ان من اهم مقومات نهوض البلدان وتطويرها هو توفر النظم والقوانين السليمة وحسن الادارة والتنظيم واستغلال واستثمار الامكانات والطاقات بشكل صحيح. كما ان من اهم مقومات النجاح التنموي هو تلائم القوانين والنظم الاقتصادية والصناعية والحرفية والتجارية والسياسية مع طبيعة الانسان وما تفرضه عليه خصوصية الانتماء لمجتمعه وظروفه وما يملك من طاقات وامكانات وخبرات. لذا فان عملية النهوض التنموي ما هي الا عملية تكاملية تأخذ بنظر الاعتبار الكثير من المتغيرات والعوامل التي يجب تنتظم وتنسق بشكل مناسب لكي تعطي ثمارها. كما يجب ان يأخذ بالحسبان عند وضع أسس التنمية المحلية المتغيرات السياسية والاقتصادية الاقليمية والعالمية.

ان عملية النهوض التنموي واستثمار العقول والموارد البشرية المتوفرة بكفاءة كبيرة بالتأكيد سيعزز فرص النهوض التنموي السليم. ان بلدنا يصنف من البلدان التي تمتلك نسبة كبيرة من الفئة العمرية الشبابية اي تميل فيه كفة الاعمار الى ترجيح كفة الفئة الشبابية على الفئة العمرية الكبيرة. اضافة لذلك يوجد غزارة في العقول المفكرة والمنظرة والتي يمكن ان تعمل بكفاءة في مجالات التطوير والابداع والتخطيط والقيام بدور ريادي في توجيه العمل وفق رؤية تنموية صحيحة بأفق استراتيجي واسع يأخذ بنظر الاعتبار الامكانات والظروف والخصوصيات المحلية.

الا ان عدم الاستقرار الامني والاقتصادي والاجتماعي وقصور الرؤية لدى غالبية سياسيي الغفلة او الصدفة وغياب الاستراتيجية السليمة بسبب جسامة الاحداث الانية والمستجدات التي افقدت التخطيط هويته وجعلت المخطط يميل الى ركن افكاره واستراتيجياته جانبا والنظر في المستجدات الطارئة، وبالنتيجة علو الهتافات والشعارات للترويج لرؤى فجة باسلوب براق تطلق للجمهور البسيط وكأنها الحلول الناجعة لكل مشاكل وهموم وازمات البلد.

ان البلد اليوم لا يعاني من نقصان الموارد البشرية كما ونوعا، لكنه يعاني من ازمات تعيق العمل وتعرقل عملية النهوض، فان الاطر والقوانين والثقافة المجتمعية وآلية عمل النظم الاقتصادية في البلد كلها اصبحت تعيق عملية النهوض وتعيق عملية توفير فرص عمل واستثمار القدرات الامكانات المحلية. يجب ان لا يكون احتضان اصحاب الكفاءات والخبرات محكوم بقرار سياسي لغرض النهوض بالبلد وانما يجب ان يكون ذلك محكوم بالمقدرات المتوفرة وما يمكن للكفاءات ان تعمل به وتبدع في تطويره لتزيد الامكانات. لذا يجب ان تتمكن ليس الدولة ومؤسساتها وانما الكفاءات العراقية المحلية والمهاجرة ومؤسسات القطاع الخاص والشركات الصغيرة والكبيرة من وضع اساس تنموي صحيح وناجح ممكن البدء به كمشروع انقاذ وليس مشروع استهلاك ونفاذ تحت اشراف وزارة التخطيط. يجب ان تطلق وزارة التخطيط مبادرة لعقد مؤتمر يجتمع فيه كل هؤلاء لغرض الخروج برؤية وتوصيات واقعية ممكن ان تدرس برؤية استراتيجية لغرض تشريعها كقوانين ممكن ان تكون الخطوة الاولى للنهوض باقتصاد البلد واستثمار الطاقات والامكانات.

ان ما يطلق من شعارات هنا وهناك لغايات غير واضحة المعالم في جلب الكفاءات المهاجرة وتوفير درجات وظيفية لهم دون وجود حاجة حقيقة ليس سوى فتح المجال الواسع لغرض زيادة الاستهلاك وليس زيادة التنمية. كلنا نسمع عن براعة العراقيين المغتربين في الطب ومختلف العلوم في اوربا وامريكا حيث انهم يعملون في مؤسسات متقدمة ومتطورة في منظومة اجتماعية فعالة ومنسجمة مع ما متوفر وتحمل قيم للحفاظ على المقدرات وتنمية الامكانات وتطويرها.

ان بناء هكذا مؤسسات لا يعتمد الكفاءات فقط وانما يعتمد على عاملين اساسيين الاول: هو ترسيخ قيم تربوية في المجتمع لتقديس العمل واحترام القوانين والنظم. والعامل الثاني: يعتمد على رؤوس الاموال التي ممكن ان تنشئ هكذا مؤسسات ضخمة وناجحة. بالتأكيد ان بناء هكذا مؤسسات يحتاج اموال ضخمة جدا وليس بمقدور البلد اليوم بناءها وادارتها بفعالية ما بين ليلة وضحاها. ان ما متوفر من مؤسسات تنموية حكومية محلية في حالة ترجع كبير حيث يلاحظ تفشي فيها الامية الثقافية والصناعية والتكنلوجية لغالبية العاملين فيها، وهذا يجب التفكير به ومعالجته قبل البدء بأي مشروع تنموي او توفير فرص عمل وهمية لاستيعاب البطالة. يجب ترسيخ قيم العمل وقدسيته ويجب التفكير باليات رفع انتاجية العاملين في كل مؤسسات الدولة ان ساعات العمل اليومي للموظف الحكومي بالمعدل العام لا تتجاوز ساعة يوميا.

منذ سنوات ونحن نسمع عدة شعارات لاحتضان الكفاءات المهاجرة اخرها اطلق قبل ايام حيث اعلن عن قيام وزارة التخطيط باطلاق استمارات باللغة العربية ولغات مختلفة للكفاءات المهاجرة وحتى لأبنائهم لغرض اعادتهم للوطن. وهذا ليس سوى شعار او هو خطوة لزيادة تبديد الثروة ان تم العمل به دون وضع اساس صحيحه له ودون الاخذ بنظر الاعتبار الامكانات المتوفرة وما هو المرجو من احتضان الكفاءات المهاجرة وما يمكن ان تقدمه للتنمية المحلية والنهوض باقتصاد البلد. طبعا بالتأكيد في العالم المتقدم لا يتم البدء بأي مشروع ما لم يكن له مردود ربح مادي او فيه تطوير وتنمية للمجتمع والاقتصاد.

ان تفسير كلمة الاحتضان هنا يبدو وكأنه توفير مناصب او توفير فرص عمل لفئة محددة جدا من العرقيين المغتربين. ان البلد اليوم ليس بحاجة لزيادة الاستهلاك وتبديد الثروة وانما هو بحاجة الى وقفة استشراف صحيح لتطبيق خطة تنموية استراتيجية صحيحة لاستثمار كل الطاقات والامكانات البشرية المحلية في الداخل قبل الخارج.

هنا نطرح عدة تساؤلات ويجب ان ننطلق من الاجابة عليها لرسم خطة حقيقة وواقعية للنهوض للتنموي الصحيح المبني على اساس استراتيجية وواقعية، يجب ان نحدد ما نريد وان نجيب بواقعية وبلا مزايدات عن الاسئلة التالية:

1. ان مصطلح الكفاءات العراقية المهاجرة ما هو الا مصطلح عام فيه الكثير من الضبابية وغير واضح فماذا يقصد به؟!! هل كل عراقي مهاجر يمكن اعتباره كفاءة؟!

2. هل كل من يمتلك خبرة تقنية وفنية وتكنولوجية وصناعية يعتبر كفاءة؟!

3. بماذا تتميز الكفاءات العراقية المهاجرة عن خريجي الجامعات العراقية؟!! هل المشكلة في المناهج ونظم التعليم والمؤسسات التكنلوجية والفنية ما بين الخارج والداخل؟!

4. ماذا يمكن ان تقدم الكفاءات المغتربة للتنمية المحلية بشكل واضح ومحدد؟

5. هل البلد فعلا بحاجة لكفاءات وخبرات ؟! واين يحتاج هذه الكفاءات والخبرات؟!

6. هل المبدأ هو العمل على النهوض بالاقتصاد ام المبدأ هو تشجيع المهاجرين للعودة للبلد؟!

7. المهاجرون هل لديهم القدرة والرغبة للعودة والعيش في البلد بعد سنين من الاغتراب؟! وخصوصا ونحن نرى كواقع حال ان اغلب السياسيين العراقيين الذين تسنموا مناصب عديدة في البلد لازالت عوائلهم تعيش في بلدان المهجر اوربا وامريكا واستراليا وكندا؟! ولا يبدو ان لديهم اي رغبة للعودة بعوائلهم للعيش في العراق.

8. هل ان عملية احتضان المهاجرين وتوفير فرص عمل مناسبة لهم ستعمل على ترسيخ قيم تربوية جديدة للمجتمع تنسجم مع ما كانوا يعيشونه في المهجر؟!

9. هل ان إطلاق هكذا مبادرات نابعة من حاجة ماسة وضرورة ام انها مجاملة لسياسي ما؟! او لمغترب ما او لصديق مغترب؟

10. كيف يعيش المغترب العراقي في ارض الغرب؟ هل توجد مشكلة اقتصادية او اجتماعية للمغترب العراقي في ارض المهجر؟

11. هل تم حل مشاكل جميع خريجي العراق وتوفير فرص عمل لهم علما ان اعدادهم مئات الالاف ان لم نقل اكثر قبل النظر في حلول لمشاكل المغتربين؟

12. اليس من الافضل العودة لبناء مؤسسات البلد التربوية والعلمية والتكنلوجية لكي يتم تطوير القابليات ونصل بالنتيجة الى مخرجات للتعليم العراقي؛ خريجين ذوي كفاءة عالية وقادرين على ان يكونوا فعالين في مجتمعهم وبناء بلدهم؟!

13. هل بلدان العالم المتقدم كمؤسسات حكومية هي من تحتضن الكفاءات في بلدانهم؟! ام ان مؤسسات القطاع الخاص والشركات غير الحكومية هي من توفر فرص عمل للكفاءات الوافدة الى بلدانهم؟! وهل تتوفر هكذا شركات في العراق؟ وهل يمكن لشركة عالمية كبيرة ان تقوم بتعيين من لا تحتاج لهم في مجالات تخصصها العلمية والبحثية والانتاجية؟!

14. اليس من الافضل تشجيع القطاع الخاص المحلي لاستيعاب الخبرات والكفاءات المحلية والمغتربة وتشريع قوانين مناسبة للعمل ودعم هذه الشركات لتوفير فرص عمل وتطوير امكاناتها لتكون هناك عملية تكاملية للنهوض باقتصاد البلد؟!

15. هل في بلدان العالم المتقدم تتوفر فرص عمل لكل حملة الشهادات العليا؟! ام ان الحصول على عمل يكون أصعب لكل من يحمل شهادة عليا؟!

طبعا الاجابة عن هذه الاسئلة ليس بالأمر البسيط لمن يعتبر عملية صياغة استمارات او رفع شعارات او تسجيل قوائم بأسماء كذا وكذا انجازات ولربما انجازات عظيمة!!! ان الانجازات التي يمكن ان تحسب وتسجل هي التي تعمل على توفير الاموال وتوفير الطاقات وتنمية الاقتصاد وتقليل الكلف ورفع مستوى التربية والتعليم. طبعا لا اعرف هل فعلا شرعت قوانين لاستقبال الكفاءات ام لا؟! لكن حقيقة مع الاحترام لكل عراقي شريف محب لبلده نرى ان تحل اولا اشكاليات الداخل وترسيخ قيم تربوية ومجتمعية جديد للإنسان العراقي لكي يجد في بلده ما لا يجده في ارض الغربة لكي يعود طوعا بلا مغريات تقدم له. وانما يعود لأنه يجد في ارض الوطن حاضنة له ويشعر بعراقيته وانتماءه ويشعر بانه قادر على ان يكون عضو فعال وايجابي ويشعر بأهميته في وطنه.

ان اهمية الانسان في بلدنا لا يشعر بها الا وفق ثقافة التسيد واذلال الاخرين بالتسلط عليهم باي سلطة كانت باسلوب لا انساني. بينما هذا يعتبر عار انساني في دول العالم المتحضر ويعتبر قيمة لتنمية بذور الدكتاتورية في التعاطي مع الاخرين وهذا بحد ذاته يعتبر اساسا التنافر والهروب الى ارض المهجر واساس الانهيار الاقتصادي. اذن يجب النظر في هذا الموروث السيء ومعالجته تربويا لكي نحصل على مجتمع سليم معافى ويسير بخطى ثابتة نحو التقدم والنمو والازدهار.

سبق وان التقيت العديد من المغتربين وجدت العديد منهم لا يفكر بالعودة للوطن وانما يفكر بان له حق في الوطن ويريد ان يحصل على منصب ما، ويحصل على مكاسب مالية ما، وافضليته في هذا ليس بما يستطيع ان يقدم وانما افضليته لانه يعيش في ارض الغربة، وهناك القليل منهم يفكر بانه يملك العلم والقدرة والثروة ويريد ان يمنح ويقدم شيء لبلده.

كان الافضل بوزارة التخطيط ان تدعو العراقيين المغتربين للاستثمار في العراق وتعمل على الدفع باتجاه استصدار قوانين الاستثمار بما يوفر فرص عمل ويقلل البطالة ويسهل الاجراءات ولا يعقدها لكل مغترب او مستثمر ممكن ان يعمل على بناء مشاريع في البلد.

ان بلدنا ذو اقتصاد ريعي يعتمد على النفط بدرجة اساسية. ولا يوجد فيه ما يكفي من المشاريع التنموية لتوفير فرص عمل لكل الطاقات والامكانات البشرية الموجودة فيه. بلدنا يمتلك طاقات بشرية هائلة حيث يتوفر اعداد كبيرة من الخريجين وبمختلف الشهادات وبخبرات وكفاءات عالية اضاف لتوفر اعداد هائلة من الايدي العاملة ان تم استثمارها بشكل صحيح وتطويرها ستكون قادرة على انجاز الكثير ويمكن للبلد ان يصدر الكفاءات. ان هذا ما يفضل ان تعمل على استثماره وزارة التخطيط بتطوير هؤلاء والبحث عن حلول لمشكالهم قبل ان تفكر بمشاكل العراقيين المغتربين.

ان تحدثنا بصراحة بدون مجاملات وبعيدا عن الشعارات سنجد اني اغلب العراقيين في الداخل يتمنى ان يحصل على فرصة للهجرة لان الثقافة المجتمعية والسياسة والنظم في ادارة البلد طاردة وليس جذابة لأغلب العراقيين الذين لا يتبعون لأي جهة سياسية. هنا نركز على هذه النقطة التي يجب ان تنظر لها وزارة التخطيط بجدية لتمنع هجرة المزيد.

قلنا ما نعتقد ونتمنى فيه خير بلدنا.. وننتظر كلمات ورؤى قد تكون غابت عن بالنا..

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق