عندما نسير في شوارع كربلاء ولنجعلها نموذجا عن غيرها من المدن التي شهدت حركة استثمارية تميزها عن بعض المحافظات العراقية، نصاب بالبهجة؛ لما وصلت اليه مراكز المدن من انتشار للمولات التجارية، والمطاعم الفاخرة التي تقدم خدمات شتى للمواطنين ومن مختلف الشرائح، لكن هؤلاء الافراد عندما يأتون لارتياد هذه المطاعم والمحال الاخرى يواجهون صعوبة في إيجاد الأماكن التي يركنون فيها عجلاتهم وهنا تبرز مشكلة الاستثمار الخاطئ.

جيد ان تتحرك رؤوس الأموال في بطون المدن، لكن الخطأ يكمن في عدم احترام قواعد الاستثمار العامة، وفي كثير من الأحيان يركز المستثمر المحلي الذي ينشئ المولات التجارية على المحور الرئيسي من المفرق الاستثماري ويهمل الجوانب الأخرى المتعلقة فيه، ومن بينها توفير كراجات الوقوف الى جانب بقية الخدمات التي تهم المواطنين كالمساحات الخضراء وفسح الاستراحة بعيدا عن صخب المحلات التجارية.

بناء الأسواق التجارية في مراكز المدن له العديد من المزايا، أولها تنشيط الحركة التجارية، لكن يبقى الحديث عن الاستثمار في المدينة يحمل الكثير من الشجون والالم؛ لما يواجهه من تحديات ومشاكل لا تزال تضايق البيئة الاستثمارية، مما أدى الى جعلها بيئة غير آمنة وفي اغلب الأحيان طاردة للمستثمرين الخارجيين على وجه الخصوص، وبقي المستثمر المحلي وحيد في الساحة.

الوحدة في الساحة لها عيوب ومميزات في بعض الأحيان، ومن عيوبها افتقار السوق التجارية الى المنافسين، وبالتالي تتفرد القلة القليلة بنوع الخدمات المقدمة، وجودتها، أضف الى ذلك التأثير على دخل الافراد من خلال رفع الأسعار وعدم مراعاتها الحالة الاقتصادية للأفراد، اما المميزات فهي تنمية الاقتصاد المحلي وتشغيل الايدي العاملة المحلية التي أرهقها البحث عن فرص للعيش.

وعند الحديث عن الاستثمار الخاطئ يأخذنا الكلام لا شعوريا الى منطقة الإخفاقات الحكومية في هذا المجال، فهي وضعت الحبل على الغارب ولم تُفعّل القوانين الخاصة بجزئية الاستثمار المحلي، فلا يمكن ان يشيد مول تجاري ولا توجد فيه أدنى شروط السلامة العامة ومتطلباتها، ونتيجة لذلك حدثت العديد من الحوادث التي راح ضحيتها أرواح الافراد القادمين بحثا عن المتعة والراحة والترويح عن النفوس.

وبسبب الاستثمار الكثيف في داخل المدينة أصبح من الصعب التحرك بانسيابية كما في الفترات الماضية، وصار مجرد المرور في تلك المناطق او بالقرب منها مجبورا تهدر من الوقت ما قد يمكنك من قضاء حاجتك والعودة الى المنزل، ويعود ذلك الى عدم التخطيط الصحيح الذي يضع توفير الراحة للمواطنين ضمن الحسابات.

وبعد ذلك تولدت لدينا مشكلة مضاعفة وهي صعوبة نقل تلك المراكز التجارية الى مناطق أكثر فسحة وحرية في الحركة، وتشعرنا بالراحة وعدم القلق من ناحية الوقوف وعدم تعرض عجلتك لضرر معين نتيجة التزاحم في منطقة دون المناطق الأخرى، فاليوم تشهد اغلب المناطق التجارية المشيدة بصورة خاطئة اختناقات مرورية لا يمكن فكها او السيطرة عليها، وتتسم الحركة فيها بالعسر على مدار الساعة.

ومن المآخذ على هذا النوع من الاستثمارات هو الضغط على مشاريع البنى التحتية في تلك المناطق مما يتسبب بأزمات مستمرة طويلة الأمد، كالضغط على منظومة الصرف الصحي وشبكات الكهرباء، وغيرها من المرفقات الموضوعة في التصميم الأساس للمدينة بدون الإضافات التجارية الأخرى، وتحصل نتيجة ذلك الانقطاعات المستمرة في التيار الكهربائي وتوقف شبكات المجاري عن العمل.

ومع ذلك وفي الوقت الذي تذهب فيه المشاكل الى التفاقم والتعقيد، لا يمكن ترك هذه المشاكل حتى تكبر وتتضاعف معها إمكانية الحلول، ويجب ان يكون التحرك في الأيام القادمة على تنفيذ المشروعات الاستثمارية خارج اسوار المدينة القديمة.

هذه الخطوة وان تم التركيز عليها واخذها في الحسبان، ستؤدي الى تخفيف الزخم الحاصل في مراكز المدن، والعودة الى الحياة الطبيعية الخالية من الازدحامات المرورية والتخفيف من الاحمال الضاغطة على البنى التحتية وضمان عملها طيلة عمرها الافتراضي، اما في حال استمرار الضغط عليها ستفقد جودتها وتقصر في وظائفها.

ومن حسنات الاستثمار خارج المدن هي فتح مناطق سكنية جديدة الى جانب المراكز التجارية، فبوجود الأسواق تزداد فعالية الحركة التجارية وتزداد رقعة المساحات التنموية التي خلقت بفعل التوسع العمراني الذي صاحب الزيادة الطبيعية في اعداد المحال التجارية.

ليس من الصواب الإبقاء على التصاميم القديمة الموضوعة لأغلب المدن العراقية في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، فهي بالتأكيد انتهت مدة صلاحيتها ولا يمكن ان تكون فعالة وشغالة في الوقت الذي تغير فيه كل شيء، والذهاب الى المناطق المفتوحة سيمنح المستثمر والافراد قدرا لا يستهان فيه من الحرية في تنفيذ التصاميم الحديثة التي تحمل بين طياتها الروح العصرية وتبعدنا كثيرا عن الاشكال التقليدية والكلاسيكية ونكون بذلك حققنا عنصرين مهمين وهما التنمية والجمال.

اضف تعليق