النظرية والتطبيق، او المعرفة والعمل، مفردتان متلازمتان. فأنت لا تقوم بعمل ما دون ان تكون لديك فكرة ما، معرفة باي حجم، للعمل الذي تقوم به. هذه معلومة معروفة وليست جديدة، وهذا ينطبق على العمل على تأسيس دولة. يستلزم عمل كهذا الكثير من المعلومات والمعارف والنظريات...

النظرية والتطبيق، او المعرفة والعمل، مفردتان متلازمتان. فأنت لا تقوم بعمل ما دون ان تكون لديك فكرة ما، معرفة باي حجم، للعمل الذي تقوم به. هذه معلومة معروفة وليست جديدة.

وهذا ينطبق على العمل على تأسيس دولة. يستلزم عمل كهذا الكثير من المعلومات والمعارف والنظريات، والتي يمكن اختزالها بكلمة نظرية الدولة، ولا أعني بذلك فقط القول بان الدولة تتألف من شعب وارض وحكومة، انما اقصد ايضا شكل الدولة ونظامها السياسي وقيمها الحاكمة على مركبها الحضاري، في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والدينية والثقافية.. الخ.

كل قادة التاريخ وكبار مفكريه ومنظريه الذين اهتموا بمسألة الدولة تميزوا بانهم يملكون نظريةً للدولة. ينطبق هذا على حمورابي واورو كاجينا وافلاطون وارسطو وعلي بن ابي طالب وجان جاك روسو وفولتير ومونتسكيو ولوك وجورج واشنطن ومحمد باقر الصدر وراولز وغيرهم.

والانشغال بالنظريات لا يعني الانصراف عن الواقع واهمال مشكلاته، لكن الانشغال بالواقع دون الاستناد الى نظرية واضحة يؤدي الى التخبط ومن ثم الفشل.

بعد سقوط النظام الدكتاتوري البدوي البعثي المتخلف، تشكلت الجمعية التأسيسية لوضع دستور البلاد. والدستور هو خلاصة نظرية الدولة وخطوطها الاساسية. لكن اعضاء تلك الجمعية لم يكونوا يملكون نظرية واضحة ومتفق عليها للدولة، لسبب بسيط، وهو انه لا المعارضة في الخارج، ولا المعارضة في الداخل سبق لهم ان اشتغلوا على نظرية للدولة بعد سقوط نظام صدام. فوضع اعضاء الجمعية على عجل دستورا للدولة، عبّر عن توافقات سياسية وسريعة، لانهم كانوا محكومين بسقف زمني وضعه لهم اصلا الحاكم المدني الاميركي بول بريمر. ولم يسمح لهم ان يخوضوا نفس تجربة الاباء المؤسسين الاميركيين الذي وضعوا دستورا لدولتهم الجديدة، بناء على رؤية او نظرية وضعوها لبناء الدولة.

وحينما وضع الدستور عام ٢٠٠٥ موضع التطبيق بدأت عيوب التأسيس تظهر تدريجيا رافقتها اخطاء وممارسات عمقت من تلك العيوب، رغم بعض النقاط الايجابية التي تضمنها الدستور. وتدريجيا ايضا فقد الدستور سلطته المعنوية على الطبقة السياسية واضحى العديد من فقراته مجرد حبر على ورق. وحين بانت مضاعفات عيوب التأسيس والفساد بدأت تصدر الاصوات باصلاح الاوضاع، لكن هذه الاصوات، باستثناء ما صدر عن الامام السيستاني، ركزت على الجوانب المعيشية والخدمية من المشكلة، بمعزل عن اصلها وجوهرها المتعلق بنظرية الدولة وفلسفتها، ولهذا لم تحقق نتائج حقيقية ملموسة على صعيد الاصلاح. ويمكن ان نرصد نمطين من دعوات الاصلاح: النمط الاول الذي صدر من رجال الطبقة السياسية نفسها وركز فقط على تشكيل الحكومة. والنمط الثاني صدر من المواطنين الذين تظاهر بعضهم وركز على التعيين والكهرباء وبقية الخدمات. وفي الحالتين لم تترافق هذه الاصوات بدعوات الى اعادة النظر بفلسفة الدولة واعادة بنائها من جديد.

ولسد هذه الثغرة الكبيرة بدأتُ منذ سنوات بطرح فكرة الدولة الحضارية الحديثة، لتكون اطارا عاما للدعوات الاصلاحية. ومع ان الكثير من الناس رحبوا بالفكرة، الا ان بعضهم رد عليها بعبارات مثل "ما نريد تنظير، نريد حلولا عملية". ولا شك في صحة الجزء الثاني من الجملة، كما انه لا شك في عدم صوابية الجملة الاولى. وهذه مفارقة يجب تجاوزها وذلك باستخراج حلول عملية من الاطار النظري، وترجمة الاطار النظري الى حلول عملية، اما رفض الاطار النظري بحجة "شبعنا تنظير" فلا يحل المشكلة انما يعيد انتاجها بصيغ جديدة من الفشل. وهذا ما اسجله على طروحات الكاظمي الذي جاء الى السلطة على وقع اصوات المتظاهرين، واذا به ينزلق في خطاب شعبوي تحريضي لا ينطوي على حل جوهري.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق