في الصحافة يقال إذا عضَّ الكلب رجلا لا يصلح ان يكون خبرا، والذي يستحق النشر وتتواجد فيه عنصر الجدة والغرابة حين نقول عضَّ الرجل كلبا. منذ 2003 وصناعة الصحافة وشبكات التلفزة تتكلم عن الأحزاب والكتل وتصورهم على أنهم الطبقة السياسية الفاسدة، واصبح ما ينشر عن السلب والسرقة والابتزاز والرشوة في مؤسسات الدولة امر عادي.

سنوات قضت وفرط شهية الفاسدين يتوسع ويتخذ اشكال وطرق مختلفة دون رادع، وطوق نجاتهم الذي يمده لهم اسيادهم والعاملين معهم مهما ثبتت ادانتهم وغرقوا في سرقاتهم جعلتهم يستسيغون الحرام ويبيحونه، وكمن يقول عض الكلب رجلا، اتخم العراقي من اخبار فضائحهم وغطى سواد المشهد عينيه، ويرد بيأس نعم اعرف كلهم فساد فماذا نفعل؟

القابهم الاعلامية رجال الدولة ورجال السياسة وما هم برجال دولة ولا هم قريبين من اوصاف وسمات رجال السياسة، ومن يريد التحدث بحرية خالية من القيود سيواجه موانع توقف قلمه وتكتم صوته، اولها المخاوف الذاتية التي تفرض عليه رقابة ما ينطق به خوفا من رصاصة سلاح الأحزاب السياسية المتسيدة على المشهد السياسي.

في وداع أنغيلا ميركل بعد عمل وجهد دام ستة عشر عاماً في منصب المستشارة الألمانية، تصفها الصحف العالمية والمحلية الالمانية، إنها إدارية ممتازة، لم تقزم سلطة الشعب واحترمت الدستور، ولم يعرف عنها التورط بأي فضيحة، كما لا يوجد في ماضيها أسرار كان الكشف عنها سيضعها في موقف حرج.

ميركل لم يتهمها شعبها بهدر المال العام، او سوء الإدارة والتخطيط أو تسييس الاقتصاد او التواطؤ مع شركة متلكئة في عملها او حتى عقد وهمي واحد.

مع انتقالها إلى التقاعد، يفتخر الالمان بإرثها الكبير فقد قادت دفة السياسة الألمانية وسياسة الاتحاد الأوروبي بنجاح خلال أكثر من عاصفة سياسية، هكذا يقولون، الأمر الذي عجز عنه الافندية الذين يديرون دفة السياسة العراقية ليحصلوا على ذكرى او موقف مشرف ولو لنفر واحد منهم.

وأشير إليها باسم "صاحبة القرار" في السياسة الداخلية والمشاكل المستقبلية، عندما نقرأ هذا الكلام علينا تصديقه لصعوبة ارتكابهم الخطأ الفادح الذي ارتكبه بعض الصحفيين والاعلاميين الذين استغلوا المنبر الاعلامي ليطبلوا ويزمروا لمصاصي دماء العراقيين، كما ان الألمان ليسوا من الشعوب المتهمين بوراثة حب التمجيد والتهليل وتبجيل اصحاب المناصب.

اليوم ونحن نرى احتفاء العالم بخروجها من المنصب يمكننا ان نطرح سؤالا كبيرا، لماذا لم يخرج لنا المجتمع العراقي شخصية طورت العراق ورسمت مستقبله دون اخفاقات وتسلط، مثل ميركل ومن يشابهها؟، ولماذا المجتمع العراقي انتج هذا العدد الكبير من الفساد والعملاء والسراق؟، لعل الإجابات كثيرة فمنها مثلا على سبيل الذكر لا الحصر، ان الحصار ودرجة ضغط القحط والعوز ساعدت على تغيير اخلاقيات ومبادئ الأفراد، واخر يرجح السبب ان امريكا تعمدت بجمع كل الاشخاص غير الكفؤين والمعروف في سيرتهم الشخصية بـ"التفكير المزدوج" الذي يغير رأيه وجلده مراعات لمصلحته الشخصية والحزبية الضيقة، وسلمتهم مقاليد الحكم فسيروا دفة امور البلد من فشل الى فشل اكبر.

هناك منافسين لميركل فهي ليس وحدها تملك الشجاعة والنزاهة والوطنية، يعرفهم الشعب الالماني ويراهن على نجاحهم، بينما اغلب الشعب العراقي لا يعرف شخصا واحدا متأكد من نزاهته وذكاءه في حل مشاكل العراق المتراكمة، ونحن على ابواب الانتخابات هناك اسباب لكل شخص ينوي المشاركة والتصويت لصالح مرشح.

فأما ينتخب ابن عشيرته ومن أقربائه او شخصية يعرفها يضمن له الفائدة المستقبلية بعد نجاحه في العملية الانتخابية او قبض مقدما ثمن صوته بسعر مادي، أما العراقي الذي يعرف قيمة صوته وحسه الوطني عالي، جلـهم لا كلهم وجدوا أكفاء نزيهين يرومون انتخابهم ويظنون انهم لم ولن يتورطوا بالفساد.

ان الارشيف الاعلامي ثابت موثق لا يتوه او يتوهم، وفي ذكرى رحليهم لا يتذكر العراقي سوى كروش بارزة ووجوه تملؤها الوحشية والمكر والتعصب، ووعود وهمية، واحترافية في صناعة الكذب وتزييف الحقائق، وروايات وأحداث خداعة، ولا وصف تصفهم به الصحف العالمية سوى شلة من الفساد المتواطئين الذين اخذوا الرقم القياسي بسرقة أبناء جلدتهم، فالأرشيف لا يرحم.

اضف تعليق