عدتُ لفندقي في احدى المدن الاوربية بعد دعوة عائلية من أصدقاء أبنتي الذين حُشروا وأطفالهم في شقة صغيرة ضاقت بنا. بحثتُ في غرفتي عن ورقة وقلم لأدون ملاحظاتي عن تلك الدعوة فلم أجد سوى تابلت (كومبيوتر لوحي) أخبرني موظف الفندق أنه يمكن أن أدون ملاحظاتي عليه. لم أعرف كيف أفعل ذلك فاستعنت بمجموعة قصاصات ورقية دونت عليها ملاحظاتي. دخلت بعدها للحمام الذي لم أجد فيه حنفيات مياه اعتيادية بل لوحات رقمية أتعبتني الى أن عرفت كيفية استخدامها! ثلاثة تغيرات كبرى، لم أنتبه لها سابقاً في خضم التطور التكنولوجي والاجتماعي السريع، مرّت بي خلال ذلك المساء (الشقة والعوائل الصغيرة، اختفاء الاقلام والورق، واستبدال الحنفيات بمقابض رقمية) جعلتني أفكر عميقاً بحجم التغيرات التي نعيشها، بخاصة المجتمعات الغربية، وتأثير ذلك على ثقافتنا الاجتماعية.

وعدت القراء بعد نشر مقالي السابق (المثلية الجنسية، حرية أم أستبداد) أني سأحاول تفسير ظاهرة الترويج لما يسمى بالمثلية أو الشذوذ الجنسية وهل هي مؤامرة على المجتمعات المعاصرة وثقافتها المعتبرة. وعلى الرغم من أني من أشد المعادين لنظرية المؤامرة، الا أنني وجدتُ نفسي منقاداً لفكرة المؤامرة على مجتمعاتنا الشرقية كتفسير لما تحاول بعض الدول الغربية الترويج له في بطولة العالم المقامة في قطر حالياً بخصوص المثلية الجنسية ومجتمع الميم.

لكني وجدت أن هذه المشكلة موجودة وبشكل أكثر حدة حتى في المجتمعات الغربية التي تشهد انقساماً ونقاشاً حاداً حول هذا الموضوع كجزء من نقاش واستقطاب عميق قاد الى ما يسمى بحرب الثقافة culture war داخل هذه المجتمعات.

أجل، فمن يعيش في الغرب يستطيع بسهولة تمييز تلك الحرب وشدة الاستقطاب والذي كان من أحد أهم نتائجه صعود الحركات الشعبوية في أوربا والترامبية في أميركا والبريكزت في بريطانيا، كرد فعل لهذه الظاهرة الاقتصادية-الاجتماعية التي شقت تلك المجتمعات الى قطبين متصارعين وقلقَين على مستقبلهما. المثلية الجنسية ليست مؤامرة إذاً بقدر ما هي جزء من صراع أكبر في مجالات الأيدلوجيا، والاقتصاد، والاجتماع.

إنها جزء من عملية تشكّل اجتماعي جديد يرفض كل قيم الماضي، ويريد صنع مجتمعه الخاص المعولم والمستند الى معايير اجتماعية جديدة تشمل نسفاً لكثير من المعايير القديمة واستبدالها بقيم فردية ومعايير اجتماعية تنتمي لعصر ما بعد الصناعة (عصر الرقمنة). عصر بدأت تتشكل ملامحه، سواء رضينا بها أم لم نرضَ، لتتواءم مع التغييرات السريعة في حياتنا الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية والتي عبّرتُ عنها في بداية المقال. أن من الصعوبة بمكان شرح تفاصيل ما يحصل لكني سأحاول قدر ما أمكنني أن أشرح بتلخيص غير مخلّ بالمضمون، ماهية حرب الثقافة التي يخوضها الغرب حالياً وانعكاساتها على مجتمعاتنا والأجيال التي تعيش في الغرب حالياً، والأجيال التي ستعيش في منطقتنا في المستقبل القريب.

تتداخل في حرب الثقافات ثلاثة مجالات رئيسة هي: المجال الأيديولوجي، والمجال الاقتصادي، والمجال الاجتماعي.

وتمتاز هذه الحرب بثنائية قطبية يتصارع فيها قطبان رئيسان هما الليبرالية التقدمية الجديدة progressive new liberalism? واليمين المتطرف far right?وغياب ملحوظ لأي أرض وسطى أو مجال توفيقي بين هذين القطبين. فالليبرالية التقدمية الجديدة تريد الانتقال بنا الى مجال اجتماعي جديد يتناسب (حسب رؤيتها) مع التطور التكنولوجي والاقتصادي وعصر العولمة، في حين يصر أنصار اليمين المتطرف على العودة للماضي (الجميل) الذي أمتاز بعلاقات اجتماعية عاشها وأحبها وتعودت عليها أجيال ما بعد الحرب العالمية الثانية.

ولكي لا يسيء القارئ فهم هذا الصراع، فأن هذا الوصف العام له لا ينفي وجود أجنحة وتيارات تتباين في توجهاتها الاجتماعية داخل هذين التيارين المتصارعَين. دعونا نبدأ بالقطب الذي يقود الحرب على كثير من القيم والمعايير الاجتماعية التي يعتقد أنها باتت غير ملائمة ويطالب بتغييرها، مثل الموقف مما يسمى بمجتمع الميم وهو اصطلاح يشير إلى مثليي الجنس ومزدوجي التوجه الجنسي وللمتحولين جنسيًا. وسبب اختيار هذا الاسم هو لأن المصطلحات «مثلي، مزدوج، متحول ومتحير» كلها تبدأ بحرف الميم. أنه القطب الذي يقود حملة التغيير المفاهيمي في كثير من المجالات الاجتماعية والاقتصادية، فمن هم الليبراليون التقدميون الجدد وما قصتهم؟

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق