اخفقت الحكومات العراقية ما بعد 2003 في ادارة الملف الاقتصادي والمالي بما يتناسب والموارد الاقتصادية والبشرية التي يتمتع بها العراق. فعلى الرغم من فورة اسعار النفط وتدفق الايرادات النفطية بغزارة، الا ان الحكومات السابقة لم تستفد من تجارب دول الخليج في انشاء صندوق ثروة سيادي يعمل كمصد مالي اثناء دورات الكساد والرواج النفطي، كرافد للموازنة عند هبوط الاسعار ومُعقم للإيرادات النفطية الفائضة عند ارتفاع الاسعار.

مع ذلك، كان يأمل العديد من الخبراء والمختصين بالشأن الاقتصادي ان يكون هبوط سعر برميل النفط الى الثلث فرصة لمراجعة البرنامج الاقتصادي الحكومي، والبدء بتصحيح مسارات السياسة الاقتصادية باتجاه فك الارتباط التدريجي بالموارد النفطية عبر تفعيل القطاعات الاقتصادية البديلة وفسح المجال للقطاع الخاص لأخذ دوره المأمول في تحريك القطاعات الانتاجية وتوليد فرص العمل ورفع معدلات

النمو الاقتصادي. لكن تفصح السياسات القائمة عن استمرار حكومة التوافقات السياسية في كبح واضعاف جهود الاصلاح والنهوض الاقتصادي من خلال الفساد المالي والاداري المستشري والدوران المستمر في فلك النفط واسعاره المتقلبة املا في فجر كاذب تعود فيه الاسعار لمراتبها الثلاث.

ما يزيد المشهد خطورة تفاقم معدلات الدين الحكومي (الداخلي والخارجي) خلال السنوات الثلاث الاخيرة ليلامس عتبة 120 مليار دولار، فقد دفع انحسار الموارد النفطية وضعف الانضباط المالي (انخفاض مرونة النفقات العامة نحو التقليص) العجوزات المالية الحكومية للتمدد على معدلات الدين العام بدلاً من تسخير الايرادات الحكومية غير النفطية. وبذلك تم اضافة فصل جديد من فصول التبعية الاقتصادية، ولكن هذه المرة ليس للنفط وانما للدائنين.

ازاء هذا الواقع الاقتصادي المرير تثار عدة تساؤلات حول مصادر الايرادات الحكومية غير النفطية التي يمكن تسخيرها لتعويض الدولارات النفطية ورفد الموازنة العامة بالموارد تحول دون الانزلاق الى فخ المديونية. ونظرا لان العراق يستورد قرابة 97% من احتياجاته من خارج البلد فان المنافذ الكمركية تعد بحق المورد الثاني ما بعد النفط من حيث الغزارة والقدرة على تمويل العجوزات المالية الحكومية.

وينبغي ملاحظة ان المنافذ الكمركية لا تمثل فقط دائرة لجباية الإيرادات الحكومية، وإنما هي ايضا نقطة حدودية للحفاظ على سلامة الإنسان العراقي من الأغذية المغشوشة والأدوية التالفة والخضروات الموبوءة، وبالتالي فهي دائرة لمكافحة الغشّ التجاري والصناعي وطوقا للحفاظ على صحة الإنسان.

وتعد الضرائب الكمركية واحدة من اهم أدوات السياسة المالية في العراق نظرا لضعف الانتاج الوطني والانكشاف التجاري الذي يعانيه البلد منذ سنوات. وتزداد اهميتها لما تؤديه من ادوار لعل ابرزها: الدور التمويلي عبر رفد الموازنة العامة، وترشيد بعض انواع الاستهلاك والحفاظ على صحة وسلامة المواطنين وتقليص تدفق العملة الاجنبية الى خارج البلد فضلاً على دورها في حماية المنتج الوطني.

مكامن الضعف وضياع الموارد

برزت ملامح الهدر والضياع في المنافذ الحدودية بعد انحسار الايرادات النفطية ومحاولة الحكومة تسخير ايرادات بديلة للنفط لتمويل الموازنة العامة للدولة. فقد ابرزت العديد من التقارير والدراسات الصادرة عن اللجان المالية والاقتصادية في مجلس النواب وغيرها من الجهات الرقابية، كديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة، حجم البيروقراطية والفساد المالي والاداري المستشري في معظم الحلقات الادارية المنتشرة في كافة المنافذ الحدودية في البلد.

ويمكن ابراز ملامح واقع المنافذ الحدودية في العراق بما يلي :

1- يعاني معظم التجّار والموردين عقبات وصعوبات جمة لأجل إدخال بضائعهم إلى داخل العراق، بسبب الابتزاز والإجراءات الروتينية والتعقيدات التي تفرضها ادارات المنافذ الكمركية والعاملين عليها.

2- تمتد اثار الفساد المستشري في المنافذ الحدودية الى السلامة العامة وصحة المواطنين نظرا لغياب الرقابة الصحية على السلع الداخلة للعراق والسماح بإدخال مختلف انواع السلع الفاسدة ومنتهية الصلاحية وبأوراق مزورة مقابل مبالغ مالية.

3- انتشار حالات التزوير لأوراق العديد من السلع المستوردة الى البلد لأغراض التهرب الضريبي من جهة ومخالفة القانون من جهة اخرى، كما هو الحال في ادخال سيارات دون الموديل وتثبيتها بموديلات حديثة مقابل مبالغ مالية.

4- طبقا لتقارير اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي فان نصف عمل المنافذ الحدودية تسيطر عليه مافيات واحزاب سياسية متنفّذة تكلف خزينة الدولة خسائر بمليارات الدولارات شهرياً.

5- تخلف اجراءات الدفع والتقييم في المنافذ الحدودية واطر العمل البدائية ساهم بشكل كبير في انتشار الفساد المالي واضعف من الرقابة الحكومية على اداء العاملين في هذه المنافذ.

الحلول والسياسات المقترحة

ان تطهير المنافذ الحدودية من شبهات الفساد والتزوير والاختلاس تعد من أهم حلقات الإصلاح الاقتصادي وواجباً وطنياً، نظرا لما تلعبه المنافذ الحدودية من ادوار، وعلى مختلف الاصعدة الاقتصادية والمالية والصحية وغيرها. ويمكن الاستعانة بعدد من الاجراءات اللازمة في هذا السياق لعل اهمها:

1- إدخال نظم معلوماتية حديثة في التفتيش والرقابة على السلع الداخلة الى العراق وفي كافة المنافذ الحدودية البحرية والبرية والجوية. وذلك من خلال الاستعانة بنظم الجباية الالكترونية والحد من اجتهاد العنصر البشري في عمليات التقييم والادخال.

2- اعتماد وتوسيع نظام التعهيد على مستوى المنافذ الكمركية وذلك من خلال التعاقد مع شركات عالمية رصينة بما يضمن كفاءة الفحص والتحصيل والتخليص الكمركي وبما يعظم الموارد السيادية للدولة.

3- التعاون مع شركات تدقيق وتفتيش عالمية تستخدم التدقيق الرقمي وفق المعايير الدولية، ويمكن لهذه الخطوة تعظيم الموارد غير النفطية ومكافحة الفساد في المنافذ الحدودية بكل أشكاله.

4- إنشاء نقاط تدقيق كمركي في المحافظات كافة، عبر حواجز تدقيق لمختلف الشاحنات التي تتحرك على الطرق، وتتضمن تلك الإجراءات توقيف أي شحنة لم تستوف إجراءاتها الكمركية.

5- كشف وتحديد السبل والاجراءات التي يقوم بها الموظفون لأخذ الرشى من التجار ومعالجة مختلف اساليب التحايل والتزوير والابتزاز والتواطؤ مع بعض الأجهزة الحكومية والاحزاب السياسية وغيرها من مافيات الفساد في البلد.

6- تغليظ القوانين النافذة وتفعيل الاجراءات والملاحقات الحازمة والصارمة بحق مافيات الفساد المهيمنة على المنافذ الحدودية في البلد ومحاسبة كافة الاطراف المتورطة بعمليات التهرب الضريبي وادخال السلع بشكل غير قانوني من تجار وموظفين في مختلف المنافذ الحدودية.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

اضف تعليق