المغلوب ينصدم بأمر الواقع بعد هزيمته ويحاول إصلاح أحواله وتقليد المنتصر، لكن الغالب والمنتصر يتأثر أيضاً بالمجتمع الذي يحكمه بل قد يتبنى ثقافته أيضاً. العرب حينما فتحوا بلاد الشام التي كانت يحكمها البيزنطيون لم يدخلوا تغييرات جذرية في مدنهم وتأثروا بلغتهم وثقافتهم. كذلك سادت الثقافة والمدنية الإيرانية على...
بقلم: مبارك علي- مؤرخ ومؤلف

المغلوب ينصدم بأمر الواقع ويحاول إصلاح أحواله وتقليد المنتصر

الحرب حقيقة تاريخية قديمة قدم الإنسانية، اجتاح بعض الأمم بعضاً على مر العصور وتناحرت في ما بينها، لكن هذه الحروب كما أنها سببت الدمار والخراب للمغلوب فإنها أحياناً ساعدته على التخلص من التقاليد البائسة التي سببت له الخذلان والبدء بحياة جديدة مختلفة عما قبل.

الهند خير مثال على التغييرات التي تطرأ على المجتمع بعد الغزو الأجنبي، فعلى رغم أنها لم تغز دولاً أخرى وأن الاجتياحات التي شهدتها في بادئ الأمر كانت آثارها محدودة في مناطق محددة، فإن الأتراك حينما غزوا الهند في القرن الثالث عشر الميلادي وأقاموا حكمهم في شمالها وولاية البنجاب، فإنهم تسببوا في إحداث صراعات داخلية بهذا المجتمع، وفي تغيير كثير من العادات الطبقية.

آنذاك حافظت طبقة البراهمة على مكانتها العليا في المجتمع الهندي، لكن طبقة الكشاتريا (الثانية في الترتيب الطبقي الهندوسي) اختفت وحل "الراجبوت" محلها بعد الغزو التركي.

إضافة إلى التغييرات الدينية والاجتماعية تأثر الهندوس والمسلمون بعضهم ببعض، بسبب دخول الأتراك والمغول في الهند، وقد تتبع هذا الأثر الباحثون والمؤلفون في كتبهم، إذ ذكر تارا شند في كتابه "أثر الإسلام في الثقافة الهندية" الآثار التي تركها هذا الدين على المجتمع الهندوسي، فيما ناقش الكاتب محمد عمر في كتابه آثار الهندوسية على المجتمع المسلم.

وما بين هذا وذاك نشأ نتيجة تقارب الهندوس والمسلمين ثقافة جديدة تسمى أيضاً بثقافة جمنة-غانغا، إشارة إلى ملتقى نهري جمنة وغانغا المعروفين في الهند.

في هذا السياق تطرق الكاتب عرفان حبيب إلى موضوع شيق في كتابه "التكنولوجيا في العصور الوسطى" ذكر فيه كيف أن الابتكارات في العصور الوسطى أدت إلى ظهور طبقات جديدة من الحرفيين وأسهمت في تطوير الصناعة والزراعة مما أدى إلى تغيير هيكلة المجتمع الهندي.

الاحتلال الإنجليزي

عندما انهزم المحليون أمام شركة الهند الشرقية وأقامت حكمها في الهند، لجأ المسلمون والهندوس إلى التفكير في أسباب هزيمتهم ونقاط الضعف التي جعلتهم غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم أمام الغزو الأجنبي.

كان هؤلاء الذين لجأوا إلى هذا التفكير أقلية في المجتمع الهندي، فيما كانت الأكثرية مقيدة بسلاسل الرجعية وترى أن التقاليد والمؤسسات والدساتير القديمة مقدسة ولا يجب تغييرها.

في المقابل أرادت الطبقة المتنورة فهم نقاط الضعف في مجتمعهم ودراسة التقاليد الرائجة من التاريخية، ليثبتوا أنها نشأت في ظروف خاصة ولا يمكن اعتبارها حقائق مطلقة صالحة لكل زمان وفي كل الظروف، بل يجب تغييرها إذا كانت تشكل عائقاً في طريق التطور والتقدم.

نتيجة هذا التباين في الآراء الذي شهده كل من المجتمع المسلم والهندوسي ظهرت حركات إسلامية وأخرى رجعية تهدف إلى إعادة إحياء الماضي، لكنه أدى أيضاً إلى تغيير العقلية السائدة آنذاك وتعلم المجتمع الهندي من تجربته ومن التغييرات العالمية حوله. الأمر المثير حقاً في هذا السياق هو أن الخلاف بين من يسمون بالرجعيين والتنويريين الذي ظهر بعد الاحتلال لا يزال قائماً اليوم بعد مرور سبعة عقود على الاستقلال.

حركة "برهمو سماج" هي إحدى الحركات الاجتماعية التي ظهرت في تلك الحقبة، بدأها رجل يدعى راجه موهن راي وكان هدفه إنهاء تقليد "الستي" (طقس ديني تقوم فيه المرأة بقتل نفسها بعد موت زوجها) وترويج زواج الأرامل ووقف زواج الأطفال الذي كان شائعاً بسبب تقليد "الستي" لأن الأطفال كانوا يزوجون مبكراً حتى لا يتركوا دون ولي عند موت والديهم.

إضافة إلى ذلك ظهرت فرق دينية جديدة في كل من المجتمعين المسلم والهندوسي في زمن الاحتلال للحفاظ على الهوية الدينية. الحزب الحاكم في الهند اليوم وجماعة RSS التي كان ينضم إليها رئيس الوزراء الهندي الحالي هي الأوجه السياسية لتلك الحركات الدينية الهندوسية، فيما ظهر في المسلمين فرق الديوبندية والبريلوية والوهابية وجماعة التبليغ لذات الغرض.

التجربة الصينية والألمانية

إمبراطورية الصين كانت تتوجس من التدخل الخارجي لذا اجتهدت في الانغلاق على نفسها وأغلقت حدودها ولم يكن بينها وبين الأجانب الذين كان الصينيون يسمونهم بالبربريين أي اتصال. كان الأجانب ممنوعين من دخول الصين ومن تعلم لغتها، فقط السماح لهم بالدخول إلى ميناء كانتون، أما عقوبة تعلم اللغة الصينية خلسة فكانت الإعدام.

نتيجة لهذه القيود لم يكن الصينيون على دراية بالتغيرات التي تحدث في العالم، بخاصة في الغرب، لذلك عندما هاجمت القوى الغربية الصين في القرن التاسع عشر لم تكن الأخيرة قادرة على مقاومة هذه الهجمات، لكن المعاهدات المخزية والهزائم المتتالية أمام الغرب دفعت الصينيين إلى العمل على نقاط الضعف لديهم ومواجهة الوضع بعملية وواقعية. نتيجة لهذا التفكير أنهى الصينيون الملكية وأدخلوا الديمقراطية، بل وأحدثوا ثورة اشتراكية في البلاد التي غيرت وجه دولتهم.

الولاية الألمانية السابقة بروسيا مثال آخر على مجتمع أفاقته الهزيمة ودفعته إلى إصلاح أوضاعه، إذ كانت بروسيا دولة قوية في أوروبا من الناحية العسكرية، لكن حينما هزمها نابليون عام 1806 فكر حكامها في أسباب الهزيمة وفي إصلاح أحوال الدولة، وبدأوا بالفعل بإلغاء النظام الإقطاعي وألغيت النقابات المهنية التي لم تسمح لأي شخص بمغادرة مهنته، وأنشئت جامعة برلين لتثقيف وتوعية المجتمع من خلال التعليم، ونتيجة لذلك أصبحت بروسيا أقوى ولاية ألمانية التي وحدت البلاد عام 1871.

هل يتأثر الغالب بالمغلوب؟

المغلوب ينصدم بأمر الواقع بعد هزيمته ويحاول إصلاح أحواله وتقليد المنتصر، لكن الغالب والمنتصر يتأثر أيضاً بالمجتمع الذي يحكمه بل قد يتبنى ثقافته أيضاً. العرب حينما فتحوا بلاد الشام التي كانت يحكمها البيزنطيون لم يدخلوا تغييرات جذرية في مدنهم وتأثروا بلغتهم وثقافتهم.

كذلك سادت الثقافة والمدنية الإيرانية على العرب بعد فتح إيران، حتى إن الإيرانيين تمكنوا من إدخال عاداتهم وآدابهم القديمة في البلاط العباسي. لم يقتصر الأثر الإيراني في الحكم العباسي على طريقة الحكم بل إن العرب احتفلوا بأعيادهم أيضاً وكأنها جزء من ثقافتهم.

حصل مثل هذا مع المغول أيضاً عندما خرجوا من حياة البدو وفتحوا البلدان، تبنوا ثقافة الأقوام التي فتحوها، حتى إن جنكيز خان أوصى أبناءه في آخر عمره بأن يختاروا الدين الذي يرونه مناسباً ويتماشى مع مصالحهم، فاعتنق بعض أبنائه البوذية وبعضهم المسيحية ودخل بعضهم في الإسلام.

علاقة الغالب بالمغلوب تؤدي إلى التغيير في كل الأحوال، سواء كان هذا التغيير في الغالب أو في المغلوب أو في كليهما، وتحرك الصراعات المجتمعات الساكنة والراكدة وتجبرها على إحداث تغييرات في داخلها والتخلص من عاداتها ومؤسساتها البائسة.

لكن هناك استثناء في القاعدة التي ذكرناها وهي أن الغزاة أحياناً يقومون بتدمير المجتمع المهزوم لدرجة أنه لا يستطيع القيام مرة أخرى، وهذا ما حدث مع أفريقيا، حيث تم تغيير التركيبة السكانية فيها من خلال استعباد وتهجير الرجال وقتل كثير منهم، علاوة على نهب ثرواتها ومواردها الطبيعية وتم غرس الشعور بالدونية العرقية لديهم.

نتيجة لذلك لا تزال الدول الأفريقية تحاول إحياء تاريخها وماضيها وثقافتها بعد أن غير الغرب دينها وأوقفت تقدمها من خلال فرض اللغات الأجنبية عليها. ختاماً نقول إن الأمم لا تستطيع النهوض من دون أن تتعلم من التاريخ ومن تجارب الأمم الأخرى.

* نقلاً عن موقع "اندبندنت أرودو"

اضف تعليق


التعليقات

حسام احمد
مصر
قد أكون متجاوزا للحد فى هذا الرأى .
وقد اكون عنصريا أيضا .
ولكن اطرحه على مائدة الحوار .
والرأى ان اغلب الحملات التى من الجائز تسميتها ...حملات استعمارية ....بين المجتمعات الاسيوية او الأفريقية فيما بينها كانت تحمل جانب ايجابيا من بيان حالة الضعف للدول المستعمرة. الانتباه لاوجه الخلل . والالتقاء على هدف واحد.وبعدها تبدأ الدول فى النهوض بصورة ملحوظة .
الا فى الاستعمار الاوربى الإنجليزى او الفرنسي وهو ابشعهم او البلجيكي او الهولاندى
فالاستعمار الاوربى يترك الدول كسيرة كسيحة مستنزفة وان قال قائل بعظم تأثير الاستعمار الفرنسي على مصر المسمى زورا الحملة الفرنسية سنة ١٧٩٨ونهضة مصر بعدها .
الواقع انه أحدث حركة كحركة من صدمته سيارة ازاحته عن مكانه ولكنها حطمت بعض أعضائه. فلا يسمى ذلك نهضة ابدا .وإنما النهضة عندما توجهت كل الجهود نحو هدف واحد وهو طرد ذلك الدخيل .2023-07-23