تعلّق بصره بورقة خذلتها الريح فسقطت، لم يجل نظره عنها، كانت يابسة صفراء، ترنّحت قليلا في الهواء ثم ارتمت على الأرض.

يبدو أنّ جدّه الجالس بمحاذاته لم يشعر بها، فقد كان يتأمّل أسراب الحمام المهاجرة بعينين أضاءهما الأمل.

كانا يجلسان على مقعدٍ خشبي مهترئ والصمت ثالثهما، شاب في منتصف الثلاثينيات، بشرته صفراء باهتة، يزن نحو مئة رطل. وعلى طرفٍ نقيض، عجوز قد جاوز التسعين، ذو وجه أبيض مشرّب بحمرة، اشتعل رأسه شيبا والتصق جلده على عظمه من شدة النحول.

كان المكان مقفرا، فنزع نظّارته السوداء التي يحاول ان يخفي بها مسحة الحزن والاضطراب الذي يملأ عينيه. راقب بصمت جدّه الذي غلبه النعاس فغفا جالسا، راح خاطره يتساءل عن صعوبات رحلته الطويلة.. إذا قدّر له ان يعيش عمره ترى أي تعاسة ستنتظره؟!.

***

كانت قد استهوته فكرة السفر الى القرية رغم تمنّعه في البداية. سيكسب بعض المال من بيعه لإحدى أراضي العائلة وكان ايضا بحاجة الى ان يبتعد عن جو المدينة الخانق وان يخلو الى نفسه قليلا.

لم يرَ جدّيه ولا القرية منذ أعوام عديدة. كان يزورهما في بعض الأعياد وقد حضر قبل سنوات جنازة عمّه. وتلك الرحلات لا تستغرق يومين كحد أقصى. كانت المرّة الأولى التي يطيل البقاء فيها، فقد وجد بعض السكينة في الريف والأنس بقرب جدّيه ولاسيما جدّه الذي يزداد اعجابه به كل يوم.

كان من أكبر المعمّرين في القرية، محدودب الظهر، حفرت السنوات أخاديد في وجهه، ضعيف النظر فضلا عن ضعف السمع، فيرى الاشخاص أطيافا متشابهة ولايكاد يسمعهم. وشد ما كان يؤلمه في حالة جدّه هو ذاكرته التي بدأت تتآكل يوما بعد آخر، فقد تعرّف إليه متأخرا وحُرم من أحاديث يقف فيها على سر ايمانه وصموده رغم المصائب التي مرّ فيها.

انه يسير في درب النسيان، تمنّى في أعماقه ان يكافئه القدر بتلك النعمة، علّه ينسى كل ما حدث ويبدأ من جديد!!

***

أول محطات أحزانه وأشدّها كانت حادثة أليمة، لا تزال تأتيه كل يوم في كوابيس بشعة وتطارده كلعنة!!، كان يقود سيارته عائدا الى بيته بعد يوم منهك، وعندما وصل قريبا من المنزل، أقفل راجعا بسيارته الى الوراء ليركنها في الزاوية، واذا به يصطدم بقوّة بشيء ما!!. لم يكن ذلك سوى طفلته الصغيرة التي انطلقت لاستقباله بعد سماعها لصوت سيارته.

ترّجل والرعب يفترس كيانه.. ورأى ابنته غارقة في بحر من الدم.

عصف الحادث بحياته عصفا، وهجرته زوجته في ذروة محنته، ولم يفهم ان ما حدث لم يكن سوى حادث مأساوي لا يد له فيه وليست جريمة كما يظن.

حاول ان يهرب من واقعه الاليم فانغمس في الطعام والشراب وأدمن التدخين وخسر أمواله بإهماله ولهوه، فزاد وزنه وتدهورت صحته وأصيب بداء السكري والكثير من الامراض العصبية، تلك التي لم تصب جدّه الذي كان في أضعاف عمره.

وتساقط شعر رأسه كما تساقط أصدقاؤه الواحد تلو الاخر وقد خذلوه في مصيبته وتبرّموا من صحبته وشكواه الدائمة من التعاسة وسوء الحظ.

وهل تنسيه أموال الدنيا كلها ما حلّ به وهو لا يزال في ريعان شبابه؟!

***

أمطار نديّة دفعتهما لأن يغادرا المكان، سنده بيده فقد نسي جدّه عصاه التي يتوكأ عليها في نزهاته اليومية. شعر بتدفق الحرارة من تلك اليد الدافئة الى يده الباردة كأيدي الموتى. يُقال ان" اليد تكشف سر المهنة"، كانت يدا جدّه الخشنة المتشققة تشي بقسوة عمله في الزراعة ورعي المواشي، أما يداه فكانت ناعمة وباردة لم تعرف سوى عدّ النقود بمهارة عالية.

زفر في سخط وقرف عندما سمع نقيع لغراب أسود ذكّره بشؤمه، بينما ابتسم الجد تفاؤلا بذلك الطائر الجميل!!

***

في الهزيع الأخير من الليل، أيقظه نشيج جدّه الحاد، راقبه بذهول وهو يصلّي، أخذ منه العجب كل مأخذ!! كانت تلك إحدى أكثر الصلوات الخاشعة التي رآها في حياته.. وصل الى أرذل العمر وهو لايزال يستيقظ ويترك فراشه الناعم ليناجي ربه. دنا منه بهدوء..

أصاخ السمع، انها ذاكرته تخونه مرّة أخرى، فكان يقرأ آيتين فقط من سورة الفاتحة ويعيدها مرات عديدة ثمّ يهوي ساجدا ومن دون ان يركع!! كل يوم وتحت جنح الظلام له موعد مع معشوقه الأبدي، لايمسّه ضجر ولايقعده كلل، يمضي الى ربّه وقد نسي كلمات كان قد حضرّها لينشدها في حضرته فيتلعثم لسانه، بيد أنّ معشوقه يفهم لغة الارواح وحسبه اخلاص قلبه.

ينطفئ الجسد.. يضعف.. ولكنّ الروح تتّقد أكثر وتنفتح على منافذ الملكوت!!

قد فهم يومها لمَ قهرت الحياة روحه فكان ريشةً يلعب بها ريح القدر، ولم تهزم روح جدّه لانها كانت محصنّة.. مسلّحة بالصبر والايمان والرضا.

***

في ذلك الصباح الطري، النسيمي، الدافئ، لحظ حرقا في ذراع جدّه فسأله عنه..

أجابه وابتسامة ارتسمت على شفتيه:

(لقد احترقت بنار العشق).

لم يفهم ما قاله فقد كان يجيب بجملة واحدة عن أسئلته هذا إن أجاب أصلا!!

أفاض بملاحظته تلك الى جدّته التي كانت تحتفظ بذاكرة جيدة قياسا الى زوجها.

أخبرته بتلك الحادثة التي سمع عنها دون تفاصيل.

لم يتخلَّ جدّه يوما ما عن اقامة مجالس العزاء لآل بيت الرسول (ص)، فكان يقيمها في بيته ويتحدّى النظام المعارض والمعادي لهذه الشعائر، داهمته الشرطة في احدى المجالس وأخذت ابنه الأصغر وأعدمته بعد يومين، ولِيُلّقن درسا لا ينسى رمته في قدر كان يغلي فيه الماء والأرز.

ولم يحفظ الدرس، فقد استمرّ في عادته تلك بقوة وثبات وتحدي أكبر، سُجن وعُذّب ولم يحيد عن ذلك مقدار أنملة.

انه من حافظ على تلك الشعائر في هذه القرية ولولا شجاعته وصموده لاندثرت بيد القمع والارهاب.

كان يردد دائما (ان الله يبتلي الانسان بأحب الاشياء على قلبه، ويرى أيصبر أم يكفر؟!).

توقف طويلا عند هذه العبارة وتذّكر أن ابنته كانت أغلى ما يملك فاختُبر بها ولم ينجح ومن ثم اُمتحن بالمال والطعام وسقط في جميعها.

***

مرّة أخرى، يجلسان على ذلك المقعد، كان قد صبغه باللون الاخضر ليناسب ثوب الطبيعة الزاهي، أراح رأسه على كتف جدّه، سمع نبضات قلبه الهادئة وغبطه على تلك الطمأنينة.

للحظة فكّر في امكانية ان يولد الانسان من جديد، جزء منه أحب أن يعيش في الريف بعيدا عن السماسرة والتجّار وزعيق السيارات وجلبة المعامل والذكريات الحزينة وخذلان الاصدقاء، وأن يقرر الانتقال بالقرب من جدّه الذي ظهر في حياته كهلال عيد..

أن يتعلم اكسير الحياة من الهرِم الذي يزحف اليه الموت بطيئا ويجد ما لم يستطع ايجاده عند كل الشباب الذين عرفهم.

لحظ تلك الورقة التي سقطت منذ أيام وقد سحقتها أقدام المارّة، أطرق برأسه يتأملها وقد انقبض صدره، إلا أن جدّه أمسك ذقنه ورفعه الى الأعلى وأشار بيده الى أغصان تلك الشجرة وقد تفتحت فيها الأزاهير التي غفل عنها (انظر.. لقد جاء الربيع!!).

# "أنت شاب بقدر ايمانك وهرم بقدر ما أوتيت من شك".

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق


التعليقات

zahra
العراق
دام نبض حرفك ..حقيقة كانت قصة رائعة ،جوهرها مليء بالعبر والدروس.
و سلم القلم الذي خطَّ هذه الكلمات الماسية2016-03-27