سمعت بصمة صوتية لمحافظ البصرة يخاطب فيها الشباب البصري بخصوص عدم توفر الشواغر الوظيفية التي هدده الشباب في حالة عدم توفيرها سيقومون برد فعل يؤذي سمعة المحافظة. على الرغم من أن لي الكثير من المآخذ على السيد المحافظ، الا أني أعطيه بعض الحق (وليس كله) فيما ذهب اليه من تبرير بخصوص عدم توفر الدرجات الوظيفية.

ان هناك تلاعب شعبوي مسيس (أو جاهل) بخصوص القضاء على البطالة التي باتت أم المشاكل. وتشير آخر بيانات وزارة التخطيط أن معدل البطالة بلغ 16.5 في المائة، ويرتفع معدل بين الإناث الى (28.2 في المائة) أي نحو ضعف معدل بطالة الذكور (14.7 في المائة)، أما معدل بطالة الشباب فقد بلغ (35.8 في المائة).

أي أن هناك شاب عاطل من كل ثلاثة. وبحسب وزارة العمل فأن هناك 4 مليون عاطل عن العمل حالياً، وحسب تقديرات البنك الدولي، فأذا أستمر معدل البطالة بهذا الشكل فأن عدد العاطلين عن العمل في العراق سيناهز 8 مليون عاطل عن العمل خلال 5 سنوات. وفي بلد سيكون لديه 32 مليون شاب في سن العمل بعد 5 سنوات تقريباً، ويصل عدد من يعيشون تحت خط الفقر فيه الى ما يزيد عن 15 مليون شخص الآن، فأن البطالة فيه ليست قنبلة موقوتة فقط وانما سلاح دمار شامل أخطر بكثير من مكافحة داعش وما ينفق على محاربتها.

بدلاً من الضغط على الحكومة التي زاد عدد موظفيها عن 4.5 مليون عامل-وهو يساوي تقريباً بل ويزيد عن عدد العاملين في القطاع الخاص المنتظم-لكي تزيد أكثر من موظفيها، فأنه يجب على الشباب و(عقلاء) السياسة الضغط على الحكومة لتوفير مزيد من فرص العمل. هذه الفرص لا يجري توفيرها من خلال التعيين في الحكومة بل من خلال توفير مزيد من الاستثمارات الخاصة القادرة على توفير فرص العمل.

ان زمن التعيين المركزي قد أنتهى بلا رجعة، ونحـن في زمن الاقتصاد الحر، أن واجب الدولة هو ليس تعيين الشباب بل توفير الفرص أمام الاستثمار لكي يتم تشغيل الشباب. ولكي يحصل ذلك فيجب على الحكومة أن توفر بيئة الاستثمار الآمن التي تجعل المستثمرين يتقبلون معدل مخاطرة (مقبول) لكي يجلبوا أموالهم للعراق.

ان معدل المخاطرة في العراق اليوم يشابه معدل المخاطرة في القمار، ولذلك فأن أرباح (رجال الأعمال) الطارئين في العراق جنونية لكون الربح هو عائد المخاطرة.

ان المستثمر الحقيقي وبرغم تحمله لمعدل مخاطرة مقبول فلا يمكنه أن يقبل أن يتحول الى (قمرجي) فيضع أمواله تحت رحمة المخاطر اللا متناهية في العراق والموضحة في دائرة الفقر المنفلت أدناه.

بناء على أكثر من دراسة أجرتها مجموعتي البحثية مع المستثمرين، بخاصة العراقيين منهم ممن يعيشوا ويستثمروا عشرات المليارات من الدولارات خارج العراق، توصلنا الى أن هناك دائرة متخادمة من المخاطر التي يمكن ان تفترس أي استثمار حقيقي في العراق. فسلاح الميليشيات والعصابات (المنفلتة) يتخادم مع قوى الفساد (المنفلتة)، ومع المنظومة القانونية (المنفلتة)، ليُنتجوا لنا اقتصادا مشوهاً بانفلات لا متناهي مما يخلق بطالة منفلته تقود الشباب لكي يصبحوا أعضاء في الميليشيات والعصابات المنفلتة.

وهكذا نبقى ندور في فلك دائرة الفقر المنفلت الى ما لا نهاية.

أن ما يجب الضغط به على الحكومة هو أن توقف هذا الانفلات الضارب بأطنابه في كل مناحي الحياة والذي يقودنا تدريجياً نحو الانفجار العظيم. فبدلاً من أن تضغطوا على محافظ البصرة أو سواه، أو على الحكومة المركزية وممثليها كي يعيّنوا الشباب أضغطوا عليهم كي يساعدوا الاقتصاد والمستثمرين على توليد مزيد من فرص العمل.

أضغطوا عليهم كي ينزعوا كل السلاح من (الميليشياوية والعصابجيه) في مدن العراق. واصلوا الضغط لضرب الفاسدين، ولوضع قوانين ومنظومة أمنية (شرطة وقضاء) يحمي المستثمرين ويمنع عصابات أو جماعات عشائرية كي تجبر شركات عملاقة مثل شل Shell وبي بي BP وسواها من الابتزاز ومن ثم الانسحاب من العراق. أشملوا من يهدد مستثمر أو يبتزه (سواء كان ميليشيا، أو تاج، أو خط أحمر، أو حزب) بقانون الإرهاب لأنهم أكثر خطراً من داعش. أضبطوا الاقتصاد بـ (أطاره) الصحيح لتمنعوه من الانفلات.

فأقتصادنا (الهربجي) الذي لا هو حر ولا قومجي، يجب أن تضبط نهاياته السائبة كي لا تتغول عليه مؤسسات ليس واجبها الاقتصاد، ولا يديره من لا يعرف الفرق بين العُملة والعِملة، وبين المال والـ (مالاة).

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق