لا يشعر الكثير من اعضاء الطبقة السياسية العراقية بالضيق من المشكلات الخطيرة التي تعانيها البلاد، ما زالت الاطراف المتنافسة والمتصارعة على السلطة تراهن على عامل الزمن لتفكيك عقدة الانسداد السياسي، كل طرف مقتنع بما لديه من ادوات القوة والضغط التي تسمح له بالتمسك برؤيته ولا يريد التراجع عن ما تحققه له هذه الرؤية...

لا يشعر الكثير من اعضاء الطبقة السياسية العراقية بالضيق من المشكلات الخطيرة التي تعانيها البلاد، ما زالت الاطراف المتنافسة والمتصارعة على السلطة تراهن على عامل الزمن لتفكيك عقدة الانسداد السياسي، كل طرف مقتنع بما لديه من ادوات القوة والضغط التي تسمح له بالتمسك برؤيته ولا يريد التراجع عن ما تحققه له هذه الرؤية، مصالح البلاد المعرضة للتهديد والمخاطر ليست بتلك الخطورة في عرف هذه القوى بما يلزمها بالبحث عن بدائل وحلول ممكنة يخرج فيها الجميع بنصف ربح ونصف خسارة.

عندما تستمر ازمة الحكم لفترة طويلة وتتضاعف المشكلات والازمات وتتعقد الحلول، يبحث السياسيون ومكاتبهم الاعلامية ومجموعات (الخبراء!!) التلفازيين عن مقارنات تخفف المسؤولية عن السياسيين المتمترسين خلف رؤاهم المتصلبة، فما الضير في استمرار التفاوض؟ فقد قضت بلجيكا 13 شهرا لتشكيل حكومة ائتلافية، واخفقت الاحزاب الصهيونية في ثلاثة انتخابات ولم تحسم كفة التقارب في الاصوات بين اليمين واليسار، الا بانتخابات رابعة، وتأخر الهولنديون والالمان ثلاثة اشهر ليسموا حكومة اغلبية، وهكذا هي الديمقراطية والانظمة البرلمانية !!، فنحن ديمقراطية ناشئة نتعلم حسم الخلافات في الغرف المغلقة وعبر الاذرع الاعلامية!؟

لم يتوقف احد من السياسيين العراقيين عند المتغيرات العالمية المتسارعة، أزمة طاقة، أزمة طعام، الخلل في سلاسل توريد المواد الاولية ونصف المصنعة، احتمال حصول مجاعة في الدول الفقيرة، نسيان الازمات الخطيرة القائمة، ازمة اليمن، الازمة السورية، عودة نشاط داعش، المفاوضات النووية الايرانية الغربية في فيينا، وكلها قضايا تؤثر مباشرة في معادلة الامن والاستقرار في العراق، صار التركيز على مستقبل الامن في اوروبا وازمة اللاجئين الضخمة بفعل الحرب في اوكرانيا، هذه المتغيرات الطارئة أعادت جدولة الاولويات لكل من الولايات المتحدة والغرب عموما وكذلك بالنسبة الى روسيا والصين، كيف ستنعكس هذه المتغيرات على منطقتنا؟

بالتأكيد سيخف الاهتمام في بؤر التوتر والنزاع والاضطراب التي كانت يوما تحظى بالأولوية، ولأن ازماتنا من النوع الذي يحتاج الى توافقات وصفقات وتسويات محلية واقليمية ودولية، لنا ان نتصور اذن الى كم ستطول هذه الازمات بغياب الاهتمام الدولي ولا ابالية الفاعلين المحليين؟ ولنا ان نتخيل كيف ستطالنا مضاعفات المواقف غير المدروسة، وكيف ستتمظهر نتائج الانحيازات السياسية والمواقف الاخلاقية وترتد على صورة البلاد في الخارج؟

منذ عام 2006 كانت الحكومات العراقية تتألف بمساعي القوى النافذة اقليميا ودوليا واستجابة عراقية محلية، بذلك صار الشأن السياسي الداخلي عرضة لمؤثرات وتصورات الفاعل السياسي الخارجي، وتناغم ذلك مع مصالح الفاعلين المحليين واصطفافاتهم، بالمحصلة كان شرط ولادة الحكومات العراقية توافق مصالح الفاعلين في الداخل مع رضا المؤثرين الخارجيين، واصبح ذلك مسلمة من مسلمات السياسة في العراق لا يرى المنخرطون فيها تعديا على مفهوم السيادة، واي خروج على هذه المسلمة يُعد خرقا تنتج منه مضاعفات سياسية وأمنية تثلم هذه السيادة وتجعل البلاد مكشوفة لانواع التدخلات غير المشروعة.

ما يضاعف من محنة العراق في ضوء التركيز على الأزمة الاوكرانية، هو تراجع ازمة الانسداد السياسي العراقي الى مرتبة ثالثة في سلم الاهتمامات الدولية، واصبحت ملحقا من ملاحق التفاوض على الأدوار الاقليمية لهذه الدولة أو تلك، وتتعمق الازمة كلما حاول لاعب محلي الالتحاق بمحور اقليمي يظن ان بيده أغلب اوراق اللعبة أو اراد الخروج على التوازنات السارية، فثمة طائرات مسيرة وصواريخ قادرة على اعادة الامور الى نصابها، ان الانصياع السياسي للخارج لا يقابله توافقات داخلية تسمح بأقلاع السفينة العراقية، والامر متوقف على توافقات الخارج ليتحقق بعدها توافق الداخل، الدرس الذي ينبغي تعلمه من الازمة الاوكرانية، أنها خرجت عن السيطرة واخذ اطرافها يتفاوضون عبر الصواريخ والطائرات وتهديم المدن، لان القرار الداخلي الاوكراني صار مستقطبا الى الخارج في ذروة التصعيد، وأرتأى الرئيس بوتين ان يعاقب اوكرانيا الضعيفة لانها قررت الانصياع لمطامحها الغربية وادارت ظهرها للشرق الروسي. عندما خرقت اوكرانيا التوازن المطلوب خسرت سيادتها وامنها ودفعت ثمنا باهظا لن تسترده في ترتيبات وقف الحرب.

التوازن العراقي الهش، والسيادة المنتقصة والمخترقة في كل يوم داخليا وخارجيا من جانب تركيا وايران وامريكا واسرائيل ودول عربية اخرى، لن تكون في مأمن مالم تكف القوى السياسية العراقية عن الانصياع السياسي للخارج وتحتكم الى الارادة الداخلية، فشرط الدفاع الكفوء عن السيادة هو فك المراهنة على العامل الخارجي، وهو الرهان الذي يبدو بعيد المنال في غياب مفهوم عملي للوطنية العراقية.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق