المواطن الجزائري اليوم، لم يعد يرى خلفاء للرئيس يشبهونه تماما، كما حصل مع بومدين، ولم يعد محتارا في الاختيار بين المتشابهين. لان الصغار كبروا ومساحة الطموحات اتسعت، والعالم تغيّر. والدولة تزخر بالرجال الذين لديهم الرغبة والقدرة على التصدي لقيادة البلاد. وهو ما باتت تدركه المؤسسة العسكرية...

بعد رحيل الرئيس الجزائري الاسبق، هواري بومدين اواخر العام 1978 نشرت احدى الدوريات العربية، رسما كاريكاتيريا للفنان بهجوري، ظهر فيه مواطن جزائري، وهو يقف حائرا امام عدد من القادة الجزائريين الذين بدوا في الرسم، يشبهون بومدين، ويحدّث نفسه قائلا؛ مين فيكم خليفة بومدين؟!

في تلك المرحلة، كانت نشوة الاستقلال وحرارة الثورة لم تبرد بعد في نفوس الجزائريين. وحزب جبهة التحرير برموزه الكبيرة، يتصدى لمهمة قيادة البلاد ويرسخ اقدامها كدولة قوية في الشمال الافريقي وبين البلدان العربية .. ولذلك جاء اختيار ابن الثورة والقيادي في جبهة التحرير، الشاذلي بن جديد كخليفة لبومدين امرا طبيعيا، ليكمل المشوار، لاسيما ان العالم وقتذاك، كان منقسما بين معسكرين والحرب الباردة على اشدها، وهناك ملفات عربية واقليمية ودولية ساخنة، لم تكن الجزائر بعيدة عنها او عن التاثر بها والتاثير فيها لثقلها المعروف .. لكن شيئا اخر كانت تعيشه الجزائر، لم يعرف الاّ بعد ان طفح على السطح بطريقة اربكت الجميع .. انه تآكل الثورة من الداخل والصراع بين اقطابها الذي افقدها الكثير من رموزها، بدءا من انقلاب بومدين على احمد بن بلا ، في القصة المشهورة، مرورا بالفساد الذي استشرى في جسد الدولة بعد ان انغمس رجالاتها او اغلبهم في السلطة، وهو ما تجلى باكثر من عمل ادبي جزائري، ابرزها رواية (ذاكرة الجسد) لاحلام مستغانمي.

لكن الاخطر هو ظهور تيار اصولي عنيف، سيغير المزاج السياسي في البلاد ويضعها امام استحقاقات قاسية، وخلاصته، ان الجبهة الاسلامية للإنقاذ التي يتراسها عباس مدني، شاركت في الانتخابات التي جرت في العام 1992 بعد ان تاسست مطلع العام 1989 واعترفت بها السلطات الجزائرية كحزب سياسي، اثر التعديلات الدستورية التي جاءت على خلفية الانتفاضة الشعبية في العام 1988 واقرت وقتذاك، لتبدأ مرحلة جديدة، يفترض ان يترك فيها الخيار للشعب لانتخاب حكومته، بعد ان انتهت او تآكلت مرحلة الشرعية الثورية التي منحت حزب جبهة التحرير قيادة البلاد لنحو ثلاثين سنة.

ما حصل لاحقا كان تراجيديا بحق، فحزب الجبهة الاسلامية للانقاذ وبعد فوزه بالجولة الاولى من الانتخابات التشريعية، صرح بانه سيقيم دولة اسلامية اذا ما فاز في الجولة الثانية، أي انه استخدم الديمقراطية ليصل الى السلطة وليكرس من خلالها نموذجه ويؤبد وجوده فيها، مايعني انه نعى الديمقراطية ووضع البلاد امام مفترق طرق، وهو ما حصل فعلا، اذ كان الغاء نتائج الانتخابات وقطع الطريق على الجبة الاسلامية للانقاذ، بداية للدخول في ما يسمى بالعشرية السوداء التي عاشتها الجزائر وتابع فظائعها العالم، بعد ان استخدم الاسلاميون المتطرفون اشكالا مفزعة من العنف، ما دعى الجيش بقيادة وزير الدفاع، الجنرال القوي خالد نزار، الى التدخل وضبط المعادلة من جديد للامساك بالدولة التي كادت تنزلق باتجاه فوضى عارمة .. وعلى الرغم مما قيل عن مصادرة العسكر لارادة الشعب، بعد الغاء نتائج الانتخابات، يرى كثيرون ان مافعله الجيش كان ضروريا، لاسيما ان رد الفعل الذي حصل لاحقا، كشف عن دموية الاصوليين وخطرهم على الدولة.

المواطن الجزائري اليوم، لم يعد يرى خلفاء للرئيس يشبهونه تماما، كما حصل مع بومدين، ولم يعد محتارا في الاختيار بين المتشابهين. لان الصغار كبروا ومساحة الطموحات اتسعت، والعالم تغيّر. والدولة تزخر بالرجال الذين لديهم الرغبة والقدرة على التصدي لقيادة البلاد. وهو ما باتت تدركه المؤسسة العسكرية التي تدير البلاد من الكواليس، على الرغم من توالي الرؤساء المدنيين الذين خلفوا الشاذلي بن جديد، واخرهم بوتفليقة، احد ابرز رموز الثورة الجزائرية. فالرجل ما كان له ان يستمر في منصبه لولا دعم الجيش، وان اعلان بوتفليقة سحب ترشحه على خلفية الانتفاضة الشعبية الاخيرة، مع بقائه في المنصب لحين انتخاب رئيس جديد، كان من تدبير المؤسسة العسكرية نفسها، لانها تريد تهيئة البديل، ليس بالضرورة بالاسم وانما في التوجه والثقافة، في بلد لم يتخلص بعد من اثار (العشرية السوداء) ويعيش في اقليم ملتهب تغذي النيران فيه قوى خفية، تعرف كيف تتسلل بايديها السوداء لتشعل الحرائق، وهو مايسعى الجزائريون لتجنبه، وان باليات قد لاترضي الكثيرين، لان اهل الجزائر ادرى بشعابها، وادرى بحجم المخاطر التي تحدق ببلادهم بالتاكيد.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق