آراء وافكار - مقالات الكتاب

طاغور: مٌتصوّف السّماء والأرض

في هكذا غنّى طاغور

ما يميّز أسلوب طاغور الشعري هو درجة صفاءه ونقاءه إذ يأخذ من الأرض رماديتها ومن السّماء زُرقتها. إنّه أسلوب الحكماء والفلاسفة، بما أنّه نتاج إرث مشرقي كان للتصوّف خاصية تُميّزه. اقترب طاغور في شعره من عالم البسطاء ولغتهم البنغالية ليحقّق لهم الخلاص الحقيقي لأنّه اكتشف...

يقول المهاتما غاندي "يُصبح الإنسان عظيما تماما بالقدر الذي يعمل فيه من أجل رعاية الإنسان". ولتشرّب هذه الحكمة من أجل قيمة الإنسان والإنسانية، فإنّ ديوان جتنجالي لشاعر الهند العظيم روبندرونات طاغور Rabindranath Tagore والذي لقّبه غاندي "بمنارة الهند" لما يبعثه من نور للمسافة والروح والوعي. دامت روحه في أنوار أرواحنا.

وُلد طاغور سنة 1861 في القسم البنغالي من مدينة كولكتا الهندية وتوفّي سنة 1941 عن عمر يناهز الثمانين. وهو ينحدر من عائلة مالكة ثرّية، حيث تلقّى تعليمه بالمنزل ثم بلندن. سافر كثيرا وكتب كثيرا من المسرحيات والروايات والأشعار والقصص من قبيل "جورا" "الطيور الشاردة" و"شنزوشيا في الحبّ". قبل 1912 لم يكن طاغور معروفا خارج الهند إلاّ عندما وقع ترجمة ديوانه "جينجالي" إلى اللغة الإنجليزية ليذيع صيته في بريطانيا والعالم ويصل صوت كلمته إلى كل من يبتغي السلام والحكمة والحب والتّصوف العذب.

ما يميّز أسلوب طاغور الشعري هو درجة صفاءه ونقاءه إذ يأخذ من الأرض رماديتها ومن السّماء زُرقتها. إنّه أسلوب الحكماء والفلاسفة، بما أنّه نتاج إرث مشرقي كان للتصوّف خاصية تُميّزه. اقترب طاغور في شعره من عالم البسطاء ولغتهم البنغالية ليحقّق لهم الخلاص الحقيقي لأنّه اكتشف أنّ الإنسان والإله واحد، الغرب والشرق واحد، الحياة والموت واحد، الذات والطبيعة واحد، او بلغة الرواقيين هما جزءان من العقل الكوني، حيث يتحفنا بقريحته قائلا "أشعر أنّ النجوم كلّها تتلألأ في كياني/ إنّ الكون يجيش في حياتي كأنّه السيل/ إنّ الزهور تتنور في كياني/ إنّ شباب الأرض والسّماء يسمو في قلبي كأنّه بخور المجامر ولهاث الوجود كلّه يتردّد ضمن أفكاري/ كما يترّد في ثقوب الناي.

من أهمّ القيم الإنسانية التي يدعو إليها شاعر الهند طاغور هي محبة الإنسانية عوض الأنانية وحبّ الذات اللذان خلفا الحروب والدمار للبشرية, لكن امله يبقى قائما في الانسان كحالة وجودية فريد غير قابلة للتفاوض او التعويض, حيث يقول إذا لم يكن من نصيبي/ أن ألتقيك في هذه الحياة/ فاجعلني أتذكّر على الدوام أنّني أم أظفر برؤياك/ وأن لا أنساك لحظة واحدة.

من يقرأ قصائد طاغور يجد نفسه ضمن حناياها وكأنّها موجّهة له سواء كان مؤمنا أوملحدا أو مسلما أو هندوسيا أو سيخيا. كل هذه الفروق تذوب أمام إنسانية الإنسان من خلال مفردات "حبّي في حبّك" نبحث عن الهدوء والسلم، الإقامة الخالدة. إنّ الكمال الطاهر يعانق الكون كلّه" إلى جانب المحبة والإخاء اللذان نادا بهما الشاعر. يبرز المترجم خليفة محمد التلّيسي أنّ تصوّف الشاعر جاء منغمسا في الحياة على عكس زهد وتصوّف الهنود القدامى الذين خيّروا العزلة والاعتكاف في برجهم العاجي. صحيح أنّ الطبيعة كانت المُلهمة الأولى لقريحته إلاّ أنّه يعيش خيبات وأمال البسطاء ممتزجة بمعترك الحياة وصراعاتها.

إذا كان أبو القاسم الشابي حلّق طليقا كطيف النسيم بين جنبات الكون متطلّعا متأمّلا مشرقا نحو الجديد والممكن فإنّ طاغور يحاذيه في رهافة الحسّ والتوق إلى الأفاق العالية لأنهما اعتنقا مذهب حرية الروح والضمير والفضاء ليعليا من شأن خفقان القلب والجناح. يقول طاغور: أنا لم أظفر بالراحة أنا ظمآن إلى الأشياء بعيدة المنال/ إنّ روحي تهفو، توّاقة إلى لمس طرف المدى المظلم/ أيّها المجهول البعيد وراء الأفق/ يا للنداء الموجع المنساب من نايك".

لا تستطيع أن تقرأ شعرا صِرفا دون أن تتوجه الأنظار إلى حضور المرأة. إنّها تلك المرأة التي اعتبرها الشاعر الفرنسي لوي اراغون "مستقبل الرجل"، وعند الشاعر الألماني غوته بأنّها "تلك المرأة الخالدة التي تجرّنا نحو العُلا". فالمرأة في شعر طاغور هي ذلك الكائن الكامل المتكامل الذي أخذ من القمر استدارته ومن الشمس وهجها ومن الغيوم دموعها ومن الرياح تقلّبها ومن البحر عمقه وغدره ومن النهر هدوءه ومن العاصفة عُنفها ومن الأمواج مدّها وجزرها...

كل هذه الصفات الدافئة والثائرة تتشكّل في شخصية المرأة عامّة وفي زوجته التي وافتها المنية في سنّ مبكّرة بصفة خاصة. بالتّالي فإنّ حادثة الموت أجّجت لديه قبس الوجد ليكون اللون عنوان الجاذبية وألق الحسن، بقوله في إحدى قصائده: إبتسامتك العذبة/ وأنا أشرب نظراتك السمراء بعيني/ ولكنّ أين؟ ومن الذي يقدر على عصر زرقة السماء ؟ أحاول ان أمسك بالجمال فيراوغني/ ولا تترك سوى الجسد بين يديّ...

حبّ المرأة والطبيعة والإنسان ما يكون إلاّ جزءا من تصوّف طاغور الشعري والفنّي الذي رافقه عشق نوراني في كيان الاله الخالق في ذات إلهية جليلة متجلّية في الحياة والموت والتوق وما أدراك ما التوق، نهجا لحسن الختام، فالموت ليس فقط حقيقة انتشاء بالمعنى الصحيح مكمّلة للحياة وإنّما أيضا هي ذوبان ماورائي في أرواح الموتى وانبعاث لجمالية الفناء والبقاء.

تأكيدا لذلك يقول في أبيات سحيقة التردّد والمعنى: أيها الموت/ يا موتي / لأخر إنجازات حياتي/ تعال، وتحدّث إليّ همسا/ لقد انتظرتك يوما بعد يوم/ وتحملّت من أجلك/ أفراح الحياة وأتراحها/ وجميع ما بكوني/ وكلّ ما أملك/ وكل ما أرجو.

إنّه طاغور المبشّر بالمحبّة والجمال. فمهما اختلفت أعراقنا، فإنّه يبقى المبشّر بوحدانية الخلق والكون، مهما اختلفت أدياننا ومذاهبنا، فإنّ شعره سائر في كل زمان ومكان ليوصل رسالة أنّك جدير بالمحبّة والرقي والتجاوز، تجاوز كل ما هو رتيب وعادي وأفقي...

* كاتب من تونس

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق