ان الاختلافات التكوينية والسياسية والتنافس على السلطة والمواقف من القضايا التي تواجه الدولة والمجتمع تدار، في احيان كثيرة او قليلة، بطريقة غير سلمية. فهناك ميل واضح، بقليل او كثير، الى العنف، والقسوة، والحدة، واستخدام القوة العسكرية، وسفك الدماء، بما في ذلك السحل والشنق والاعتداء البدني واللفظي...

الاصل ان المجتمع الواحد مؤلف من مواطنين احرار ومتساوين يجمعهم الانتماء التاريخي والواقعي الى وطن واحد. وهذه هو معنى المواطنة. هذا لا يتطلب ان يكون جميع المواطنين من دين واحد، او مذهب واحد، او قومية واحدة او لغة واحدة او توجه سياسي واحد او موقف واحد من القضايا المطروحة. وفي الحقيقة قد لا نجافي الحقيقة اذا قلنا انه لا يوجد على سطح الارض بلد متجانس من حيث السكان. كل دول العالم تضم مواطنين مختلفين، وكأنهم مصداق لقوله تعالى :"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ".

بالنسبة للاختلافات التكوينية (اللون واللغة) والموروثة (الدين والمذهب) فهذه تنويعات في لوحة المجتمع تضفي عليه مسحة من الجمال والثراء، كما في قوله تعالى:"وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ"، او قوله:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ".

واما بالنسبة للاختلافات السياسية وفي المواقف من القضايا فهي الاخرى حالة متوقعة في اي مجتمع، ولا نتوقع خلاف ذلك ولا ينبغي ان تقود الى صراعات إجتماعية حادة. اليك كمثال اختلاف البريطانيين حول مسالة البقاء في او الانسحاب من الاتحاد الاوروبي. فقد انقسم القوم تقريبا الى نصفين في الاستفتاء الذي اجري في 23 حزيران 2016 حيث صوت 51.9 في المائة لصالح الانسحاب. وهذه اكثرية قليلة جدا، يقابلها 48.1 صوتوا لصالح البقاء. ومع ذلك بقي المجتمع البريطاني موحدا ولم تؤدِ هذه النتيجة الى احتكاكات ساخنة بين افراده.

وهناك التنافس بين الاحزاب السياسية على السلطة. وقد يقود هذا التنافس الى توترات اجتماعية حادة، او حتى مسلحة، في المجتمعات المتخلفة، فتندلع الحروب الاهلية، واللجوء الى استخدام العنف، والمصادمات، والاغتيالات، وغير ذلك. لكن ذلك نادر الحصول، او ربما معدوم بصورة كلية، في المجتمعات المتحضرة، حسنة التنظيم على اساس الديمقراطية حيث تعتبر صناديق الاقتراع هي الحكم صاحب الكلمة الفصل في حسم الاختلافات وليس فوهة البندقية او الانقلاب العسكري او العنف.

بالعودة الى المجتمع العراقي، نرى ان الاختلافات التكوينية والسياسية والتنافس على السلطة والمواقف من القضايا التي تواجه الدولة والمجتمع تدار، في احيان كثيرة او قليلة، بطريقة غير سلمية. فهناك ميل واضح، بقليل او كثير، الى العنف، والقسوة، والحدة، واستخدام القوة العسكرية، وسفك الدماء، بما في ذلك السحل والشنق والاعتداء البدني واللفظي. ثمة روح عدوانية ملموسة على صعيد العلاقات السياسية والاجتماعية بين المواطنين. والاخطر من ذلك، ان الاختلافات السياسية التي تحصل عادة بين الاحزاب السياسية التي تقيم علاقات تنافسية او صراعية فيما بينها تنتقل الى الجسم الاجتماعي العام (اي مجموعة المواطنين) وتتحول الى سبب للانقسام المجتمعي الحاد الذي يلغي رابطة المواطنة، ويتحول المواطنون من ضمير المتكلم الجماعي "نحن" الى ضميري "نحن" و "هم"، ويتحول المواطنون من "شركاء" في الوطن الى اعداء متقاتلين فيه، ويتم الانتقال من المواطنة (حيث الانتماء الى الوطن) الى المكونات (حيث الانتماء الى الطائفة او العرق او حتى المنطقة او الحزب). وهو قتال لا يهدف بطبيعة الى توحيد الوطن، وانما الى تقسيمه واقتسامه بين المواطنين الاعداء وفق منطق علاقات القوة.

الصراحة اقرب الى تشخيص العلة. ومن هذا المنطلق اقول ان المجتمع العراقي يعاني من تمزق حاد في اللحمة الوطنية، وان المواطنة ليست هي الشعور السائد والمتبادل بين العراقيين. وهذه قد تكون الارضية التي تتحرك عليها الكارثة القادمة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق