أختصر نجم الربيعي محافظ الموصل قصة تفجير الأبراج الكهربائية بفيلم لشارلي شابلن الذي يجلب معه طفلا مهمته تكسير نوافذ البيوت بالحجارة، في الوقت نفسه يحمل شابلن على ظهره الزجاج لكي يجبر أصحاب البيوت تصليحها.

فالقصة كما يراها ليست بفعل داعش فقط، وإنما بفعل طرف ثالث له مصلحة مادية. مضافا إليه إفشال حكومة الكاظمي. ويضيف الربيعي عندما يسقط برج كهربائي ليلا تجد في الصباح مقاول بجنبه يقدم لك عروضا مغرية لإصلاحه!

وقصة السرقة، والتفنن بأساليبها، ليست مقتصرة على الأبراج الكهربائية، إنما هي حالة عامة تبدأ من سرقة راتب الموظف البسيط إلى سرقة منابع البترول، مرورا بالبنوك والمنافذ الحدودية إلى الامتيازات المالية للفاسدين التي تستنزف ميزانية الدولة.

والقصة لا تنتهي إلى هذا الحد، فهناك "تحت العباءة "كما يقولون مصائب وأسرار وأهوال تحدث في الوزارات والمكاتب الاقتصادية للأحزاب؛ عقود ومساومات وبيع مناصب، حيث يصبح المال العام ملك الحاكم يتصرف به كيفما يشاء.

حيث الفاسد يستجوب الفاسد. وتحرق ملفات النهب بفعل فاعل، ويسجن الموظف البسيط، ويبرئ الفاسد الكبير، وتنتهي قصة الفساد ببراءة جميع الفاسدين!

بمقاييس الضرب والقسمة، تحول العراق إلى بنك مركزي، ودولة "مقاولة"، وليس إلى وطن. فقد تم اقتلاع شوارعه ومصانعه ومزارعه وأنهاره ومتاحفه، ليس للتخريب فقط، وإنما لإنشاء مزادات تجارية، وأسواق للخردة. فلا يسلم من اللص السياسي العراقي شارع جميل من الزمن الماضي إلا وحوله إلى أنقاض بهدف إدخاله في قائمة "المقاولات"، ولم تسلم مدن مخربة من تحويلها إلى "خردة". فقد أصبح الجانب الأيمن من الموصل، على سبيل المثال، أرضا خصبة لمزادات تجارة المعادن الخردة بدء من السيارات الملغومة والمحطمة والأسلحة الخربة وانتهاء بصهاريج المياه وإطارات النوافذ وحديد البيوت، حيث تدوير خردة الحرب من قبل جهات تابعة لبعض السياسيين المحليين، وبيعها بأقل من قيمتها السوقية.

فبدلا من استغلال هذه المواد لإعادة أعمار المدينة التي بات 91% منها أنقاضا، فقد تم تحويلها من قبل التجار إلى حديد التسليح في الشمال وإيران. وهذا الأمر عرقل مشروع شركة فرنسية لإعادة أعمار 55الف وحدة سكنية من خلال الطباعة ثلاثية الأبعاد والاستفادة من تدوير الأنقاض والخردة.

كذلك لا يتم نهب الخردة من تحت الأنقاض فحسب، بل تم أيضا نهب المنشآت النفطية، مثل مصافي تكرير النفط، حيث لم تسلم مصفاة بيجي من النهب والتخريب، فقد تم تفكيكها وتهريبها إلى البلدان المجاورة، ومثلما تم بيع العراق سياسيا، فقد تم بالمقابل تحويل العراق إلى "خردة" من الحديد والمزابل والأنقاض والنفايات السياسية.

بشكل عام، الإرهاب والفساد وجهان لعملة واحدة. والفساد آفة خطيرة، ومعول هدم، يفضي إلى نهاية الدول، وموت المؤسسات، وهو ضد الإصلاح. وقد أصبح الفساد ثقافة راسخة في عقل السياسي العراقي، وجزء من منظومته الأخلاقية. لذلك أصبح العراق بيئة فساد يشبه الأواني المستطرقة، حيث يتوزع الفساد في كل مفاصل الدولة السياسية والإدارية، ومؤسساته وأحزابه. مما أنتج لنا مواليد سياسية تشبه شارلي شابلن في تفننه بكسر زجاج بيوت العباد.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق