وجهت شبكة النبأ المعلوماتية أسئلة الى اسرة آل الشيرازي الموقرة بمناسبة رحيل الفقيد الشاب العلامة السيد محمد جواد الشيرازي (رضوان الله تعالى عليه)، من اجل الاطلاع على المزيد من حياة الفقيد السعيد مما قد لايعرفه البعض، والاستزادة بعبر من حياته السعيدة واخلاقه السامية، فوصلنا التالي من اسرة ال الشيرازي الكريمة حفظهم الله ذخرا للامة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

إطلالة تاريخية

* ولد في كنف الإمام الرضا (عليه السلام) وارتحل إلى بارئه وهو في ظل جده علي المرتضى.. وبين العلِيَّين الإمامين الهُمامين كانت رحلة حياته القصيرة الزاهرة الحافلة...

* كانت اسرته تعيش في الكويت وكان في الثانية عشرة من العمر وكان شديد التلهف للهجرة إلى قم المقدسة ليتزود في الحوزة العلمية من نمير علوم أهل البيت الأطهار وكان والده شديد الرغبة في ذلك ولكن كان من الصعب جداً على والدته فراقه وهو في عمر الزهور، فقال والده له: انه يستحسن ان يتوسل إليها كي ترضى، فتوسل وبكى، فوافقت مضحيةً متحملةً آلام فراق فلذة كبدها وهو بهذه السن الصغيرة راجيةً ان يكون من العلماء العاملين والأولياء الصالحين.

* عاش في كنف جده من أبيه وفي منزل جدته من أمه وتعهده أخوه الأكبر بالرعاية وبحنان لا يقل عن حنان أبيه وكان المهندس لدروسه وبرامج حياته.

وتتلمذ بالأساس، على يد عمه الأكبر السيد الرضا رضوان الله عليه، وكان مغرماً به وكان واضحاً منه مدى إعجابه به وبعلمه وأخلاقه وتواضعه وسمو روحه.

بقي سنين طويلة في قم، بنى فيها شخصيته العلمية والروحية، إلا ان سنوات الغربة تلك تركت فيه نوعاً من العطش العاطفي إلى حنان الأم والاب مما كان يلمسه فيه بعض افراد الاسرة حتى ساعات عمره الأخيرة، لكن والده ووالدته رضيا بذلك الحرمان استجلابا لرضا الرحمن فان الجهاد لتحصيل علوم الرسول وآله (صلى الله عليه وآله) أسمى أنواع الجهاد وأفضلها وأكملها.

وقد ورد في الحديث (وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وآله- أَنَّهُ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: وَضَعْت‏ خَمْسَةً فِي خَمْسَةٍ وَالنَّاسُ يَطْلُبُونَهَا فِي خَمْسَةٍ فَلَا يَجِدُونَهَا وَضَعْتُ الْعِلْمَ فِي الْجُوعِ وَالْجَهْدِ وَالنَّاسُ يَطْلُبُونَهُ بُالشُّبْعَةِ وَالرَّاحَةِ فَلَا يَجِدُونَهُ وَوَضَعْتُ الْغِنَى فِي الْقَنَاعَةِ وَالنَّاسُ يَطْلُبُونَهُ فِي كَثْرَةِ الْمَالِ فَلَا يَجِدُونَهُ وَوَضَعْتُ الْعِزَّ فِي خِدْمَتِي وَالنَّاسُ يَطْلُبُونَهُ فِي خِدْمَةِ السُّلْطَانِ فَلَا يَجِدُونَهُ وَوَضَعْتُ الْفَخْرَ فِي التَّقْوَى وَالنَّاسُ يَطْلُبُونَهُ بِالْأَنْسَابِ فَلَا يَجِدُونَهُ وَوَضَعْتُ الرَّاحَةَ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّاسُ يَطْلُبُونَهَا فِي الدُّنْيَا فَلَا يَجِدُونَهَا). 1

وعندما انتقلت الاسرة كلها للنجف الأشرف وبرز دوره الاجتماعي أكثر، حببه إلى اسرته والى الناس أكثر انه ازداد تواضعاً وطيبةً وحسن خلق وسعة صدرٍ كلما مرت الأيام وكلما ازداد مكانة ومنزلة وعلماً.

محطات مشرقة

* كان شديد الاهتمام بالعقائد، فإلى جانب تدريسه للمعة الدمشقية ثم المكاسب وغيرهما، كان يدِّرس حق اليقين للسيد شبّر لجمع من الطلبة، كما انه كان يتتبع أحدث إصدارات الكتب العقائدية والكلامية ويوفرها لوالده ويطالع ما يهمه منها، كما كان يتابع بجدٍ وضع منهج دراسي متكامل في العقائد يكون بديلاً حوزوياً مناسباً لكتب الفلسفة في مراحلها الدراسية المختلفة.

* كان يناقش والده، بتشجيع منه، في العديد من القضايا الإدارية والمواقف، وبأدب جم وكان يعيد المناقشة في بعض ما لم تتضح فيه جيداً الرؤية وأحياناً مراراً عديدة.

يحكي والده: انه رحمه الله فجأة وجدته التزم الصمت والاستماع لي ثم الطاعة، استنطقته وسألته مستغرباً فقال: سمعت رواية وقررت ان أعمل بها وهي التي تدعو إلى الصمت عشر سنين.

ولعله كان يقصد الرواية التالية كما في الكافي الشريف عن الإمام الرضا (عليه السلام): (كَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا أَرَادَ الْعِبَادَةَ صَمَتَ قَبْلَ ذَلِكَ عَشْرَ سِنِينَ). 2

يقول والده: قلت لعل المراد –كما استظهره المجلسي– الصمت عما لا ينبغي وليس عن المشورة الخالصة لله فان المشورة مباركة كما في الرواية.

وتمام كلام المجلسي هو:

 (إيضاح: (صمت قبل ذلك) أي عما لا ينبغي وتلك المدة ليصير الصمت ملكة له ثم كان يشتغل بالعبادة والاجتهاد فيها لتقع العبادة صافية خالية عن المفاسد.

واقول: يحتمل أن يكون الصمت في تلك المدة للتفكر في المعارف اليقينية والعلوم الدينية حتى يكمل في العلم ويستحق لتعليم العباد وإرشادهم وتكميل نفسه بالأعمال الصالحة أيضا فيأمن عن الخطاء والخطل في القول والعمل ثم يشرع في أنواع العبادات التي منها هداية الخلق وتعليمهم وتكميلهم.‏

كَمَا مَرَّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) (كُلُّ سُكُوتٍ لَيْسَ فِيهِ فِكْرَةٌ فَهُوَ سَهْوٌ)[3]

وَقَالَ الْكَاظِمُ (عليه السلام)، (دَلِيلُ الْعَقْلِ التَّفَكُّرُ وَدَلِيلُ التَّفَكُّرِ الصَّمْتُ) [[4 ومثله كثير)[5]انتهى كلامه قدس سره.

* كان مثابراً شديد المتابعة لسير الأمور، حريصاً على التميز في الأداء، كثير الاستشارة لأهل الخبرة في حقل الاختصاص، ذكياً لمّاحاً.

* كان شديد الحرص على الاتقان في العمل وكان يطالع كتب والده المخطوطة بدقة ولعله كان يصرف على بعضها العشرات من الساعات ثم كان يكتب لوالده ملاحظاته العلمية أو الفنية عليها وكان العديد منها قيّماً، وكان هو من اقترح وضع الفوائد العلمية آخر الكتب الفقهية والأصولية لتكون كفهرس موضوعي لما تناثر من المباحث المبنائية أو الفوائد المتنوعة في طيبات الكتب.

* وكان تواقاً للعمل الديني والتبليغي، وقد كان السبَّاق لتأسيس أو للمشاركة الرئيسية في تأسيس أكثر من خمس مؤسسات بعضها ضخم حقاً.

كما أسس بعض المواقع الغنية بالعطاء في الشبكة العنكبوتية وساهم في تأسيس وتقوية مواقع أخرى.

* وكان يحب العمل المؤسسي وبناء المؤسسة البشرية وكان من منهجيته التفويض التدريجي للأعمال، وكان يحترم العاملين معه ويهتم بهم يواسيهم ويكرمهم، وكان يحبهم ويحبونه.

* مضافا الى اهتمامه بشئون والده اهتم ايضا بشئون تراث جده الامام الشيرازي الراحل، فبادر بعدة مبادرات طيبة في سبيل احياء تراثه، وكان ضمن ما خطط – كما كان مدونا في مذكرة مهامه في جهازه - انشاء موقع الكتروني يحتوي على كتب السيد قدس سره مع خاصية البحث لاستفادة المراجعين والمحققين.

* وكان لين العريكة والجانب في العمل رائده.. ولم يسمع منه صديق أو زميل أو موظف أو بعيد أو قريب كلمة فحش أو بذاءة أو سباب واحدة.

لقد كان دمث الأخلاق حلو العِشرة صبيح المحيّا جميل الخصال، أحبّه من عرفه وأزداد حبا له من عاشره.

* كان شديد الحب لأمير المؤمنين وإمام المتقين علي عليه صلوات المصلين وكان لشدة حبه له صلوات الله عليه من المتحمسين لهجرة والده واسرته من الزينبية المقدسة إلى مدينة العلم النجف الأشرف، وعندما أحرز الموافقة بكّر في السفر إلى النجف ونقل أهله معه وتحمل مشاق مرحلة الغربة والتأسيس وظل يبحث عن موطن سكن لوالده الذي اشترط أن يكون قريباً جداً من حرم الأمير (عليه السلام) إذا كان هذا أمراً أساسياً أخذه والده على نفسه عندما قرر الهجرة.

سمعنا من والده الخاطرة التالية: في أولى سفراتي للنجف استقبلني بلهفة وعندما وصلت إلى داره الصغيرة جداً في منطقة الجديدة كانت الساعة التاسعة مساءً فدخلت داره وكان الحر شديداً والكهرباء مقطوعة ولم تمض دقائق إلا ووجدتنا نتصبب عرقاً.. وهكذا كان يعيش في هذه الدار في الحر الشديد لفترة من الزمن وهو راضٍ وأهله راضية بل كانوا فرحين بهذه النعمة الإلهية الكبرى: نعمة الجوار والاستظلال بظل يعسوب المؤمنين وباب مدينة علم رسول رب العالمين (صلى الله عليه وآله).

وأتذكر –والكلام لوالده-: ان أحد الطلاب الكرام استأجر داره هذه بعد ان انتقل السيد الجواد إلى منطقة الحويش ليعيش بالقرب مني في دار قريبة جداً من الحرم بل تكاد تكون مشرفة على الصحن الشريف،

لكن أهل ذلك الطالب لم يطيقوا الحياة في حرارة الجو في مثل هذه الدار فرجعوا إلى بلادهم ثم ما لبث هو أيضاً أن ترك النجف إلى بلد آخر.

* كان العديد من معارفه يجد فيه إحدى مصاديق الحديث الشريف، (الْمُؤْمِنُ هُوَ الْكَيِّسُ الْفَطِنُ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ وَ حُزْنُهُ فِي قَلْبِه...‏) [ [6 فلقد كان يخفي أحزانه وهمومه حتى عن أقرب الناس إليه، وكان بعض كبار الاسرة قد اكتشفوا حزناً دفيناً في أعماقه أحياناً ولربما استنطقوه فيحاول إن لم يصرّوا عليه ان يتملص كي لا يكون السبب في حزن ارحامه حتى بهذا المقدار!

* كان ذا صوت عذب شجي، وكان يمتلك موهبة مميزة في القراءة الحسينية وكان يقرأ لأهل الدار أحياناً ولبعض الأحباب مصيبة السبط الشهيد عليه السلام فيبكي ويبكي.

* وكان نعم الزوج لأهله، وكان يساعد زوجته في شؤون البيت وربما تصدى لإعداد الطعام وإدارة المنزل بالكامل فترة مرضها الطويل، حتى انه كان يتصدى لتبديل الملابس الداخلية لرضيعه وصغيره الاخر، مما تنطبق عليه الرواية التالية:

فقد روى العلامة المجلسي في البحار ج 101 ص 132، عن علي عليه السلام قال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وفاطمة جالسة عند القدر وأنا انقي العدس قال: يا أبا الحسن، قلت: لبيت يا رسول الله قال: اسمع مني وما أقول إلا من أمر ربي، ما من رجل يعين أمرأته في بيتها إلا كان له بكل شعرة على بدنه عبادة سنة، صيام نهارها وقيام ليلها وأعطاه الله من الثواب مثل ما أعطاه الصابرين داود النبي ويعقوب وعيسى عليهم السلام، يا على من كان في خدمة العيال في البيت ولم يأنف كتب الله اسمه في ديوان الشهداء، وكتب له بكل يوم وليلة ثواب ألف شهيد، وكتب له بكل قدم ثواب حجة وعمرة، وأعطاه الله بكل عرق في جسده مدينة في الجنة، يا علي ساعة في خدمة البيت خير من عبادة ألف سنة وألف حجة، وألف عمرة، وخير من عتق ألف رقبة، وألف غزوة، وألف مريض عاده، وألف جمعة، وألف جنازة، وألف جايع يشبعهم، وألف عار يكسوهم وألف فرس يوجهه في سبيل الله، وخير له من ألف دينار يتصدق بها على المساكين، وخير له من أن يقرأ التوراة والانجيل والزبور والفرقان، ومن ألف أسير أسر فأعتقهم، وخير له من ألف بدنة يعطي للمساكين، ولا يخرج من الدنيا حتى يرى مكانه من الجنة. يا علي من لم يأنف من خدمة العيال فهو كفارة للكبائر ويطفئ غضب الرب ومهور الحور العين وتزيد في الحسنات والدرجات، يا علي لا يخدم العيال إلا صديق أو شهيد أو رجل يريد الله به خير الدنيا والاخرة.

وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله كما في مكارم الاخلاق:

(الا خيركم خيركم لنسائه وأنا خيركم لنسائي)

وفي رواية أخرى: (ألا خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)

وعن الامام السجاد عليه السلام:

(إن أرضاكم عند اللَّه أسبغكم على عياله)

كما كان شديد الاهتمام بحسن تربية أولاده أخلاقياً وبتوفير جو روحاني لهم، وقد وضع لولده الأكبر –10 سنوات– مجموعة برامج دراسية في الفقه والعقائد والأخلاق إلى جوار دراسته المدرسة الابتدائية

* نقل والده هذه الخاطرة: كان ابنه الأكبر يأتي أحياناً إلى مكتبتي التي اتفرغ فيها للمطالعة والتأليف، فكنت أعطيه بعض الكتب الأخلاقية أو التاريخية القصصية فكان يطالعها بتلهف ويسألني أحياناً عن بعض ما غَمُض لديه.. وجاء والده الجواد رحمه الله ذات يوم وإذا به يجد ابنه في مكتبتي فعاتبه على ما ظنه إزعاجاً لي وعندما قلت له انني شجعته على ذلك وان مطالعته معي لا تربك تسلسل أفكاري، وجدته شديد الفرح بذلك ولا أنسى فرحته وابتسامته عندما رأى مني الاهتمام في تطوير ابنه.. وعندما دخل ذات يوم ووجدني أعلمه بعض الأذكار والأدعية القصيرة كاد يطير فرحاً واعتزازاً.

* كان السيد الجواد مضيافاً شهماً كريماً وكان شديد الحرص والمتابعة لتوفير مسكن بل مساكن متعددة لزوار أمير المؤمنين عليه الاف السلام والصلاة والضيوف الوافدين ولاحتضانهم وكان يقتطع، كأخيه الأكبر وصهرنا الآخر، الكثير من وقته للاحتفاء بهم ومجالستهم وتوفير حوائجهم وكان يجاهد في الجمع بين الدراسة الجادة والتدريس والمطالعة وبين متطلبات الاحتفاء بالزوار الكرام.

* كان كتوماً خاصة في أعماله الصالحة وكان يخبر الاكبر من افراد الاسرة عندما يسألونه أو عندما تقتضي ضرورة العمل ذلك، ولذلك لم يطلعوا على جملة من خدماته وإنجازاته في رعاية الطلاب أو في الاحتفاء بالزوار إلا بعد رحيله المفاجئ المبكر وعلى لسان بعض أولئك الزوار.

* كان ذا نفس تربوي وقد تربى على يديه أو تأثر به العديد ممن يحملون الآن مسؤوليات منوعة.

وكان شديد الاهتمام بتربية الطلبة خاصة في البعد الأخلاقي والعقدي بل كان هاجسه ذلك وكان مكثراً من استشارة مختلف الأعلام الذي تربطه بهم صلة في قم ومشهد وأصفهان والنجف وكربلاء، عن الاسلوب الأنجع للتربية وعن المنهج العقائدي الأفضل.

وعندما كتب والده فهرساً للكتب العقدية التي اقترحها كمنهج للطلاب الكرام في المطالعة والدراسة، للمراحل من المقدمات فالسطوح فالخارج، سارع بمراجعته واستشارة بعض أهل الخبرة لتطويره وإكماله.

* التزم بالذهاب إلى مسجد السهلة ليالي الأربعاء أربعين أسبوعاً، قال والده لنا: كنت أعلم بذهابه أحياناً دون ان يعلمني بالتزامه بالاستمرار حتى أربعين أسبوعاً، ولم أعلم بذلك إلا بعد وفاته ورحيله إلى بارئه.

* وأخيراً.. اختاره بارئه تعالى إليه وهو في أحب حالاته إليه راجعاً من زيارة سيد شباب أهل الجنة (عليه السلام) وأخيه أبي الفضل والفضائل، وكان وأخوه والصهر ملتزمين بالذهاب بين اسبوع او اسبوعين إلى كربلاء، وعندما لم يوفقوا للزيارة ليلة الجمعة عوّضها الاخوان بليلة السبت، وكان من غريب أمره تلك الليلة الحزينة ان طلب من أخيه ان يعيدوا زيارة الحسين عليه السلام مرة أخرى فزاروه قبل زيارة ابي الفضل العباس مرة وبعد زيارته مرة أخرى.

وفي الحديث الشريف عَنْ هَارُونَ بْنِ خَارِجَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (وَكَّلَ اللَّهُ بِقَبْرِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) أَرْبَعَةَ آلَافِ مَلَكٍ شُعْثاً غُبْراً يَبْكُونَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زَارَهُ عَارِفاً بِحَقِّهِ شَيَّعُوهُ حَتَّى يُبْلِغُوهُ مَأْمَنَهُ وَإِنْ مَرِضَ عَادُوهُ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً وَإِنْ مَاتَ شَهِدُوا جِنَازَتَهُ وَاسْتَغْفَرُوا لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) [ [7.

وعَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: (إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ زِيَارَةَ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) شَيَّعَتْهُ سَبْعُمِائَةِ مَلَكٍ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ وَمِنْ تَحْتِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ حَتَّى يُبْلِغُوهُ مَأْمَنَهُ فَإِذَا زَارَ الْحُسَيْنَ (عليه السلام) نَادَاهُ مُنَادٍ قَدْ غُفِرَ لَكَ فَاسْتَأْنِفِ الْعَمَلَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ مَعَهُ مُشَيِّعِينَ لَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ فَإِذَا صَارُوا إِلَى مَنْزِلِهِ قَالُوا نَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ- فَلَا يَزَالُونَ يَزُورُونَهُ إِلَى يَوْمِ مَمَاتِهِ ثُمَّ يَزُورُونَ قَبْرَ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) فِي كُلِّ يَوْمٍ وَثَوَابُ ذَلِكَ لِلرَّجُلِ) [ [8.

.. نعم انه قضاء الله وقدره

و(الْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً.......وَالْقَبْرُ صُنْدُوقُ الْعَمَل)‏[9]

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) (إِنَّكُمْ فِي آجَالٍ مَنْقُوصَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَالْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً مَنْ يَزْرَعْ خَيْراً يَحْصُدْ غِبْطَةً وَمَنْ يَزْرَعْ شَرّاً يَحْصُدْ نَدَامَةً لِكُلِّ زَارِعٍ مَا زَرَعَ لَا يُسْبَقُ بَطِي‏ءٌ بِحَظِّهِ وَلَا يُدْرِكُ حَرِيصٌ مَا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ مَنْ أُعْطِيَ خَيْراً فَاللَّهُ أَعْطَاهُ وَمَنْ وُقِيَ شَرّاً فَاللَّهُ وَقَاهُ) [ [10 وطوبى لمن استثمر كل لحظةٍ من لحظات عمره في إعمار آخرته فان أمر الله كلمح بالبصر، و(الدنيا مزرعة الآخرة) [ [11 وهي (الدُّنْيَا سُوقٌ رَبِحَ فِيهَا قَوْمٌ وَ خَسِرَ آخَرُون‏)[ [12 و:

أنفاس عمرك أثمان الجنان فلا.......تشري بها لهباً في الحشر تشتعل

بكى عليه القريب والبعيد وافتجع لفقده الكثيرون من تلامذته وزملائه وأحبته وحتى الكثير من الغرباء..

لقد كان رضوان الله تعالى عليه أمانةً استردها البارئ تعالى ولا رادّ لقضائه، يفعل ما يريد بقدرته ويحكم ما يشاء بعزته.. وعزاؤنا انه قبضه الله تعالى إليه في أفضل حالاته: زائراً لشهداء الطف قاصداً زيارة الإمام المرتضى لتقبيل أعتابه الطاهرة بعد الاغتسال في كوثر الحسين (عليه السلام).

وإذا أردنا ان نلخص حياته سنجد الأسطر المضيئة الآتية:

ولد في مشهد الرضا (عليه السلام) أيام القصف البعثي الجائر لمدينة قم وغيرها، وترعرع في عش آل محمد (صلى الله عليه وآله) واشتد عوده في الزينبية المقدسة وأكمل السطوح وبدأ الخارج في قم – مرة أخرى – وحط أخيراً في المشهد العلوي المبارك وأسس مؤسسات عديدة وربى مجاميع من الطلاب وخلّف الذكر الحسن، وحلق إلى ملكوت السماء وهو في الطريق بين النجف وكربلاء.. فيا لها من رحلة قصيرة حافلة!

* اسرة الفقيد طاب ثراه واسكنه فسيح جناته

............................................
[1] الجواهر السنية في الأحاديث القدسية ص179.
[2] الكافي (ط – الإسلامية) ج2 ص116.
[3] مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول (صلى الله عليه وآله) ج8 ص215.
[4] الكافي: (ط – الإسلامية) ج1 ص16.
[5] بحار الأنوار ج68 ص306.
[6] الكافي (ط – الإسلامية) ج2 ص226.
[7] كامل الزيارات ص189.
 [8] كامل الزيارات ص190.
 [9] ديوان أمير المؤمنين (عليه السلام) ص312.
[10] تحف العقول: ص489.
[11] منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة ج19 ص86.
 [12] تحف العقول: ص483.

اضف تعليق