في ثمانينيات القرن الماضي، فقد أحد الجنود اثناء الحرب مع ايران، ولم يعرف فيما إذا كان أسيرا أو شهيدا، لأن صفة المفقود وقتذاك تستحضر الاحتمالين، كان لهذا الأب ولد وبنتان، تركهم صغارا وكبروا بغيابه، ولهم أم ضعيفة لم تستطع ان تضبط سلوكهم، ترك الولد المدرسة...

في ثمانينيات القرن الماضي، فقد أحد الجنود اثناء الحرب مع ايران، ولم يعرف فيما إذا كان أسيرا أو شهيدا، لأن صفة المفقود وقتذاك تستحضر الاحتمالين، كان لهذا الأب ولد وبنتان، تركهم صغارا وكبروا بغيابه، ولهم أم ضعيفة لم تستطع ان تضبط سلوكهم، ترك الولد المدرسة بعد المرحلة الابتدائية وانخرط في حياة عابثة مع شلّة من أصدقاء السوء، ولم يكن حال البنتين جيدا، اذ تركن المدرسة بعد ان صار الأخ ينفق الكثير من مدخول الأسرة على ملذاته، فساءت سمعة الولد او التلميذ الذي لم يعرف الناس عنه السوء قبل فقدان الأب.

بعد انتهاء الحرب بعامين تقريبا عاد الأب الذي تبين أنه أصيب بجروح اثناء المعركة وشفي منها وبات أسيرا مسجلا، كان فرح الأم بعودته مشوبا بقلق من رؤيته لأولاده بالحال الذي باتوا عليه، اذ سيحملها مسؤولية ذلك، لكن خبر عودة الأب نزل كالصاعقة على رأس الابن الذي بات شابا ومتحررا من اية سلطة تردعه عن سلوكه الخاطئ.

ولم يعد قادرا على تغيير سلوك تربى عليه سنين طويلة وبات له مناخ اجتماعي شللي خاص، يوفر له المبررات للمزيد من الانحراف، عاد الأب لأسرة تغيرت ملامح وجوهها لكن التغيير الأعمق كان في النفوس والعقول، تحدثت له الأم عن بكاء الأولاد عليه بعد ان غاب طويلا وكانت تصبرهم بالأمل، وتقول لهم انه سيعود.

قبل ان يكفوا تماما عن سؤالها عنه وتكف هي ايضا عن اجاباتها التي لم يعد الأبناء بحاجة اليها، لا اعرف الكثير عن الذي حصل لاحقا لهذه الأسرة وكيف أعاد الأب إيقاعها الحياتي الى سابق عهده، وهو ما اخبرني به جارهم الذي روى لي الحكاية.

لكني أتذكرها باستمرار حين أتامل حال العراق الذي اختفت بداخله معالم الدولة / الأب، وكيف ان البعض صار يبكي عليها في سني غيابها الاولى ويسأل عن عودتها لتضبط ايقاع الحياة التي باتت في ظل الفوضى بلا لون ولا طعم ولا رائحة، لكنها تأخرت كثيرا وكبر هذا البعض في فترة غيابها التي وفّرت لهم فرصة ليمارسوا عبثهم وفسادهم واستهتارهم بحياة الناس، والذي سينتهي بعودتها حتما، ما جعل هذا البعض من الفاسدين والمنحرفين يبذلون المستحيل من اجل ان لاتعود .. لكن من المستحيل ايضا ان يبقى العراق بلا أب.. وسيعود حتما، شاء المتوهمون او أبوا!.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق