لم يكد العالم يستفيق من سرعة صعود العولمة في تسعينات القرن الماضي، ثم غزو العراق في 2003 حتى باتت قضية المثلية تتصدر أجندة الأعلام والسياسة والاجتماع في كل دول العالم. حين تفحصت منحنى قبول المثليين الذي نشرته مؤسسة بيو للأبحاث في الولايات المتحدة...

لم يكد العالم يستفيق من سرعة صعود العولمة في تسعينات القرن الماضي، ثم غزو العراق في 2003 حتى باتت قضية المثلية تتصدر أجندة الأعلام والسياسة والاجتماع في كل دول العالم. حين تفحصت منحنى قبول المثليين الذي نشرته مؤسسة بيو للأبحاث في الولايات المتحدة مثلاً أجد أنه في الوقت الذي لم تنمو نسبة قبول المثليين خلال العقد من 1994-2004 بأكثر من 1 % فقط فأنها قفزت بمقدار 10% في العقد الذي تلاه (2003-2013)31 ثم قفزت بمقدار 21% في السنوات العشرة التالية! وأنه في الوقت الذي لم يزدد عدد الدول التي تجيز زواج المثليين خلال عشرين سنة ( 1994-2003) بأكثر من دولة واحدة فقط فأنه نمى ليشمل 33 دولة أخرى في العقد الذي تلى ذلك. هذا لا يعني وجود أرتباط بين غزو العراق والمثلية لكنه يعني ببساطة أن هذه الظاهرة نمت بشكل كبير جدا خلال العقد الأخير.

لقد أدهشني كم المصادر الموجودة على الأنترنيت والتي تتطرق لهذ الموضوع وكلها لم يمضي على كتابتها سوى سنوات قليلة! وفي أمريكا نمت التخصيصات المالية للمنظمات المدافعة عن حقوق المثليين بمقدار 400% تقريباً خلال العقدين الماضيين فقط لتصل الى 123 مليون دولار سنويا، مقابل نمو بلغت نسبته 50% فقط في تمويل كل المنظمات غير الحكومية هناك خلال نفس الفترة. ويبدو هذا النمو السريع متزامناً مع النمو الحاصل في التكنولوجيا الرقمية وتأثيراتها على المجتمعات الغربية عموماً، ومجتمعاتنا ايضاً وهو ما سيتم التطرق له تفصيلاً في حلقات قادمة.

لا شك أذاً أنها ظاهرة اجتماعية حديثة جداً آخذة في الأتساع. وكما يحصل مع كل الظواهر الاجتماعية المخالفة للاعراف والعادات والضوابط (المعايير) الاجتماعية فستنشأ حركة مقابلة تحاول الحد من آثارها وتهديدها لتلك المجتمعات التي تظهر فيها. وكلما زادت درجة ما أسميته في الكتاب ب(صلابة)الثقافة كلما كانت المقاومة للظواهر الاجتماعية المهددة للتقاليد السائدة أكثر شدة. لذا نجد هناك خشية حقيقية في العراق من مثل هذه الظاهرة.

لكن الخوف من هذا التهديد الاجتماعي لا يقتصر على العراق، بل أن هناك حركات معادية ورافضة لهذا التوجه حتى داخل أكثر الدول رخاوةً أو مرونةً في ثقافتها الاجتماعية. فمثلاً زاد عدد المنظمات المناهضة للمثلية في أمريكا بشكل كبير خلال العقد الماضي. كما زاد حجم التمويل لتلك المنظمات من 87 مليون دولار عام 2016 الى 110 مليون دولار عام 2020. كما تبنت كثير من الأحزاب السياسية في الغرب موقفاً متشدداً من حركات الترويج للمثلية في بلدانها. وزادت حدة الاستقطاب داخل تلك المجتمعات ما بين ما بات يعرف بالليبرالية التقدمية الجديدة progressive new liberalism ونقيضها الذي يحاربها بضراوة والذي يسمى باليمين المتطرف Far Right .

فالليبرالية الجديدة، والتي تعود بداياتها للحقبة الكلنتونية (نسبة الى بيل كلنتون) تريد الانتقال بنا الى مجال اجتماعي جديد يتناسب (حسب رؤيتها) مع التطور التكنولوجي والاقتصادي وعصر العولمة، في حين يصر أنصار اليمين المتطرف على العودة للماضي (الجميل) الذي أمتاز بعلاقات اجتماعية عاشها وأحبها وتعودت عليها أجيال ما بعد الحرب العالمية الثانية. لقد أصبحت الحرب الثقافية جزءً مهماً من المعارك الانتخابية الأخيرة التي جرت في أمريكا وأوربا وحتى في تركيا. وقد وصل الأمر الى أن فضلت شرائح واسعة في تلك المجتمعات القادة المحافظين أو الليبراليين برغم أدائهم الاقتصادي والسياسي السيء.

نجم عن هذه الحرب الثقافية استقطاب مجتمعي شديد كانت الغلبة فيه للأصوات العالية والمنّظّمة والممولة جيدا من طرفي الليبرالية المتطرفة واليمين المتطرف، وأختفت في حومة هذه الحرب كثير من الأصوات الوسطية والمعتدلة لافتقارها للتنظيم والصخب اللذان يتمتع بهما طرفي الصراع. وفي الوقت الذي بالغ فيه أنصار (الميم) بنقل معركتهم من المستوى الفردي-النفسي الى المستوى الاجتماعي، فأن أنصار اليمين المتطرف أصيبوا بما يسمى برهاب المثلية Homophobia فبالغوا في كثير من الأحيان في تقدير الآثار الاجتماعية للمثلية وعجزوا عن فهم جذورها النفسية. وبين هذا وذاك نجد كثير ممن يخشون طرح أفكار ورؤى مختلفة خشيةً من المتطرفين في الاتجاهين.

فمن يعارض المثلية في الغرب مثلا تُشن عليه حملات اعلامية وسياسية كبيرة من أنصار الليبرالية التقدمية الجديدة تهدف لاغتياله اجتماعياً وسياسياً كما حصل لكثير من المرشحين للمجالس المحلية والكونغرس الأمريكي.

أما الذين يطالبون برؤية وسلوك مختلفين، وطريق ثالث، تجاه المثليين في المجتمعات شديدة التصلب فسيشن الشعبويون واليمينيون المتطرفين حملة اغتيال أعلامي وأجتماعي واسعة له بحجة أنه يريد تهديد النسيج الاجتماعي والمعايير الثقافية و(غربنة) المجتمع وانتهاك عُرى الدين. في الحلقات القادمة سأستعرض سر قوة طرفي النزاع ومن يدعمهما وبالتالي تلمس اجابة عن سؤال طرحته في أول حلقة من هذه السلسلة وهو: هل هناك مؤامرة على مجتمعاتنا تمثل المثلية فيها رأس حربة الهجوم، أم هناك مبالغة في هذه التصورات؟

.............................................................................................
* الاراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق