ثلاث أماكن للتظاهر في بغداد تابعة لتوجهات مختلفة بعضها إسلامي وآخر مدني، وليس المهم في جميع الهويات للمتظاهرين، لكم الأهم هو ان الانهيار السياسي لا يزال هو الامر الأكثر وضوحا بالنسبة للمشهد في العراق الذي نتفاجأ يوميا بحدوث متغير يُعقد المشهد أكثر من السابق.

بعد دخول مبنى البرلمان العراقي من قبل أنصار السيد الصدر وإعلانهم الاعتصام المفتوح بداخله ومحيطه، يمكن ان نقول ان العملية الانتخابية في العراق دخلت مرحلة العناية المشددة ومن المتوقع ان تفارق الحياة في أي لحظة، وليس هذا تصور من وحي الخيال، بل هناك حقائق ملموسة تؤكد ان الأمور لا تسر وان قوى الإطار والتيار ذاهبين نحو التصعيد وليس التهدئة.

لا يوجد دليل على اتباع الطرق العقلانية في حلحلة الامر، وقد دعم ذلك هو استخدام الشراع وتحريكه وتقسيمه الى فرق متخاصمة بدلا من ان يكون التحريك لها، باتجاه إيجابي مجتمعين على كلمة سواء هدفهم الأول والأخير هو محاربة الظلم والاضطهاد الذي لحق بالشعب العراقي طيلة السنوات الماضية.

تحريك الجماهير بهذه الصورة قد يكون من أخطر مراحل المواجهات بين الأحزاب السياسية، فلا يمكن ان يسود السلم المجتمعي والجموع الغفيرة تجوب الشوارع، يبحث كل منها عن مصلحته الشخصية عبر دعم الشخصيات التي استولت على المال العام واستخدمته وسيلة ضغط على الأشخاص الميالين لها، ودفعهم للنزول في المناطق القريبة من مركز القرار.

انتقال المطاردة الى الشارع بعيدا عن الأماكن الصحيحة وهي مبنى البرلمان وأماكن انعقاد الاجتماعات السياسية رفيعة المستوى، ينذر بحالة خطر تحدق بالعملية السياسية، فلا يجوز ان تصل شرارة الخلافات الى الأوساط الشعبية والهاء الشارع بالصراعات الحزبية والانشغال عن تقديم الخدمات للمواطنين.

فاليوم بدلا من المطالبة بحل البرلمان والعودة الى المربع الأول، لابد من تعديل المطالبات وإعادة هيبة السلطة التشريعية المحتلة من قبل جمهور معين، امام البرلمان مهمة جبارة في الوقت الحالي وهي تهيئة الظروف والأجواء المناسبة لتمرير قانون الموازنة العامة التي اخر اقراراها البلاد كثيرا.

فلا توجد بنى تحتية قيد التنفيذ، ولا نرى أي حديث عن الأموال المتراكمة عن بيع النفط، وذكر ذلك رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي خلال انعقاد الجلسة الدورية الأخيرة للمجلس، اذ قال هنالك وفرة مالية يجب الاستفادة منها في الوقت الراهن، لا سيما وانه من أكثر الأوقات التي يحتاج فيها البلد الى تكاتف ورص الصفوف لمواجهة التحديات الخطيرة.

عجيبة بيئة العراق فيها التناقض قائم بكل اشكاله، فبالوقت الذي يحاول المسؤولين فيه تصدير البلد على انه يعيش حالة من حرية التعبير والانفتاح على العالم الخارجي والمحيط الإقليمي، والانتقال السلمي للسلطة وغيرها من الجوانب الإيجابية المرتبطة بالأنظمة الديمقراطية، بينما نلاحظ الفارق الكبير في الانسدادات المتكررة والخلافات الظاهرة وعدم احترام المواد الدستورية والقوانين الوضعية والتجاوز عليها.

ومن بين التناقضات التي قادت الوضع السياسي في البلد الى التفرد بكل شيء، هي ان العراق قد يكون الأكثر تأثرا بالرؤى او التدخلات الدولية في شؤونه الداخلية، وبذلك فسح المجال لتلك القوى في السيطرة على أصحاب القرار ممن يشتركون بالعملية وصار في اغلب الأحيان الولاء الى الخارج أكثر منه للداخل، وبالتالي تولدت المشكلات المعقدة التي نعيشها في الوقت الحالي.

التحشيد الحاصل من قبل الأحزاب السياسية هو محاولة منها لتغيير وجهة أصابع الاتهام الموجهة اليها كونها المسبب الفعلي لما يمر فيه البلد، فهم يحاولون مسح آثار الجرائم السابقة بحق العراقيين، ويلعبون على وتر الزمن كفيل بالنسيان، ولعل الجماهير ذات الأغلبية تٌغير وجهة نظرها تجاه الجهات التي تريد استعادة الثقة.

فهم بكل ذلك يحاولون شراء الوقت لعلهم يربحون ما خسروه في السنوات الماضية منذ تغيير النظام، اذ يخوضون سباق مع الزمن للظفر بالاستحقاق الانتخابي وتشكيل الحكومة القادمة وطيّ صفحة أقل ما يقال عنها أنها قادت عربة البلاد الى الوراء بسرعة فائقة وغير متوقعة.

النزول المتكرر الى الشارع هو البحث المتواصل من قبل الجهات المتصارعة والراغبة باستعادة الاحلام الضائعة، ويفسر ايضا السعي الدائم لإيجاد منفذ جديد تنفذ من خلاله القوى الى السلطة بعيدا عن الكم الهائل من التدهور والانهيار الذي مُنيت به العملية السياسية في النصف الأخير من العقد الجاري.

اضف تعليق