يا أندنوسُ إن استماتَ بنوكِ *** فالحربُ أمُّكِ والكفاحُ أبوكِ

ولديكِ تأريخٌ على صفحاتهِ *** أرجٌ يضوعُ من الدمِ المسفوكِ

وكأنَّ من ألقِ الضحى ورفيفهِ *** نُزراً يُشعُ عليهِ من واديكِ

يا بنتَ ثانيةِ الجنانِ بما اشتهتْ *** نفسٌ وما رستِ الطبيعةُ فيكِ

وبما تسيلُ ظهورُها وبطونُها *** بالتبرِ من متذوِّبٍ وسبيكِ

بالحاشدِ الملتفِّ منكِ إذا دجى *** والضاحكِ العريانِ من ضاحيكِ

قامتْ على المستعمرينَ ظلالُها *** وعلى مليكاتٍ لهم وملوكِ

يا بنتَ ذاكَ وأمَّ كلِّ مغرَّفٍ *** في بؤسهِ ومجوَّعٍ صعلوكِ

يا أمَّ كلَّ مشرَّدٍ عن أهلهِ *** وهبَ الجنانَ وعاشَ كالمملوكِ

بمن الجهادُ يليقُ إن لمْ ينتظمْ *** تاجاً تليقُ به رؤوسُ ذويكِ

في كلِّ قبرٍ من قبورِكِ طائفٌ *** يمشي إليكِ وصارخٌ يدعوكِ

ليشدَّ حاضرَكِ المضمَّخَ بالدما *** بالموجعِ الأسيانِ من ماضيكِ

ومن الطبيعةِ عن بنيكِ مُدافِعٌ *** أن يأخذوا منكِ الذي تُعطيكِ

تأبى المروءةُ أن تُرقِّي غيرًهم *** إذ يحرمون مجاجةً من فيكِ

يا أندنوسُ وفي الخلائقِ شركةً *** لا شيءَ غيرُ اللهِ دونَ شريكِ

أصلوكِ ما الشرقُ اصطلى بجحيمِهِ *** وبميسمٍ من ذُلّه وسَموكِ

وسقوكِ من كأسٍ سُقينا مثلها *** ولقد يكونُ أرقَّ من يُسقيكِ

وكذاكَ أنتِ وقد تمخَّضَ نقمةً *** تتمخَّضينَ على القنا المشبوكِ

هذه الأبيات من قصيدة لشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري كان قد أعدها لإلقائها في الحفلة التي أقامتها جمعية شباب أندونيسيا في بغداد بمناسبة المولد النبوي الشريف عام (1947)، وكان الجو الثوري في ذروة الهيجان في أندونيسيا والنضال الوطني على أشده ضد الإستعمار البريطاني من أجل الإستقلال والحرية، وفي هذه القصيدة يستعرض الجواهري كفاح الشعب الأندونيسي العظيم وتضحياته الجسيمة واستماتته من أجل الحرية والإستقلال كما يسلط الضوء على ملامح القسوة والتعامل الوحشي من قبل الاحتلال البريطاني تجاه الأندونيسيين وسرقة خيراتهم وتجويعهم وتشريدهم وقتلهم على مدى قرون طوال....

ولم يمض عام على ذلك التاريخ حتى نالت اندونيسيا استقلالها التام بدماء أبنائها وخاصة الشيعة الذين كان لهم على مدى ثلاثة قرون ونصف من الاحتلال مركز الطليعة من النضال والجهاد المسلح والطرف المضحي الأكبر من أجل استقلال أندونيسا، وفي هذا الموضوع سنسلط الضوء على التضحيات الجبارة التي قدمها شعب مقاطعة (أجيه) وهي من أهم مراكز الشيعة في أندونيسيا والذي أذاق الأستعمار الهولندي والبرتغالي والبريطاني مرارة الهزائم المتتالية ولم يرضخ لهم رغم القسوة والبشاعة التين مارسوها معه فرسم للأجيال صور خالدة من البطولة والتضحية والفداء.

ولا تزال المصادر الشرقية والغربية تحتفظ بتلك الصور الرائعة والعظيمة التي ضمّتها مدوّناتهم عن هذا الشعب عبر مراحل جهاده المسلح فاحتفظ تاريخ أندونيسيا بصفحات البطولات العظيمة التي سطرها أهله، كما احتفظت وثائق البرتغاليين والهولنديين بتلك الصور وهذه الشجاعة الأسطورية التي جعلت القائد الهولندي فن سويتن يكتب إلى صديقه: (إننا نواجه شعباً في أجيه لم يكونوا متصفين بالبطولة فحسب، ولكننا نواجه رجال حرب منذ العهود القديمة لم يسبق لهم أن استعمروا)، ويتحدث المستشرق الهولندي سنتخراف في كتابه (أجيه) عن الشعب الإيجي الحر الذي يفضل الموت على العبودية فيقول: (إن الأجيين كالليوث، ويفضل الكثير منهم الموت حرقاً على الإستسلام، إنها حروب استقتالية حقاً).

بداية الإحتلال وانطلاق شرارة الكفاح

في عام (1509) رست سفينة برتغالية بقيادة القرصان (ديوجو سيجيورا) على سواحل أجيه ومعه بعض القراصنة وتصرفوا بتصرفات غير لائقة، وقاموا بأعمال شغب فاعتقلوا، وبعد سنتين أي في عام (1511) هاجم الحاكم البرتغالي في الهند (البوكرك) أجيه بعد استيلائه على مملكة (ملاكا) فعاث فساداً في البر والبحر واعتدى على السفن التجارية ونهبها وأسر من فيها، حيث بدأت سفن البرتغال تهاجم سفن المسلمين التجارية في البحر الأحمر والمحيط الهندي، فكان البرتغاليون يحملون ما ينهبونه من محصولات هذه السفن وخاصة التوابل والحرير التي ازدهرت تجارتها في ذلك الوقت إلى لشبونة بعد أن يقتلوا من بالسفينة.

وصفت المصادر أعمال الهولنديين والبرتغاليين بالوحشية فقد (ارتكبوا أعمالاً أقرب إلى أعمال لصوص البحر بخلاف التجار الشرقيين كالعرب والفرس والصينيين والأتراك والهنود الذين جاؤوا قبلهم)

وذكر المستشرق فليك: (إن أخلاق الهولنديين السابقين كانت سيئة جداً، ولا أدب ولا أناة لهم، والمسؤول هو كورنيلس دهوتمان، ثم ما فعله الهولنديون بقيادة (فن كاردن) الذي اندفع يعتدي على السفن التجارية وينهب ما فيها ثم يغرقها)

واستأثر البرتغاليون بطريق الهند، وفي عام (1511) هاجمت السفن البرتغالية بقيادة (البوكرك) (ملاكا) إحدى ممالك أجيه، ولم تكد تطأ أقدام البرتغاليين أرض ملاكا حتى استبيحت المدينة قتلاً ونهباً وأودع من بقي من أهلها السجون المظلمة ومُورس بحقهم أشد أنواع التعذيب بكل وسائلها الإجرامية من آلات تحطيم العظام وكي الأجساد بالحديد المحمى وأدوات الشنق وغيرها، وبقيت هذه الوسائل الدموية تمارس طوال احتلالهم لتلك البلاد.

شرارة الكفاح الدامي

لم يقف الشعب الأيجي مكتوف الأيدي إزاء هذه الأعمال الوحشية فانطلقت منذ ذلك اليوم شرارة الجهاد والكفاح المسلح وتطايرت جذواتها إلى كل أنحاء أندونيسيا فأحرق الأندونيسيون بنار الثورات رؤوس المحتلين وزلزلوا الأرض تحت أقدامهم ولم تخمد تلك الثورات حتى نالت أندونيسيا وثيقة استقلالها التام ممهورة بدماء الشهداء.

فبعد استيلاء البوكرك الحاكم البرتغالي على ملاكا وجه قائده سباستيان دي سوسا بـ (16) سفينة محملة بالسلاح والجنود إلى باساي لاحتلالها، ولكن أهالي باساي تصدّوا لهذا الأسطول بقيادة القائد إبراهيم أخو السلطان علي معايت، فقاموا بهجمات خاطفة سريعة كبدت المحتلين خسائر جسيمة مما اضطرهم إلى الإنهزام تاركين مدافعهم محشوة بالقذائف في القلعة وأشعلوا النيران فيها غير أن الأجيين سارعوا لإطفاء النيران وتوجيه المدافع نحو البرتغاليين فقتلوا كثيراً منهم وانهزم الباقون.

جرائم القراصنة الهولنديين

نزع المحتلون المجرمون إلى كل أنواع القسوة والوحشية والبشاعة، وارتكبوا من المجازر ما يندى لها جبين الإنسانية، فنهبوا كل ما وجدوه من أملاك وأموال، وقتلوا كل من وجدوه من السكان، واعتدوا على الأعراض، وتناقص عدد سكان ملاكا إلى 90% فبعد أن كان سكان ملاكا (20) ألفاً أصبحوا ألفان فقط كما يعترف بذلك الهولنديون أنفسهم في وثائقهم.

زادت هذه الجريمة النكراء الأجيين إصراراً وعزيمة على قتال أعدائهم رغم تخلي الدولة العثمانية عنهم ورفضها مد يد العون لهم، وذلك حينما أرسلت أجيه وفداً إلى اسطنبول عام (1267هـ/1851م)، وصار البحارة الأجيون يثورون على السفن الهولندية وسط البحر ويقتلون الهولنديين وتكررت هذه الحوادث كثيراً حتى أصيبوا بالرعب.

أجيه

وتسمى أيضا بـ (أتجيه) و(آتشه) من مقاطعات أندونيسيا ومن مراكز التشيع الكبرى وأهمها في أندونيسيا ومنها انتشر التشيع وانتقل إلى المقاطعات الأخرى، ولا تزال فيها آثار الشيعة وقبور أعلامهم وآثار المدافع والأسلحة التي كتبت عليها الشعارات الشيعية مثل (علي ولي الله) و(لافتى إلا علي ولاسيف إلا ذو الفقار) وغيرها قائمة إلى اليوم تحكي للأجيال قصص جهاد وبطولة الشيعة الأندونيسيين في مقارعة المحتل وعدم الرضوخ للذل والهوان.

تضم أجيه عدة بلدات كانت فيما مضى ممالك إسلامية شيعية أشهرها باساي وبرلاك وكوالا وملاكا وكومالا وبانتن ودمك وجمهور وغيرها، وقد استطاع معايت (مؤيد) شاه توحيد هذه الممالك والبلدات وكوّن منها قوة لمواجهة البرتغاليين، وبعد استشهاده عام (1523) تولى أخوه إبراهيم مهمة الجهاد ضد البرتغاليين فاستطاع هزيمتهم ودحر أسطولهم وقتل قائده الجنرال (بريتو) وملاحقة بقية السفن البرتغالية الهاربة في عرض البحر وغنم مدافعها، وتحرير بعض المناطق المحتلة وإعادتها إلى أجيه مثل باتاك وروكن وباساي وذلك عام (1524)، وبدأ بتنظيم الدولة ووضع القوانين وتقويتها وتدعيمها لمواجهة المحتل، وبعد موت إبراهيم تولى بعده مملكة أجيه ابنه صلاح الدين وفي عهده هاجم الأسطول البرتغالي أجيه بقيادة (دسوسا) حاكم جزائر الملوك لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن دسوسا فقد هاج البحر ورمت الرياح بالسفن البرتغالية على شواطئ أجيه فانقض الأجيون على السفن البرتغالية فقتلوا الكثير منهم وأسروا الباقين وذلك عام (1537).

علاء الدين رعايت شاه

كان على أجيه التصدي للهجمات البرتغالية بسلاح يضاهيها ومعدات تمنع دخولهم أرضها مما حدى بالسلطان علاء الدين رعايت شاه الملقب بـ (القهار) والذي حل مكان أخيه صلاح الدين على ملك أجيه أن يحصن المملكة ويهيئها للدفاع عن نفسها فاستقدم المهندسين الحربيين والخبراء في شؤون الحرب البحرية من الهند وبلاد العرب وتركيا فبنى أسطولاً ضخماً ومدّ الجيش وعززه وعقد معاهدات مع حكام الدول الإسلامية الأخرى، وقد خاض حروبا كثيرة مع البرتغاليين بدأها منذ سنة إنشائه، وقد استطاع أن يستولي على جمهور وأن يأسر ملكها وحاشيته ويأخذهم معه إلى أجيه وينصب عليها ابن أخيه مظفر شاه ابن علاء الدين الذي أعلن انفصاله عن أجيه فجعلها لقمة سائغة للبرتغاليين فاحتلوها في نفس العام.

رسالة بدماء البرتغاليين

ما إن أصبح الأسطول الأجي مهيأ للقتال حتى أبحر نحو (ملاكا)، ففي عام (1547) هاجم الأسطول البرتغالي فأغرق سفينتين وهربت بقية السفن البرتغالية بعد أن قتل الكثير منهم وقد أوقدت هذه المعركة الحماس في دماء الأجيين فعزموا على تحرير ملاكا فكتبوا رسالة بدماء القتلى البرتغاليين وبعثوها إلى حاكم ملاكا البرتغالي (سيما ودميلو) يأمرونه بتسليم ملاكا، لكن الحاكم ومن معه تحصنوا بالقلعة فنزل الأجيون من سفنهم واحتلوا حي (أوبيه) ومنعوا حركة المرور في مضيق ملاكا فقطعوا بذلك خط الإمدادات على البرتغاليين وكاد الأجيون أن يقتحموا القلعة لولا الخديعة التي استعملها البرتغاليون للحيولة دون اقتحامها فقد أشاعوا أن نجدة وإمدادات جاءت لإنقاذهم فالتحمت في معركة حامية مع الأجيين في نهر برليس فقرر الأسطول الأيجي مساعدة أصحابهم ونجدتهم في البحر وخرجوا من ملاكا.

ولكن الأجيون لم ييأسوا بعد تلك الحملة فقد أعدوا حملة أكبر منها وجهزوا أسطولهم للهجوم به على (ملاكا) عام (1568) ضم أكثر من (15) ألف جندي و(200) مدفع بقيادة السلطان القهار، وقد تأهب البرتغاليوم لهذه الحملة واستعدوا لها ووصلتهم الإمدادات من (كوا) فالتقى الجيشان وجرت بينهما معركة طاحنة قتل فيها الكثير من الجانبين وكان من ضمن المستشهدين في هذه المعركة عبد الله ابن السلطان حاكم أرو.

الكفاح المستمر

لم يتوقف الكفاح المسلح عند الأجيين بموت القهار عام (979هـ/1571م) حيث واصل ابنه السلطان حسين الحرب ضد البرتغاليين فشن عليهم حروباً عنيفة كان أعظمها في عامي (1573) و(1575)، وفي عام (1576) هاجمت سفينتان برتغاليتان ملاكا بقيادة (ماثياس د البوكرك) فتصدى لها الأسطول الأيجي بقيادة (سري مهراج) فأوقع بهما هزيمة نكراء وتتابعت هجمات الأسطول الأيجي على السفن البرتغالية ومطاردتها في عرض البحر.

واستمرت مقاومة الأيجيين للإحتلال بعد موت السلطان حسين وتولي السلطان مودا ومن ثم السلطان سري عالم أمير بريامن والسلطان زين العابدين بن السلطان القهار الذي استشهد في ملاكا عام (1579).

في عام (1607) مد السلطان اسكندر مودا سلطان أجيه نفوذه إلى شواطئ المضيق وقضى على كل إمارة رضيت أن تكون أداة للمحتل وطهرها من الجواسيس والخونة وطرد العدو من ملاكا، فقد أراد السلطان مودا أن يجعل من ممالك إيجه قوة موحدة ضاربة في مواجهة العدو، فحاول الهولنديون تفتيت هذه الوحدة برشوة صغار الملوك لينضموا إلى جانبهم فنجحوا بضم حاكم ملاكا بمبلغ (80) ألف ريال مقابل تسليمهم ملاكا ولكنه لم يستلم ريالاً واحداً منهم لأنهم قتلوه فور دخولهم ملاكا.

ولكن السلطان مودا لم يترك الأمر يتكرر مع الممالك الأخرى فأرسل جيشاً قوامه (18) ألف مقاتل واستولى على باهانغ وقدح وبتاني وأسر سلاطينها.

ولكن البرتغاليون استعادوا ملاكا وضموها إليهم فوجهت أجيه أسطولها العظيم البالغ (236) سفينة وأكثر من عشرين ألف مقاتل لتحريرها فحاصرتها وحطمت الأسطول البرتغالي ونزلت القوات الأجية إلى البر فالتحمت في معركة عنيفة مع البرتغاليين فدحروهم وأمطروا القلعة بالمدافع فتحصن البرتغاليون بالكنيسة وأخذوا يطلقون النار منها لكن الأجيون حاصروها وكادوا أن يحرروا ملاكا لولا خيانة سلطان باهانغ عبد الجليل الذي استولى على جهور بمساعدة البرتغاليين فقد طعن هذا السلطان أبناء جلدته في الظهر عندما اصطدم مع الأجيون في قوة عظيمة وساعده القائد البرتغالي (بيثلو) فاستطاعوا هزيمة الأجيين الذي استماتوا في القتال ولكن التفوق في العدة والعدد حال دون تحريرهم ملاكا.

وفي تلك المعركة جسد قائد الأسطول الأيجي (أورانغ كايا لكسمانا) أروع صور البطولة حيث قاتل بشجاعة وبسالة منقطعة النظير وبقي يقاتلهم في الأدغال حتى أسر وسيق إلى عبد الجليل سلطان باهانغ الذي سلمه إلى أسياده البرتغاليين الذين رموه مكتوفا في البحر.

المعاهدة الفاشلة

وفي عام (1871) عقدت معاهدة بين هولندا وبريطانيا تم بموجبها إطلاق الحرية لهولندا لمد نفوذها في جميع أنحاء سومترا، فوجدت الفرصة سانحة للإستيلاء على أجيه فطالبت أجيه بالإعتراف بسيادة هولندا، لكن طلبها جوبه بالرفض القاطع، فدارت حرب طاحنة استمرت (45) يوماً، كان الأجيون فيها يستقتلون في الدفاع عن أرضهم وعرضهم ودينهم واستقبلوا الهولنديين بصيحات التكبير التي بثت في قلوبهم الرعب فاندحر الجيش الهولندي، وقتل قائده (فن تيل) وقتل الكثير من الضباط معه.

يقول شاهد عيان من الجنود الهولنديين عن هذه المعركة في الوثائق الهولندية: (إن الأجيين يهاجموننا في كل معركة مباغتة، على رغم مواجهتهم لجيش مستكمل السلاح، فأدركنا أن مهمتنا شاقة). وقد فقد الهولنديون في هذه المعركة 15% من الضباط و58% من الجنود حسب ما جاء في مصادرهم.

كان عام (1873) عاماً دموياً لكلا الجانبين فقد التحم الفريقان في معارك حامية يوم (9 ديسمبر) استمرت خمسة أيام كان أشدها معركة (تيتي بانجنغ) حيث توالت نجدات الهولنديين ونفدت ذخائر الأجيين فواجهوا رصاص الهولنديين بالسلاح الأبيض فسقط الكثير من القتلى منهم واستمرت المعركة إلى الليل وفي اليوم الثاني كانت الجثث تغطي النهر

ورغم ذلك لم ييأس الأجيون وعرقلوا تقدم الهولنديين رغم عدم التكافؤ في السلاح مما اضطر الهولنديين إلى إرسال رسول جاوي لعرض الصلح ولكن الأجيين ثارت ثائرتهم وهم يرون رسولا منهم مع العدو فقتلوه ووجهوا بذلك للعدو رسالة تحد صارخة.

حتى النساء والأطفال

هاجم الهولنديون (لمبو) وكانت قنابل المدافع تسبقهم لتمهد لهم الأرض وما كاد الجيش الهولندي يتقدم نحو القلعة وهم يشهرون الحراب على بنادقهم حتى اكتسحت شملهم قوة من الأجيين بسيوفهم المصلتة وخناجرهم الحادة واشترك الجميع في هذا الهجوم وحتى النساء والأطفال ووقع الكثير من القتلى من الجانبين ولم يستطع الهولنديون التغلب على هذه القوة حتى استعان قائدهم (السياجات) بنجدة لكي يستولي على القلعة.

مات الكثير من الهولنديين حتى نقص عددهم إلى ثلاثة آلاف مما اضطرهم إلى عرض التفاوض لكن الأجيون رفضوا بشدة فعقدوا اجتماعاً ضمَّ أكثر من (500) شخص من كبارهم وأعيانهم أقسموا فيه اليمين على (مواصلة الجهاد في سبيل الله وطرد المحتل الهولندي)

المصادمات الطاحنة

واستمرت تلك المعارك الدامية لسنين طوال، وجرت مصادمات طاحنة يطول شرحها أبدى فيها الأجيون من الشجاعة ما أبهر العدو قبل الصديق، رغم قلة عددهم وعدتهم الحربية أمام جيش متكامل العدة والعدد، وقد اعتمد الأجيون في قتالهم على الهجمات المباغتة الخاطفة السريعة التي تفقد العدو سيطرته على زمام الأمور، وتصيبه بالذهول والشلل الممتزج بالرعب، وهم يسمعون صيحات التكبير من الأجيين وهذا ما جعل سنوك يقول: (إن الجيوش الهولندية أشبه بقرد مصفّد بأغلال يؤذيه الأطفال أشد الأذى وهم آمنون).

اضف تعليق