ان من مصلحة العراق القصوى تنويع شركاؤه الاستراتيجيين وفي مقدمتهم الصين لما تتمتع به من إمكانات واعدة على الساحة الدولية، لكن السؤال المهم: ما هو الأنموذج الذي ينبغي التعامل فيه مع الصين على وفق الكلمة المفتاحية (مصالح العراق)؟ أن أنموذج التكييف المحلي لطموح الصين الدولي...

(المصالح) هي الكلمة المفتاحية للسياسة، لذلك فأن أي سياسة خارجية لا تبنى على مصالح الدولة فهي أما مسمومة أو مذمومة، في أفضل توصيف. بعد أن استعرضت الحلقات الثلاث السابقة من هذا المقال مصالح السعودية والصين من تغيير قواعد اللعبة الاستراتيجية في منطقتنا فأن من المفيد تسليط الضوء على الأنموذج الذي أختاره البلدان لهذه الشراكة الاستراتيجية الواعدة ومدى أمكانية الاستفادة منها في العراق.

بعد أن أدركت السعودية ومن ورائها دول الخليج أنه في ظل حاجتها المتنامية لتنويع مصادر أمنها الاستراتيجي سواء الاقتصادي أو الأمني كان اختيار الصين ليكون شريكاً جديداً، وليس بديلاً عن الشريك الأمريكي التقليدي. ولم يأت اختيار الصين بمثابة مماحكة سياسية مع أمريكا، بل بناء على تقييم واقعي لحاجة دول الخليج من الشريك الصيني الذي يمكنه تقديم بدائل أفضل أو مشابهة بأسعار أقل (مثل محطات الطاقة البديلة أو بناء السفن)، أو أنه يمكن أن يقدم تكنولوجيا لا يريد الغرب ولا أمريكا تقديمها مثل التكنولوجيا النووية.

فإذا ربطنا ذلك مع واقع أن الصين التي هي ثاني اقتصاد في العالم وأول مستهلك عالمي لنفط الخليج، وأن الميزان التجاري هو في صالح دول السعودية وقطر، وواقع أن السياسة الصينية لا تتدخل (عادة) في شؤون الدول الشريكة تحت أي مسمى كما تفعل أمريكا، فأن اختيار الصين كشريك (من وجهة النظر الخليجية) تم بناء على مصالح دول الخليج وليس اعتبارات أخرى.

من جانبها فأن الصين تدرك أنها تستورد أكثر من 40 بالمئة من مصادر طاقتها من هذه المنطقة، وأنه بعكس الشراكات التي عقدتها مع مختلف دول العالم (بضمنها شراكات مبادرة الحزام والطريق) فأن دول الخليج العربي هي شريك اقتصادي ومالي موثوق ومليء. وفي سعيها لتعويض ما فاتها نتيجة الجائحة وما يتوقع أن يجابهها من مصاعب اقتصادية فأن شراكة دول الخليج بالغة الأهمية لها. كما أن الموقع الجيوستراتيجي للمنطقة وأهميتها التاريخية والاستراتيجية لمنافسها الأكبر (اميركا) يزيدان من أهمية هذه الشراكة.

لذلك ستبذل الصين كل ما تستطيع لضمان تعزيز هذه الشراكة واستمرارها. وليس من المستبعد أن تجري الصين مراجعة لأولوياتها وسياساتها في المنطقة، بخاصة فيما يتعلق بموقفها من القلق الأمني الخليجي تجاه إيران، الشريك الاستراتيجي المهم للصين في المنطقة. كما أن الصين تسعى لتقديم بديل للشراكة أفضل من بديل الحزام والطريق الذي شابته كثير من المشاكل والمعوقات بل والفضائح أيضاً.

ان من مصلحة العراق القصوى تنويع شركاؤه الاستراتيجيين وفي مقدمتهم الصين لما تتمتع به من إمكانات واعدة على الساحة الدولية، لكن السؤال المهم: ما هو الأنموذج الذي ينبغي التعامل فيه مع الصين على وفق الكلمة المفتاحية (مصالح العراق)؟ أن أنموذج التكييف المحلي لطموح الصين الدولي هو الأنموذج الذي ينبغي التفكير به جديا كما فعلت السعودية.

هذا الأنموذج يتطلب أولاً تحديد دقيق للاحتياجات الاستراتيجية المحلية وفق الرؤية المستقبلية للبلد. فالسعودية تمتلك رؤية 2030 جرى موائمة احتياجات الصين والمملكة وفقها، فهل العراق مثلاً يملك رؤية لما نريد الوصول له بعد خمس سنوات وليس عشرة؟ للأسف فأن الإجابة تكشف قصور واضح في التخطيط لمستقبل هذا البلد وأجياله وهو قصور أمتد على طول كل الحكومات السابقة والحالية وبلا استثناء.

حتى الخطة التي سميت بالورقة البيضاء لم تكن واقعاً أكثر من ورقة بحثية تم قص ولصق كثير من فقراتها من تقارير دولية. ثانياً، هذه الرؤية يجب أن تكون استراتيجية بما تحمله الكلمة من معنى. فلا يمكن لمشاريع ”بناء المدارس” أن تكون جزءاً حقيقياً من معنى الشراكة الاستراتيجية. ثالثاً، يجب أن يتم تمويل هذه المشاريع وفق رؤية عراقية (خالصة) لأنموذج التمويل الأنسب سواء بقروض أو بالنفط...الخ مع وضوح تام لآلية التمويل.

رابعاً، تعاني الشراكات والاتفاقات الاستراتيجية الموقعة في مختلف دول العالم مع الصين من غموض يكتنفها وسرية تغلفها في كثير من الأحيان. لقد برز هذا الغموض في نوع الاتفاق الذي عقدته حكومتا العبادي وعبد المهدي وتكتمت عليه حكومة الكاظمي أيضاً.

ينبغي ابتداءً القول أن ما وُقع لم يكن سوى مذكرات تفاهم أو أتفاق حكومي لا يرقى لمستوى الاتفاقية الدولية التي نص عليها الدستور العراقي في مادتيه 61 و 73 واللتان توجبان مصادقة مجلس النواب عليهما. والمفارقة العجيبة، بل والسابقة الغريبة، هي أن مجلس النواب العراقي طلب استضافة سفير الصين في عام 2020 لاطلاعه على فحوى أتفاق حكومته مع العراق بدلا من أن يطلب مجلس نوابنا العتيد حقه في معرفة ذلك من حكومته الرشيدة!!

لقد وقعت السعودية أكثر من 30 أتفاق ومذكرة تفاهم تستطيع أن تجدها ببحث بسيط على الانترنت. أما نحن فما زلنا مختلفين على أسئلة مهمة حولها، مثل هل هي أتفاق أم اتفاقية؟ وهل يجري تمويلها كاملاً من خلال النفط أو هناك تسهيلات وقروض صينية؟ هل هناك فعلاً أرصدة عراقية في البنوك الصينية أم لا؟ هل يمكن للحكومة الأميركية رفع الحصانة عن الأموال العراقية وبالتالي جعلها متاحة لكل الدائنين أذا لم ترض عن أتفاقنا مع الصين أم لا؟ ما هي المشاريع التي يتضمنها الاتفاق، أن وُجد فعلاً؟ وهناك عشرات الأسئلة التي تحتاج للإجابة قبل إعطاء حكم نهائي.

الخلاصة، ان الصين دخلت عصراً جديداً في شراكتها الاستراتيجية مع السعودية ودول الخليج الأخرى. هذه الشراكة لا تعني فقط تغيير قواعد اللعبة الاستراتيجية في المنطقة، بل تعني أيضاً أن التنافس الأمريكي الصيني قد دخل مرحلة جديدة.

كما أنه يؤكد ما سبق أن لاحظه المراقبون بأن عالماً ومسرحاً جديداً صار يتشكل عالمياً، وأن أغفال هذه الحقيقة له عواقب سلبية على من لا يعوها ولا يجيدون اللعب بموجبها. لكن حتى في ظل هذا التشكل الجديد لتعدد الأقطاب دولياً يجب دوماً أدراك حقيقتين ثابتتين بالنسبة للسياسة الخارجية لدولة مثل العراق: الأولى هي أن المصلحة أهم من الايدلوجيا والشعارات أو أي اعتبار آخر عند اقامة العلاقات مع الدول، والثانية هي ضرورة الابتعاد عن سياسة المحاور، غربية كانت أم شرقية، دينية كانت أم قومية، وتاريخية كانت أم جغرافية. المصلحة العراقية أولا وثانياً وثالثاً ثم بقية الاعتبارات.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق