الضحايا في تزايد، وكل تلك الدموع التي ذرفت لم تعد تغني شيئا عن الحزن، أو تخفف عنه ولو قليلا، فالباكون لم يعد لديهم من متسع ليكملوا مسيرة الحزن لفقد حبيب مادام هناك من هو مستعد للتقدم في الصف والسقوط بسرعة، ويتطلب ذلك الإنشغال السريع بالضحية المقبل. لم نعد نفسح المجال كثيرا للحزن والعويل، وصرنا نوفر الوقت فنحن بحاجة إليه، وهناك عديد من الأحبة سيسقطون فقيادة الشيطان لمجموعات من القتلة تجعلهم لايستثنون أحدا، ويضربون تبعا للهوى والرغبة والشعور المتزايد باللذة، وبأي هدف يصدمهم ليروا الأشلاء وهي تتطاير، والدماء وهي تسيل، وتلون الشوارع والأرصفة.

ربما لم يكن بمقدور الصحفي عمار الشابندر، ولا زميله عماد أن يفكرا بشكل النهاية ومكانها وزمنها مع أنهما يعلمان جيدان أنهما كبقية العراقيين عرضة للقتل، وهما على يقين بنهاية ما، فالشابندر الذي يقطع مسافات طويلة ليعود الى بغداد تاركا لندن وشعوره بالأمان هناك، أراد أن يعود، وظل يعود، وكلما عاد توقع موتا في ساحة من الساحات لكنه يبقى مصرا على ذلك متحديا مهونا من حجم الخطر لأنه يعرف إن التهويل والخوف سيوقفانه، بينما التهوين سيدفعه لمزيد من الرغبة في التحدي والذهاب بعيدا في الحلم والأمل وصناعة الحياة مثل بقية الشجعان من الصحفيين، حتى حانت لحظة الكرادة، أو لحظة الحقيقة، أو اللحظة الكافرة التي كان على عمار أن يكون متواجدا هناك حيث ينتظره أحد الأشرار ليدمر حلمه ويقتله، ويحطم حياة عشرات كانوا في المكان، أو قريبا منه.

يمنح عماد الشرع الذي يعمل في معهد صحافة الحرب والسلام وقتا لروحه لكي تعود الى مدينته الجميلة كربلاء، ولايبخل في التواصل مع أهله وأصدقائه، وفي الصيف الماضي إشتركنا أنا وهو في ندوة صحفية هناك كانت في معظمها تدور حول تحديات المرحلة والتطورات التي يمكن أن تنشأ وتواجه الصحفيين، وقد تسبب ضغطا متزايدا لايمكن مواجهته.

في الحقيقة فإن الصراع في العراق مفتوح على إحتمالات عدة، وقد يتحول الى مشكلة دائمة غير قابلة للحل، والصحفيون ليسوا لوحدهم في ميدان المواجهة، فالذين يقتلون مقابل كل صحفي هم بالمئات، ولايشكل عدد الصحفيين الذين يذهبون ضحايا العنف والعمليات الإرهابية رقما مهما مقابل مايسقط من مواطنين عاديين في التفجيرات المستمرة وعمليات الإستهداف المنظم كل يوم، لذلك فلا أمل في حل مشكلة الصحفيين ووقف نزيف الدم إلا في حال توفرت ضمانات الأمن لكل المواطنين في المحافظات العراقية كافة دون إستثناء جزء من الوطن، أو فئة، وقد يتوقف قتل الصحفيين لأشهر لكن العنف لايسمح بذلك، ففي لحظة ما تنفجر سيارة لايكون هدف الذين يفجرونها قتل الصحفيين، وقد يكون صحفي ما في المكان ويقتل، أو يجرح عرضا.

لا أمن لأحد في العراق دون أمن الجميع فالجميع مستهدفون للأسف.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق