آراء وافكار - مقالات الكتاب

بغداد ــ الحنّانة

انحصر القرار السياسي، وفعاليات النخب والأحزاب منذ 2003، بالمنطقة الخضراء، التي لا يذكرها الاعلام الخارجي الا مع نعت "شديدة التحصين"، حتى بزغ نجم منطقة الحنانة في الكوفة، الشاهدة على لقاءات سياسية مهمة، وحوارات، وزارتها شخصيات عربية وعالمية، ولقاءات بين قوى الإطار التنسيقي والتيار الصدري...

انحصر القرار السياسي، وفعاليات النخب والأحزاب منذ 2003، بالمنطقة الخضراء، التي لا يذكرها الاعلام الخارجي الا مع نعت "شديدة التحصين"، حتى بزغ نجم منطقة الحنانة في الكوفة، الشاهدة على لقاءات سياسية مهمة، وحوارات، وزارتها شخصيات عربية وعالمية، ولقاءات بين قوى الإطار التنسيقي والتيار الصدري.

الجغرافيا السياسية المرنة مهمة، فهي مقياس على ديمقراطية يُراد لها ان تتعافى، يتحرك فيها القرار السياسي الى دوائر جديدة، وألا يبقى حكراً على ذلك الجزء من بغداد، الذي تحكّم بالسلطة حتى قبل العام 2003، حين اقترنت تلك المنطقة المحاذية لدجلة بين الجسريْن، بالنظام الشمولي السابق.

المنطقة الخضراء تحتل اليوم زاوية معتِمة في الذاكرة العراقية، وتتم استعادتها في الخيال الجمعي على أنها قلعة للطبقة السياسية والبرلمانية، وحقب الإخفاق في الانفتاح على الناس، وما زالت منيعة، وغامضة عند الجماهير، وقد لعبت الهزّات الأمنيَّة دورا كبيرا في تقويض مشروع جعلها منطقة مألوفة، وأطال من تأجيل تأهيلها وادامة صلتها بالحياة اليومية، أحداث تظاهرات تشرين أول العام 2019.

الكثير من دول العالم، صاحبة التجربة الثرّة في الثورات، والتحولات السياسية والاجتماعية، يجب أن تكون مثلا للعراق في الاستهلال بمشروع رائد، تتحول فيه مراكز القرار الى مدن العراق المختلفة، بعد أن استهلكت بغداد الكثير من صبرها وأناقتها، وامكانياتها، نتيجة أحداث عصيبة متراكمة.

لم تعد السلوكيات الحكومية مجدية في تجميل صورة الخضراء وأدوارها، ولن يكون مجديا إعادة افتتاحها، او تجميل وجهها، وبدل ذلك، ليكن الفضاء المكاني للقرار، متناوبا بين النجف والبصرة والموصل، وبابل، والأنبار، لكن ذلك لن يحدث، ما لم تُرس البنية التحتية التي تحوّل تلك المدن الصابرة، الى معاقل ديمقراطية راسخة.

معهد الستراتيجيات الحضرية التابع لمؤسسة موري ميموريال يتحدث عن جاذبية المدن، وكيف تنجح في اخضاع القرار السياسي لها، وما ينتج عن ذلك من جذب رؤوس الأموال والشركات والأفراد، عبر تفاعلات التطوير والبيئة، وإمكانية الوصول.

الشعب العراقي بشكل خاص، يحتاج الى إنعاش نفسي، بتجديد مطارح القرار، بعدما تراكمت في هذه المنطقة المعزولة الكثير من المآسي والاحداث، وتحولت الى عقدة مستحكمة لدى كثيرين.

الديمقراطيات الحقيقية، هي صانعة القرار الميداني الشعبي، ولم يعد القصر هو ذلك المكان المرادف للسلطة، كما لم تعد مفردة (خلف الكواليس) ملائمة لأية ديمقراطية شعبية.

لندن واحدة من المدن العالمية في عالم ما بعد الحرب الباردة كعاصمة قرار سياسي، لكن المطاف انتهى بها لأن تكون عاصمة تلبي احتياجات مواطنيها قبل السياسيين والنخب، وفي عصر الإنترنت تحولت مدن مثل نيويورك، طوكيو، بروكسل جنيف، وواشنطن الى منصات عالمية للنداءات الشعبية والاحتجاجات.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق