة بطهي الطعام وتوزيع المواد الغذائية، فقد حسم الجميع أمرهم في تطبيق خطة شاملة بالتنسيق مع الدوائر الحكومية المعنية لتحقيق أقصى درجات النظافة في الشوارع من خلال توزيع حاويات جمع النفايات، او اماكن مخصصة لجمع أواني الطعام، وكان التعاون والتفهّم ملحوظاً من لدن كثير من الزائرين. مع كل هذا فان عملية جمع النفايات والمتبقي من بقايا الطعام والاواني ذات الاستخدام مرة واحدة يمثل مهمة كبرى تضطلع بها بلدية كربلاء المقدسة كل عام لتعيد الأرصفة والطرقات الى سابق عهدها، بما يشبه نوعاً من الصيانة والتجديد.

وكذا الحال بالنسبة للتنظيم في إقامة المواكب الخدمية، وتسيير مواكب العزاء، وتخصيص ممرات الدخول والخروج الى مرقد الامام الحسين، عليه السلام، لأداء مراسيم الزيارة والصلاة، وحتى طريقة توزيع الطعام دون حدوث أية فوضى او مشاكل تذكر.

وقد أثنى الكثير من المراقبين ممن هم خارج العراق في نظرة بعيدة لهم الى واقع هذه المدينة واستقبالها لهذه الملايين من الزائرين، على القدرة التنظيمية لهذه الزيارة وعدم حصول أي نوع من الاحتكاك او الظواهر السلبية، والسبب في ذلك –من جملة اسباب- توجه الجميع في نشاطهم وتفكيرهم نحو هدف واحد لا غير، وهو توفير أقصى درجات الراحة والاطمئنان لزائري الامام الحسين، عليه السلام، بعيداً عن الفوضى والاضطراب.

ومن مظاهر البناء الثقافي؛ ما حققه ثلّة من الشباب اليافع والطموح في مناطق عدّة داخل المدينة، وفي طرق المشاة الخارجية من بابل والنجف الأشرف وبغداد الى كربلاء المقدسة بنصب سرادق ثقافية تعرض فيها الكتب والكراسات بعناوين ذات اهتمام الناس، وتحت شعار: "طالع ساعة واحصل هدية كتاب"، وهي تجربة متطورة خلال السنوات الماضية لاقت اعجاباً وتفاعلاً من الشباب على وجه التحديد، وقد لاحظت انفتاح اصحاب هذا المشروع مع تساؤلات واستفهامات الشباب لاسيما العقدية منها والفكرية في أجواء ودّية جميلة.

إن المطالعة بالاساس تشكل معضلة ثقافية في المجتمع العراقي، كما هو الحال في عديد البلاد الاسلامية، مما يجعل هذه الزيارة فرصة للحثّ والتحريض على المطالعة واستضافة الشباب في أماكن جلوس معدة لهم، لاسيما اذا كانت المؤلفات تحمل عناوين عن النهضة الحسينية، وعن سيرة حياة الامام الحسين، عليه السلام، وكيف عاش؟ وكيف صنع طريقة استشهاده بنفسه.

البناء الأخلاقي

اذا كان الدين مظهره الالتزام، ووعائه الإيمان، فان روحه الاخلاق والسلوك الحسن، ولا يجهل زوار الاربعين واصحاب المواكب الحسينية وكل المشاركين بحقيقة أن الدين هو جوهر النهضة الحسينية، وقد ضحى الامام الحسين، عليه السلام، بدمه وبابنائه واصحابه وأهل بيته من أجل ترسيخ قيم الدين في الامة، وعملية الترسيخ هذه بحاجة الى داينمو محرّك يدفعها الى الامام لتتقدم مع تقدم البشرية وتطورها المستمر، وكما أن قيم الدين ثابتة وواضحة، فان قيم الاخلاق هي الاخرى ثابتة، إنما تتجلى الاخيرة في السلوك الاجتماعي والتعامل البيني والممارسة، وكلما تبلورت هذه القيم (الاخلاقية) على الصعيد الاجتماعي، أحيت معها قيم الدين.

وفي مسيرة البناء الاخلاقي فان الجميع مدعوون لأن يلتفتوا الى عناصر البناء وآلياته، وفي مقدمتها؛ الاحترام المتبادل، والايثار، والتعاون وكل ما له علاقة بالسلوك الاجتماعي، فالامام الحسين ضحى بنفسه الشريفة من اجل غاية عليا، مما يتعين على اصحاب المواكب، وهم في نظر الزائرين النخبة من الزائرين، بجهودهم وانفاقهم وتنظيمهم للنشاطات الخدمية، بأن يكونوا أول من يتأسّى بالإمام الحسين في إفساح المجال لمن يريد ان يشاطرهم بالخدمة الحسينية؛ سواءً كانت الخدمة بالطعام او الشراب، او حتى النوع الثقافي منه، مثل توزيع الكتب والمنشورات الحسينية على طريق البناء الثقافي.

ولعل البعض من فرط حبه واندماجه مع هذا النوع من الخدمة التي يجدها في أيام معدودة فقط، يلتبس عليه الأمر الى درجة ان يرى في البقعة الجالس عليها على الرصيف جزءاً من كيانه وكرامته! وهذا يشكل تهديداً للبناء الاخلاقي ربما يغفل عنه البعض في زحمة الاعمال النشاطات الخدمية، كما لاحظناه في الايام الخوالي من الزيارة.

فاذا نجحنا في تجربة العطاء اللامحدود، وأرضينا الزائرين، الى حدٍ ما، فلابد أن نهتم بانفسنا ايضاً من الناحية الاخلاقية ونكون كما أراد لنا الامام الحسين في حالة تضحية وايثار مستمرين، فكل الخطوات نحو كربلاء؛ من إنفاق المال، وبذل الجهود، وتجشم العناء، تعبر عن حالة من التسامي على الذات، والذوبان في المسيرة الحسينية، مما يعني أن الخطوة اللاحقة في تجاوز الذات والظهور أمام الزائرين واهل المدينة وجميع الموجودين كصرح حسيني يستوحي أخلاقه والتزامه من الامام ومن نهضته الإصلاحية.

ولعل هذه تكون من التجارب المفيدة للعام القادم، للمضي في مشروع البناء الاخلاقي والثقافي مستفيدين من قاعدة العطاء الواسعة والقوية في الواقع الاجتماعي للشعب العراقي، لتتحول مراسيم هذه الزيارة تحديداً، دون سائر الزيارات المليونية، بمنزلة المدرسة العظيمة في التحول والتغيير نحو الأحسن في المجالات كافة.

اضف تعليق