يجمع اغلب الباحثين بأن وجود الاحزاب في دولة ما مؤشر على وجود حياة سياسية جيدة وضمانة للتبادل السلمي للسلطة والمشاركة الفعالة لأغلب ابناء ذلك البلد، وتعد الأحزاب السياسية أساسا مهما من أسس الديمقراطية. فبقواعدها الجماهيرية وحشدها لهم في الانتخابات يمكن لها اخذ فرصتها في تطبيق مشروعها وبرنامجها الذي رفعته في أوقات سابقة وعدت بتنفيذه، مما يجعل مصداقيتها محل تأكيد وترسيخ لناخبيها وعنوان لها مستقبلا.

في دول عدة، لا تكاد تصل الأحزاب السياسية للاستجابة لمطالب مواطنيها فعندما تكون جسور الثقة بين الأحزاب السياسية وعامة الناس غير مطمئنة فأن العملية الديمقراطية والحياة السياسية بكاملها في البلاد تكون مختلة وبناء الدولة هزيل. وعليه لابد من وجود احزاب تتمتع بسمعة عالية في رسم الاستراتيجية وصدق التطبيق لتنتج دولة مؤسسات فعلية.

في الساحة العربية يمكن القول بأن عقد الثمانينات للدول العربية بالذات هو عقد الحزب الواحد والقائد الأوحد وان الاحزاب بتنوعها الديني والقومي كانت تمثل تيارا معارضا لتلك الحكومات وهي بذلك مثلت الامل الشعبي لقواعدها، وبشعارات الدفاع عن حقوق الانسان والتعددية والمطالبة بإيجاد دولة المؤسسات حيث كانت شعارات هذه الاحزاب تعد مطلبا استراتيجيا وحلما يراود شعوبها.

في نهاية العقد المنصرم سجل الوضع السياسي تحولا لصالح اغلب هذه الاحزاب واستطاع الكثير منها بطريقة او بأخرى سواء بتدخل خارجي او بربيع عربي الوصول الى السلطة ليبدأ تاريخا جديدا وجديا لها في وضع شعاراتها موضع التنفيذ لجماهيرها واتباعها.

لم يدم الوضع طويلا لتلك الاحزاب لتعيش في مرحلة الاحراج بين فشل في ادارة الدولة او ابتعادها عما كانت تدعوا اليه ليصل الحال الى مرحلة الانشقاقات الداخلية والتشظي السريع واتهامات متبادلة بالسعي للاستحواذ على السلطة او تكريس العائلة وحكم الفرد في تلك الاحزاب.

ومن مصاديق هذه التجارب، العراق وحركة الاحزاب فيه لما بعد 2003، والاخوان في مصر، وحزب النهضة في تونس وليبيا وغيرها لتعطي صورة واضحة عن ذلك.

ان المؤشر على اغلب الاحزاب العربية بشكل عام هو:

1- غياب ثقافة الديمقراطية الحقيقة في داخلها وعدم قناعتها الفعلية بشعار سلمية تداول السلطة.

2- نموها في بيئة المعارضة المسلحة والتنظيمات السرية لأغلبها وبقاء هذه الذهنية في طبيعة تعاملاتها لما بعد فوزها بالسلطة.

3- استنكارها لحكم الفرد والعائلة شعارا فيما تمارس هي ذلك بشكل مقيت ومكثف.

4- استفحال ظاهرة الصقور والحمائم فيها الى درجة التمايز الطبقي.

5- تخوف اغلبها من اي معارضة حتى لو كانت ضمن الاطر القانونية التي كانت هي من تطالب بها في زمن الحكم الشمولي.

6- انشغالها بالمصالح الحزبية والاستيلاء على السلطة تصورا منها ان ذلك هو المنجز الذي تقدمه لجمهورها وناخبيها.

7- سيطرة فريق معين على قرارها وعدم السماح لدماء جديدة وشابة من خارج مقربيها بالدخول الى حلقة صنع القرار في اطار استراتيجية بناء حزب ذو رؤى استراتيجية.

8- عدم قرائتها لمنظومة العالم الجديدة من رفض العسكرة والتفرد وسياسة المشاركة التي باتت تؤمن بها دول عظمى وتطبقها مع اعدى أعدائها.

ومع جميع ماذكر يراه البعض أسبابا ثانوية وان اهم سبب رئيسي في اخفاق اغلب تلك الاحزاب في تحقيقها لطموحات شعوبها هو انها لم تتطور لا على مستوى الفكر ولا على مستوى النظرة الى تحول المجتمعات بل بقيت جامدة على مستوى اداء واحد منذ تأسيسها في زمن الوضع السري ومقارعة الحكم الشمولي الى زمن تسنمها رئاسة وسلطة البلاد، ثم ان اهم اسباب التأزم الاخرى في البلدان يحدث عندما تفقد الشعوب الثقة بمن في الحكم وهذا يعني فقدان اهم جسور التواصل والتفاهم.

لهذه الاسباب وغيرها تعاني الاحزاب الشرق اوسطية عموما من كهولة مخيفة قد تؤدي بها الى موت سريري، وركنها باتجاه (الهامشية السياسية) او (التطرف السياسي المشاغب).

كما أسلفنا فإن وجود الاحزاب ضرورة من ضروريات التعددية والحياة الديمقراطية وان فشلها او اندثارها يشكل طريقا سهلا ومريحا لعودة الدكتاتورية او حكم العائلة اي المربع الذي سبب دمار المنطقة برمتها، لذا فإن الاحزاب في وضع مراجعة سريعة لأدائها وتركيبتها فهي ليست ملكا لأشخاص او مجموعة بل هي نتاج تضحيات اجيال متعاقبة وافكار علماء ودماء ودموع شعوب مقهورة ولابد من تحملها لهذه المسؤولية.

ومن هنا نرى لابد من وضع مراجعات سريعة لواقعها الذي نراها يتمثل في:

1- مراجعة سريعة وصريحة وشجاعة لأدائها وبنيتها بعد تسلمها السلطة.

2- الغاء مبدأ القيادة للفرد او العائلة او المجموعة وتجسيدها وبواقعية لتداول السطلة السلمي في داخلها كي تنجح في تطبيقه خارجها.

3- ابعادها للشخصيات المشبوهة وعدم تبنيها لأي شخصية ذات تاريخ سيء فضلا عن الدفاع عنه.

4- الانفتاح على المعارضة والاستماع لها واحتوائها كي لا تنتج حركات مسلحة تعيدنا لأعوام الانقلابات.

5- تكريس مفهوم وثقافة تصفير المشاكل واثارتها والابتعاد عن روح العدائية ونشر ثقافة التسامح كمبدأ للجميع.

6- عدم الانشغال بالمصالح الاقتصادية لأفراد الحزب على حساب مصلحة المجتمع والدولة او استغلالها لذلك.

7- تثبيت (القانون فوق الجميع) استقلالية القضاء مبدأ فعليا لا شعارا سياسيا من اجل ترسيخ عدالة مجتمعية تطمئن الفقراء من الناس بوجود حامي حقيقي لهم.

8- شفافية تمويلها وعدم وجود تضخم في اموالها وممتلكاتها بشكل غير معقول وفي زمن قصير، مع الاحتفاظ بحقها في ممارسة الاقتصاد ضمن اطره القانونية والرسمية والمصلحة العليا.

9- تركيزها على بسطاء الناس ومعوزيهم وتحسين اوضاعهم في استراتيجية بناء دولتها لا التعكز على مترفي القوم وكبارهم في سعي الاحزاب لتركيز سلطتها.

10- التزامها بشعاراتها السابقة في زمن المعارضة وعدم الانسلاخ عنها لتثبت مصداقيتها وهذا يتم ببقائها ضمن طبقات الشعب المختلفة وبالقرب منهم وعدم السكن في قصور عاجية والنزول للناخب في فترة الاقتراع.

11- الخروج من حالة التحجر الطائفي او المذهبي او الديني والتحرك نحو مساحة اوسع واشمل وهي مساحة الوطنية والانسانية كبرنامج استراتيجي لبناء الانسان والاوطان لا برنامج انتخابي ينتهي في صندوق الاقتراع.

12- المصداقية مع مواطنيها في كل الاحوال لتكسب ثقتهم ليشكلون اجزاء متكاملة في بناء الدولة.

ان فرصة ممارسة الديمقراطية في بلداننا العربية والشرق اوسطية هي فرص محدودة ولعل الوضع الحالي للأحزاب يشكل مساحة جيدة لتثبيت هذه الحياة التعددية، اما اذا لم تلتفت الاحزاب للأخطاء التي ارتكبتها وما نتج عنها رغم قصر مدة حكمها، فإننا قد نواجه مطالبات واسعة على مساحة البلدان تطالب بعودة الدكتاتورية لأنها قد تعد في وجهة نظر الشعوب اقل مصائبا من مصائب الفوضى او الدكتاتوريات المتعددة ولعل ما شهدته البرازيل مؤخرا خير دليل على قولنا هذا ولذلك نقول مازال في القوس منزع والفرصة لم تفت لحد الان.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية
http://mcsr.net

اضف تعليق