القانون الاخلاقي لكانط هو نظرية في الاخلاق ترتكز على مفهوم الواجب والعقل. كانط يسلط الضوء على اهمية القدرة العقلية للإنسان وقابليته على التفكير المنطقي المنفصل عن ظروفه الخاصة او افضلياته التي تميزه عن المخلوقات الاخرى. هذه الفكرة عبّر عنها كانط في عمله العظيم نقد العقل...

القانون الاخلاقي لكانط (1804-1724) هو نظرية في الاخلاق ترتكز على مفهوم الواجب والعقل. كانط يسلط الضوء على اهمية القدرة العقلية للإنسان وقابليته على التفكير المنطقي المنفصل عن ظروفه الخاصة او افضلياته التي تميزه عن المخلوقات الاخرى. هذه الفكرة عبّر عنها كانط في عمله العظيم نقد العقل الخالص 1781 ونقد العقل التطبيقي 1788. يؤكد كانط على ان العقل يربط الانسان الى الانسان طالما انه قوة فكرية فطرية توجد بدرجة ما من المساواة بين كل الناس. وهكذا فان مثل هذا العقل يمكّن كل فرد من حل مشاكله الخاصة بطريقة مقبولة. يرى كانط ان المرء عبر استعماله العقل سيجد الأجوبة للألغاز الاخلاقية والتي تكون صحيحة لكل فرد. قانون كانط الاخلاقي مستقل عن الله، أي بمعنى انه قانون اخلاقي علماني.

تعريف المصطلحات

يعرّف كانط المصطلحات التالية:

التحليلي analytic وهو تعبير يكون فيه الافتراض متضمن في الموضوع، وبهذا يكون صحيح بالضرورة.

القبلي priori وفيه يكون التبرير والحقيقة مستقلان عن التجربة.

synthetic وهو تعبير يكون صحيحا بمقدار ما يرتبط معناه بالعالم، وفيه الافتراض غير متضمن في التعبير.

posterior وفيه الحقيقة والتبرير يرتكزان على التجربة.

اعلن كانط ان كل بيان او تعبير هو اما "تحليلي قبلي" priori analytic او "استنتاج مبني على التجربة posterior synthetic. غير ان ما هو غير عادي في قانون كانط الاخلاقي هو انه يؤكد على ان بيانات القانون الاخلاقي هي افتراضات قبلية، بمعنى مستقلة عن التجربة لكنها ليست صحيحة بالضرورة. كانط في كتابه (اساس ميتافيزيقا الاخلاق 1783) يقول انه اذا اريد للقانون الاخلاقي ان يكون ملزما دون شروط فيجب ان يحتوي دون شروط على شيء خير، بمعنى شيء خير بذاته وفي أعلى درجات الخيرية. كانط يرفض مفاهيم مثل "موهبة العقل" او "هدايا الحظ" لأنها ليست خيرة في باطنها ويمكن ان تُستعمل على نحو سيء. بدلا من ذلك يقترح كانط بانه "من المستحيل تصور اي شيء في العالم او في خارجه، واعتباره خيرا بدون متطلبات الاّ الرغبة الخيرة".

اولاً، من المهم ملاحظة ان كانط حين يتحدث عن الرغبة الخيرة فهو لا يشير الى شيء جيد بسبب النتائج المتحصلة منه (نتائج الموقف مثلما تؤكد الافكار النفعية). يجادل كانط ان هذا التعريف للرغبة الخيرة يعني انه اذا كانت القيمة الاخلاقية معتمدة على النتائج فهي لم تعد قيمة غير مشروطة لأننا سنحكم على الفعل فقط كوسيلة لغاية. غير ان كانط لا يشير الى بداهة المرء في الخطأ والصواب لأنه يرى ان الميول لاتستند على المنطق او العقل ولذلك فهي ليست صحيحة اخلاقيا بذاتها. ومن هنا يفترض كانط ان الفعل يكون اخلاقيا عندما يكون الحافز الذي خلفه خيرا، اي ان امتلاك نية صحيحة هو الذي يجعل الرغبة الخيرة خيرة.

يوضح كانط بان انجاز المرء للواجب لا يستلزم خدمة مصالحه الخاصة. وبهذا يجب ان يكون المرء نزيها لأن ذلك هو الشيء الصحيح الذي يجب القيام به، ولايتوجب تكريم المرء بسبب كونه نزيها، لأن النزاهة سيتم تصورها كوسيلة لغاية وبالتالي ليست خيرة بذاتها. كذلك لا يجب على المرء التصرف بناءاً على البداهة او وفق ما يأتي اليه طبيعيا لأن الحافز المخفي لايزال موجودا، بمعنى، ان يقوم المرء بما يتمتع به بدلا من القيام بما يمليه عليه واجبه. ولذلك، يجب على المرء ان يقوم بما هو جيد اخلاقيا لأنه جيد وليس لأي سب آخر.

الجزء الثاني من قانون كانط الاخلاقي هو مفهومه للضرورة الحتمية categorical imperative وهي اخلاق غير مشروطة وملزمة في جميع الظروف والاحوال. لكي يكون الفعل صحيحا يجب ان يطيع قاعدة معينة او مبدأ معين بصرف النظر عن الميول والنتائج، ويجب ان يكون ذو تطبيق عالمي فيكون ملائما لكل فرد بصرف النظر عن موقفه ويجب ان ينسجم مع عقل الانسان. وبهذا يمكن تعريف الضرورة الحتمية بقانون يعترف به انسان الرغبة الخيرة بوعي او بدونه عندما يطيع واجبه. الضرورة الحتمية يتم اطاعتها لأن ما تأمر به هو مقبول باعتباره خير بذاته. يعطي كانط ثلاث تعريفات للضرورة الحتمية.

اولاً صيغة قانون الطبيعة

الذي يقول "تصرّف كما لو ان القاعدة في فعلك تصبح من خلال رغبتك قانونا عالميا للطبيعة". هذا يمكن فهمه بالقول انه عندما انت تتصرف باي طريقة فانت يجب ان تتعامل مع ذلك المبدأ الذي يجسّد فعلك كما لو كان قانونا لتجسيد جميع السلوكيات الاخلاقية، اي، انت تضع الطريقة لتتصرف بناءاً على تفكيرك المنطقي. كذلك، هذا التعريف الاول يجسد فكرة ان المرء يجب ان يكون قادرا على تعميم الفعل الاخلاقي لكي يكون مطلقا ورغبة حقيقية خيرة. غير انه من المهم ملاحظة ان كانط يخبرنا كيف نكون اخلاقيين (يخبرنا المبادئ لصياغة سلوكنا) ولايقول لنا ماذا نفعل.

التعريف الثاني لكانط هو صيغة الغاية في ذاتها

وهو "تصرّف بطريقة فيها دائما تتعامل مع الانسانية سواء من خلال شخصك او الآخرين ليس كوسيلة وانما دائما كغاية". هذا يعني ان الناس يجب ان يكونوا غاية فقط. فمثلا، في علاقة المرء يجب ان لايستعمل شخصا آخر كوسيلة (مثل النقود، المكانة، الجنس، مهما كانت المحصلة منه). بدلا من ذلك انت يجب ان تكون لديك علاقة مع شخص ما بسبب ذاته وانه يجب التعامل معه كقيمة بذاته. وهكذا يرى كانط من غير الاخلاقي ان تكون صديقا لشخص ما لأجل المكافأة والانانية.

التعريف الثالث هو مشابه للأول. صيغة مملكة الغايات

ويؤكد " تصرّف كما لو كنت من خلال مبادئك كصانع للقانون عضوا في مملكة الغايات". هذا التعريف الاخير يشير الى الانضباط الذاتي والسلوك المسؤول بسبب الرغبة الداخلية الخيرة والعمل بناءا عليها. من هذه التعاريف يمكن الاستنتاج ان هناك تاكيد كبير على العالمية universability. يؤكد كانط لكي نفحص ان كان الفعل اخلاقيا يجب ان نكون قادرين على تطبيقه باستمرار وبمنطقية على بقية العالم.

مظاهر القوة

ان اهمية قانون كانط الاخلاقي تعاظمت بمرور الزمن بدلا من ان تنقص لأنه وبدون شك احتفظت مختلف خصائص النظرية بجاذبيتها. وما هو اكثر اهمية هو وجوب ملاحظة قدرة النظرية على حساب العدالة بشكل جيد. انها قادرة على تصحيح الرؤية النفعية بان الفوائد الكبيرة يمكنها تبرير عقوبة البريء، لأن القيمة الاخلاقية للفعل تأتي من الصلاحية الباطنية للفعل. عدالة الفرد يتم حمايتها بالسمة العالمية والموضوعية للضرورة الحتمية التي تفرض الواجبات علينا جميعا. كذلك، النظرية تتجنب كون الناس انانيين لأن الفعل يكون اخلاقيا فقط عندما يطبّق على كل شخص، وبهذا لايمكنها تفضيل الفرد.

ان قوة القانون الاخلاقي لكانط هي في كونه يعرّف الانسان ككائن ذو استحقاق داخلي ومخلوق عقلاني وانه يقاوم كل استخدام له كمجرد وسيلة لغاية يتم استغلاله لسعادة الآخرين. لذلك فان الانسان يُحترم بـ "الشعور بالانسانية" الذي يسيطر على كامل فلسفة كانط. هذا المظهر للنظرية يعترف بالقيمة الداخلية للفرد وهو ما يجعل النظرية تنال القبول العام.

لقد نال كانط الاعجاب لتمييزه بين الواجب والميول. بلا شك نحن جميعا قادرون ونميل عادة لعمل قرارات اخلاقية لمصلحة أنفسنا واصدقائنا. لذلك نجح كانط في منع الافراد من العمل وفق افتراض انهم يعرفون ما هو خير لأنفسهم وأزال المصلحة الذاتية والمتعة لأن الشيء يكون صحيحا فقط عندما يمكن تعميمه. القوة العظمى للعمومية تعني ان الانسان يصبح اقل تأكيدا على الذات واكثر اعترافا بحقوق الاخرين.

قانون كانط الاخلاقي مرغوب ايضا وقوي لأنه نظرا لرؤيته العلمانية فهو له المقدرة لينال رضا كل شخص سواء أكان متدينا ام ملحدا. لذلك فان مبادئه عالمية ومتحررة الذهن وليس لها احالة الى الله ضمن النظام ولهذا فان كانط نجح في خلق نظرية استطاع بها توضيح الاخلاق بدون دين ودون ان يرفض وجود الله.

انتقادات النظرية

لكن نظرية كانط تعرضت للنقد في ادّعائها ان الناس الاخلاقيين هم الذين يؤسسون حياتهم فقط على طاعة الأحكام المتولدة من الضرورات الحتمية. هذا يشير الى ان المرء يجب ايضا ان يطيع تلك القواعد التي ليس له تجاهها اية التزامات اخلاقية. يمكن الجدال انه اذا لم يتفق المرء على ان شيء ما صحيح بسبب نقص الميول او العاطفة، فهل ان فعله صائب اخلاقيا؟ بمعنى، هل الفرد اختُزل فقط الى الالتزام بالقواعد ام انه لايزال اخلاقيا فقط لأنه ينفذ واجباته؟

ان نظرية كانط يمكن نقدها لسماحها بتعميم قواعد قليلة الاهمية بالارتكاز على جميع تعريفات الضرورة الحتمية.

اولا، هذه النظرية لها القدرة لقبول القواعد التي ليست جيدة ولا سيئة، وبهذا فهي محايدة اخلاقيا وحيث عدد قليل من الناس يعتبرها ملزمة اخلاقيا.

ثانيا، الضرورة الحتمية تسمح ايضا بالقواعد التي هي عالية الخصوصية والتي لا تفيد اي شخص ماعدى الفرد. ومن هنا، لا يصح الجدال بان الفرد الاخلاقي هو الذي يتصرف طبقا للضرورة الحتمية. وهكذا، من الممكن جدا الوصول الى قواعد تعتبرها الغالبية اما تفضيلية او ليس لها اي اهمية اخلاقية. ولذلك يمكن الاستنتاج ان مجرد تعميم القاعدة لا يعد كافيا لضمان انها ستكون جيدة اخلاقيا او حتى اخلاقية.

واستجابة لتلك الانتقادات يعرض كانط نوعا من الاختبار التطبيقي فيه يمكن لنا ان نرفض تلك القواعد التي عند تعميمها تنتج وضعا قابلا للرفض من جميع الناس العقلانيين. هذا قد ينجح لأن الناس يجب ان يرفضوا ما هو مخالف للأهداف التي يمتلكها جميع الناس العقلانيين. نقد آخر لكانط هو انه يفشل في الاعتراف بان كل الناس مختلفون في مستوياتهم من التسامح والاعتدال. فمثلا، من يقول ان السادي لا يريد تعميم السادية ؟ كذلك، اللصوص قد يرغبون في تعميم السرقة حتى وان جعل ذلك ممتلكاتهم في خطر.

في الحقيقة يمكن الجدال ان هناك العديد من الناس يتفقون بأنهم مثلما يتجاهلون الاخرين فهم بدورهم ايضا سيتم تجاهلهم. هذه الفكرة تنجح طبقا للفرد الذي يدرك ان الحياة تنافسية ويقبل فرصة الفشل في البحث عن النجاح. ومع ان كانط يمكنه الجدال ان مثل هذه الافكار ينقصها العقل، انه يمكن ايضا افتراض ان الانسان من هذا النوع الذي يقبل بان الاخرين قد يعاملونه بسوء عندما يعاملهم هو ليس عقلانيا ابدا.

يبدو ان الشيء الذي يتجاهله كانط هو مشكلته في استبعاد الاستثناءات. في تناقضات كانط في الطبيعة هو يؤكد بان قول الكذب ومخالفة الوعود هما دائما خاطئان لأنهما لايمكن تعميمهما باستمرار، وبهذا لايمكن ابدا للمرء الكذب او مخالفة الوعد وبدون استثناءات. لكن هناك امثلة تقود فيها مثل هذه المفاهيم الى مآزق خطيرة عندما تتصادم الواجبات. لننظر في ان شخص ما يعد صديقا له بانه سيخفيه عن المجرم ولكن لاحقا يطلب منه المجرم الكشف عن المكان الذي يختبئ به الصديق. قول الحقيقة سيكون كسر للوعد، ولكن الايفاء بالوعد يعني الكذب.

قانون كانط الاخلاقي لا يوفر لنا جواب لمثل هذه المواقف ولذلك فان النظرية تضعف لأنها تفشل في مساعدتنا في جميع المواقف. ولذلك عندما نصل الى استنتاج نستطيع القول ان هناك مظاهر قوة ومظاهر ضعف واضحة في قانون كانط الاخلاقي. لكن من الصواب القول ان مظاهر القوة تتفوق على جوانب الضعف في النظرية. من الواضح ان نظرية كانط اصبحت وبمرور الزمن اكثر شعبية وقبولا، وهذا يثبت مدى نجاح كانط حتى مع وجود تلك الانتقادات. يمكن للمرء ان يسأل نفسه ان كان هناك اي قانون اخلاقي يخلو من الانتقادات.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق


التعليقات

الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
احبائي
الخلق الحميد هو خلق القرآن الكريم
هذا الخلق كان هو خلق رسولنا العظيم
الرسول(ص) أدبه رب العزة وهو بكل شيء عليم
ونحن يجب أن نتأسى بخلق رسولنا وبقرآننا لنسير على الطريق القويم
اما كانط وغيره فما وضعوه هي اجتهادات بشرية ومحاولات تخضع للتقييم
احبائي
دعوة محبة
ادعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه...واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخر والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الارض
جمال بركات....مركز ثقافة الالفية الثالثة2019-03-08