كل العاملين في مجالات السياسة والاقتصاد والتنمية البشرية، يعلمون أن الفقر والبطالة من أبرز مسببات التطرف والعنف الاجتماعي، ويدفع المجتمعات وبعض الجماعات إلى الوقوف على طرفي المستقيم، تطرف ديني وأيدلوجي فردي ومنظم، وتستفيد منه التيارات الأكثر تطرفاً في الحركات السياسية من ناحية، وتطرف في الجريمة الفردية والمنظمة أيضاً حيث تصبح ظاهرة يصعب التغلب يرافقها ظواهر تعاطي المخدرات والأمراض النفسية المؤدية للانتحار، كما ترتفع نسبة التوتر الاجتماعي بحيث تجعل من كل مواطن أو عائلة مشروع جريمة لم ترتكب بعد من ناحية أخرى.

في شهر أغسطس 2012 أصدرت منظمة الأمم المتحدة تقريراّ حول مستقبل غزة في العام 2020، وأوضحت أن قطاع غزة "لم يعد مكاناً يصلح للعيش"، وطالب منسق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة "ماكسويل غيلارد" أمام وسائل الإعلام عقب إصدار التقرير في حينه، بضرورة القيام بتحرك الآن حتى تصبح غزة مكانا يمكن العيش فيه بحلول 2020 (....) وأضاف "العيش فيها صعب الآن بالفعل"، وتزامن هذا التقرير مع نتائج إحصاءات الجهاز الفلسطيني المركزي للإحصاء، حيث أفصحت عن نتائج متزايدة سنوياً للفقر والبطالة والجريمة، ودراسات أخرى ذات بعد اجتماعي تحدثت عن العنف الاجتماعي والأسري وحالات التعدي على النساء والأطفال والفئات الأكثر هشاشة في المجتمع الفلسطيني.

وقد صدرت عن محاكم شرعية تقارير إعلامية تفيد بتزايد حالات الطلاق بشكل مضطرد، إضافة لما يلمسه المواطن الفلسطيني في قطاع غزة من عمليات نصب واحتيال يعجز جهاز الشرطة الفلسطينية عن ملاحقتها ومحاكمة الفاعلين نظراً لكثرتها، ويعمل على حلّها ودّياً في الكثير من الأحيان، كل ذلك كان قبل حرب إسرائيل على قطاع غزة عام 2014، الحرب التي فاقمت من حدّة المأساة ودمرت خلالها البيوت وشردّت آلاف الأسر الفلسطينية وما زلت، وأغلقت فرص العمل أمام المئات من الفلسطينيين كانوا يعملون في منشآت صناعية صغيرة وكبيرة تم تدميرها في الحرب، وأمام المئات من المزارعين الذين حرموا من زراعة وفلاحة أرضهم الممتدة على طول السياج الحدودي مع إسرائيل التي تبلغ مساحتها أكثر من ثلث الأراضي المخصصة للزراعة.

كذلك الأمر فيما يتعلق بالصيد البحري وتحديد المسافات المسموح بها للصيد، وتعرض عشرات الصيادين لعمليات إطلاق النار من الزوارق الإسرائيلية، جزء منهم تم قتله وآخرين جرى اعتقالهم وإغراق قوارب الصيد خاصتهم، إلى أن جاء تقرير البنك الدولي في أبريل 2017 وقال "أن قطاع غزة على حافّة كارثة إنسانية" وانتقد السياسات المالية للسلطة الفلسطينية في تقرير مطوّل، ولا يغيب عن ذهن القارئ أن العشرات من التقارير أشارت لمستويات الفقر والبطالة في قطاع غزة حيث كانت غزة في صدارة المناطق التي تعاني من هذه الظاهرة عالمياً.

رئيس السلطة "محمود عباس" نفّذ سلسة تهديدات أعلنها بعد فوز الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، حيث قام باقتطاع جزء من رواتب الموظفين الحكوميين من أبناء قطاع غزة، بمن فيهم الموظفين الذين يقطنون في الضفة الغربية والخارج، والعاملين على كادر منظمة التحرير الفلسطينية، وأخبر إسرائيل عدم نيته تسديد فواتير الكهرباء التي يستهلكها قطاع غزة، ويلوح بوقف رواتب أسر الشهداء والجرحى والمعتقلين، وقد أعلن متحدث من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن عباس قد أوقف مخصصات فصائل منظمة التحرير التي تحصل عليها من الصندوق القومي، وقبل أيام أوقف رواتب المزيد من أبناء حركة فتح التنظيم المنافس لحركة حماس، بتهمة تأييد القيادي الفلسطيني محمد دحلان، وكان قد أوقف رواتب المئات منهم قبل ذلك، ومنع العديد من نواب المجلس التشريعي من السفر بعد أن طلب من اسرائيل سحب بطاقات ال"VIP" منهم.

في مقابل ذلك يقوم بتعزيز نفوذ شخصيات اقتصادية فلسطينية تقيم علاقات وشراكات استثمارية مع إسرائيليين ولا تساهم في تنمية الإقتصاد الفلسطيني بل تحتكر معظم الخدمات الحيوية خارج عن طائلة الرقابة والتخطيط التنموي، الإتصالات والإسمنت والتبغ وعشرات الإحتكارات التي فرضت على الشعب ومنحت امتيازات وقروض وغيرها، وباتت هي ومجموعة سياسية متحالفة معها تتحكم في مجمل القرار الوطني الفلسطيني وترسم السياسات العامة للنظام السياسي الفلسطيني بمعزل عن الأحزاب السياسية ودوائر صناعة القرار الفلسطيني التي أضحت شكلاً لتمرير القرارات وليس لصناعته، بمعنى أنه لم يعد هناك نظام سياسي فلسطيني يقود الشعب الفلسطيني، من يقرر للفلسطينيين أفراد خارجين عن سلطة أي مؤسسة رقابية، بعد أن تم تعطيل البرلمان والسيطرة على جهاز القضاء الفلسطيني، وترهيب كافة منظمات الرقابة الشعبية، هؤلاء يستقون بإسرائيل التي تتحقق مصالحها الأمنية والإقتصادية، ويقودون المجتمع نحو المزيد من الإفقار والإشغالات التي تحرف الأنظار عن مقاومة الإحتلال والإستيطان، كما فعلوا ذلك مع إضراب الأسرى في المعتقلات الإسرائيلية عن الطعام.

لم يثبت أن الإدارة الامريكية قد أدارت ظهرها لمنظمات الإسلام السياسي، ومن غير المتوقع أن تفعل ذلك، فسياسات النظام الإقتصادي الأمريكي قائمة على خلق بؤر للتوتر والنزاع والتطرف، تستفيد من الحروب والكوارث وتصنعها، فعلت ذلك في أفغانستان والصومال والعراق والعديد من دول أمريكا اللاتينية والأسيوية وعلى حدود روسيا وغيرها، ولن تتوقف عن فعل ذلك لصالح استقرار النظام الشرق أوسطي، ولن تفعله مع الفلسطينيين أيضاً، رئيس السلطة يعلم ذلك، حتّى وأن جرى تحول على السياسات الأمريكية الخارجية، فهي لن تقدم هدية للشعب الفلسطيني، تحالفها مع اسرائيل أقوى واستراتيجي، وعلاقتها مع الفلسطينيين مجرد تكتيك محصلته النهائية مفاوضات يمضى فيها الفلسطينيين عقدين إضافيين من الزمن تتمكن اسرائيل خلالهما من استيطان أخر متر من أراضي الضفة الغربية والقدس، وتكون قد دعت السكان في الضفة وغزة إلى الهجرة بفعل صراع داخلي ما قد ينشأ، أو بفعل الأزمات الاقتصادية والملاحقات الأمنية التي يتناوب عليها أجهزة أمن فرعي السلطة والاحتلال معاً، أو الاستسلام لواقع الضم وخيارات حلّ المسألة الفلسطينية على حساب دول الإقليم، في سيناء أو الأردن على سبيل المثال.

ما يفعله رئيس السلطة محمود عباس بحق قطاع غزة مغامرة خطرة ستقود إلى أمرين:

الأمر الأول/ دفع المجتمع الفلسطيني في أتون صراع داخلي دامي والفوضى العارمة التي ستزهق أرواح المئات من الأبرياء، فالجميع يعلم أن في قطاع غزة مخزون هائل من الأسلحة الخفيفة والتوتر النفسي والإجتماعي والتطرف الذي سيزداد في الأيام القادمة على حساب الاتجاهات العقلانية في الأحزاب السياسية وحماس والنخب المثقفة، ستتعزز فرص وأفكار الإرهاب الديني والسياسي، وسيغذي الإرهاب الموجود في منطقة سيناء المصرية، وستكون المنطقة الممتدة من قناة السويس في جمهورية مصر العربية حتى معبر بيت حانون شمال قطاع غزة مناطق نفوذ للإرهابيين بدون أدنى شك، يحققان هدف ضرب المشروع الوطني وفكرة وحدة النظام السياسي ومشروع حل الدولتين، وفتح المجال لإحياء فكرة الإمارة التي سقطت مع سقوط حكم الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي، وبهذا يضرب الأمن القومي المصري في الخاصرة الشمالية الشرقية لجمهورية مصر العربية، ويعفي اسرائيل من استحقاق حل الدولتين.

الأمر الثاني/ دفع حركة حماس للهروب مجدداً نحو مواجهة عسكرية ساخنة مع الإحتلال، كمحاولة لفك الأزمة الخانقة التي وضعت بها، وفشلها في حكم قطاع غزة وتوفير حياة كريمة للمواطنين، هذا في حال لم تمنحها وثيقتها السياسية الجديدة فسحة من الوقت للعب على مسارات التسوية والمفاوضات التي سترث فيها "خفّي حنين" من رئيس السلطة محمود عباس، خيار المواجهة العسكرية قائم في ذهن بعض قادة حركة حماس لو كلفهم الأمر "حياة نصف مليون فلسطيني" وأنا أقول لو كلفهم الأمر أكثر من ذلك، على سبيل المثال التهجير القسري والنزوح الجماعي إلى منطقة سيناء المصرية، لا توجد مشكلة في الجغرافيا عند حركة حماس، وفلسطين لم تعد "أرض وقف تاريخية لا يجوز التفريط بشبر منها".

الخيارات السابقة تبدو قاتمة، أتمنى أن تخيب توقعاتي، يمكن إعادة النظر فيها لو أن الخطوات التي يقوم رئيس السلطة محمود عبّاس تزامنت مع سلسلة إجراءات لتصليب ووحدة حركة فتح والتيار الوطني، وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة صياغتها برامجياً وتنظيمياً وتبني خطة مواجهة مع الاحتلال والاستيطان ومحاكمة قادة الإحتلال دولياً، حرب عبّاس المعلنة الآن هي على حركة حماس في حين أن ما يجري يشمل كل الشعب الفلسطيني في غزة وكل مكان، ويشمل حركة فتح قبل حركة حماس، ولا يستثني فصائل منظمة التحرير ولا عوائل الشهداء والجرحى والمعتقلين، فإهمال مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وسوريا والأردن والضفة الغربية التي لا تحكم فيها حركة حماس مؤشر على عدم صدقية رئيس السلطة، وأن خطته إسقاط المشروع الوطني بكامله وتشتيت ما تبقى من فلسطينيين.

من يوقف الطوفان القادم إرادة الشعب الفلسطيني الذي يقاد إلى الجحيم، ليس كل الفلسطينيين موظفين في الحكومة ليجري تكميم أفواههم بالراتب المسموم، هناك أكثر من 350 ألف متعطل عن العمل، حتى العاملين في الوظيفة العامة معظمهم يندرجون تحت خط الفقر الإقتصادي، يخضعون لملاحقة البنوك والشركات الاحتكارية في القطاعات المختلفة، يوجد قرابة 250 ألف موظف حكومي، لكن، مستقبل 11 مليون فلسطيني في خطر شديد نتاج مغامرات الرئيس عباس، فهل ينتظر الفلسطينيين إغراق المركب بمن فيه، وإلى متى سيبقى المال السياسي جحيم يحرق الشعب ويشطب القضية الوطنية، هل ما زال احد من الفلسطينيين ينتظر رحيل الرئيس عبّاس عن الحياة ويراهن على استجابة القدر لذلك؟

[email protected]

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق