""يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. (الانفال ٢٤)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ". (البقرة 208)

وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ". الانفال (٢٥)

هذه ثلاث ايات من سورتي البقرة والانفال، وكلاهما من السور المدنية التي نزلت بعد ان تحول الاسلام الى دولة برئيس معصوم ودستور الهي وشعب مقاتل وارض ليست ذات حدود نهائية في زمن النزول.

الاية الاولى تدعو "الذين امنوا". والذين امنوا تركيب لفظي قرآني يشير الى المجتمع الاسلامي القائم، وقت النزول، في المدينة وما حولها. وقد قام هذا الاجتماع البشري على اساس الايمان بالله ورسوله واليوم الاخر بعد سنوات طويلة وشاقة من الدعوة بدأت في مكة واثمرت في المدينة. والاية تمثل، كما قال صاحب "الميزان" في تفسيرها "خطابا اجتماعيا متوجها إلى كافة المؤمنين".

واذاً، فالدعوة الى الاستجابة لله ورسوله في هذه الاية لابد ان تتضمن امرا جديدا لا يشمل المفردات التي تمت الاستجابة لها من قبل افراد هذا الاجتماع البشري في السنوات السابقة.

واللافت للانتباه في هذه الاية انها ربطت موضوع الدعوة الجديد بنتيجته المأمولة، وهو حياة هذا الاجتماع، وكأن الاية تقول ان استجابة الاجتماع البشري لهذه الدعوة يمثل ضرورة حياتية مجتمعية كقولنا مثلا ان استخراج النفط واستثماره يمثل ضرورة اقتصادية للاجتماع الانساني المدعو الى استخراج النفط.

في الاية الثانية يتم تحديد موضوع الدعوة وهو الدخول في السلم كافة. وقد اثارت هذه الاية وجهات نظر كثيرة في تفسيرها. فقد قال المفسر والمؤرخ المعروف أبو جعفر الطبري (٢٢٤-٣١٠ هجري الموافق ٨٣٩-٩٢٣ ميلادي): "اختلف أهل التأويل في معنى السلم في هذا الموضع. فقال بعضهم: معناه: الإسلام. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ادخلوا في الطاعة."

وقال محمد حسين الطباطبائي (١٣٢١-١٤٠٢ هجري، الموافق ١٩٠٤-١٩٨١ ميلادي) في "الميزان في تفسير القران":"فالسلم المدعو إليه هو التسليم لله سبحانه بعد الإيمان به فيجب على المؤمنين أن يسلموا الأمر إليه، و لا يذعنوا لأنفسهم صلاحا باستبداد من الرأي، و لا يضعوا لأنفسهم من عند أنفسهم طريقا يسلكونه من دون أن يبينه الله و رسوله، فما هلك قوم إلا باتباع الهوى و القول بغير العلم، و لم يسلب حق الحياة و سعادة الجد عن قوم إلا عن اختلاف.".

وافترضت "جماعة العلماء" في افتتاحية العدد التاسع من مجلة "الاضواء" الصادر في شهر شوال عام ١٣٨٠ هجري/ ١٩٦١ ميلادي ان كلمة "السِّلم" الواردة في الاية قد "تعني السلام الذي يقابل معنى الحرب، وقد تعني الاسلام كعقيدة وهي الايمان بالله سبحانه وتعالى، وقد تعني شيئا ثالثا هو الاستسلام التام لله والخضوع الكامل في كل شؤون الحياة". وقد رفضت الجماعة في هذه الافتتاحية التي يحتمل ان يكون الامام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين (١٩٣٦-٢٠٠١) قد كتبها المعنيين الاول والثاني، وتمسكت بالمعنى الثالث الذي يتضمن الدعوة الى "اقامة كيان محسوس يتميز بالاستسلام والخضوع للخالق وتسليم القيادة العملية له واعطاء السلطات التي يقوم المجتمع على اساسها بيد هذا الكيان". ولسنا نجد صعوبة الان في افتراض ان هذا النص "المغلف" يتحدث عن "حزب اسلامي" يعمل على تولي السلطة في المجتمع لاقامة "الدولة الاسلامية". ولم يكن بمقدور جماعة العلماء ان تفصح عن هذا المعنى بهذه الدرجة من الوضوح في وقت كان العمل السياسي الاسلامي في العراق يمر بالمرحلة السرية، والبلاد يحكمها الجيش بواسطة القائد العام للقوات المسلحة عبد الكريم قاسم.

لكن فات "جماعة العلماء" المعنى الرابع المحتمل لكلمة "السلم" الواردة في الاية وهو "السلم المجتمعي او الاهلي" community peace. وهو عبارة عن حالة الوئام والانسجام والتعايش والاندماج بين افراد المجتمع ومكوناته المختلفة. ولا نستبعد ان الاية كانت تنظر الى حالة مجتمع دولة النبي انذاك وهو مجتمع تعددي فيه المؤمنون على اصنافهم المختلفة (الانصار والمهاجرون) واليهود وغيرهم. وقد اولى الرسول هذه المسألة اهتماما كبيرا في وقت مبكر تجلى في الدستور الذي وضعه لدولته وجاء في احد مواده "وان سلم المؤمنين واحدة". مع ملاحظة ان هذا الدستور اعترف بالتعددية القبلية والدينية في المدينة وقننها على اساس التعايش الاجتماعي. علما ان المسلمين كانوا اقلية في المدينة. عن حذيفة قال: قال النبي (ص): اكتبوا لي من تلفظ بالاسلام من الناس. فكتبنا له الفا وخمس مائة رجل. وقال غيره: ما بين ستمائة الى سبعمائة.

وتحذر الاية الثانية من اتباع "خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ"، فيما تحذر الاية الثالثة من "فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً". وبعطف هذه التحذيرات على الدعوة الى السلم الاجتماعي، تكون خطوات الشيطان هي تخريب هذا السلم، وتكون الفتنة هي انهيار السلم الاهلي وسقوط المجتمع في هاوية الاقتتال والاحتراب الداخلي المسلح وغير المسلح.

وقد انتبه السيد محمد باقر الصدر ان هذه الاية تحذر من "عقاب دنيوي" يصيب المجتمع في حال اتباعه خطوات الشيطان، وقال في تفسيرها:"انها تتحدث عن النتيجة الطبيعية لما تكسبه امة من الامم عن طريق الظلم والطغيان، وهذه النتيجة الطبيعية لا تختص حينئذ بخصوص الظالمين من ابناء المجتمع بل تعم ابناء المجتمع على اختلاف هوياتهم وعلى اختلاف انحاء سلوكهم". واذاً فالعقاب هنا ليس غيبيا، ولا اخرويا، انما هو "عقاب" طبيعي ودنيوي، سببه، من بين امور اخرى كثيرا، انهيار السلم المجتمعي الذي تدعو اليه اية سورة البقرة. هذه هي احدى سنن التاريخ وقوانين المجتمع، من نوع "السنن الحتمية" في التاريخ.

وقد انتبه الامام السيستاني الى هذه المسألة وهو يدرس "قاعدة الالزام" في الشريعة الاسلامية، وانتبه الى عدم امكانية الاخذ بها في مجتمع تعددي، فاقترح "قاعدة الاحترام المتبادل" بدلا عنها. ومفادها انه "اذا كان بناء المجتمع المتشكّل من الاديان والمذاهب المختلفة على التعايش السلمي فان ذلك يستدعي احترام كل من الاطراف قانون الطرف الاخر". "وذلك لان عدم الاحترام ينافي التعايش السلمي المشترك الذي هو اساس الذمة والهدنة والتعاون". ( كتاب "قاعدة الالزام"، تقرير السيد محمد علي الرباني، المطبوع سنة ١٤٣٦، ص ٧٢-٧٣). ويلاحظ هذه النقطة ان السيد السيستاني عالج المسألة الفقهية في ضوء طبيعة المجتمع وهو مجتمع تعددي قائم على التعايش السلمي بين مكوناته المختلفة، ولم يتعامل مع النص الديني بمعزل عن الواقع الاجتماعي.

يتطلب الاخذ بمنهجية السلم الاجتماعي السير وفق منهج الاعتدال في التعامل مع الاشياء والامور والاخرين. ذلك ان التطرف، وهو نقيض الاعتدال، ينسف السلام المجتمعي من اساسه. وعلى هذا، فان دعوة الدخول في السلم الواردة في الاية الكريمة تستبطن الدعوة الى الاعتدال وعدم التطرف. وهذه بدورها قاعدة قرآنية اصيلة وردت في العديد من الايات التطبيقية مثل قوله تعالى:"وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا"، او قوله تعالى:"وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ".

اضف تعليق