الظاهر أن الإنسان الأول حينما غادر عصر البداوة والرعي إلى مدخل بدايات عصر التمدن كانت له شروطه الخاصة في اختيار مواقع المدن، تتعلق بمتطلبات حياته ومعيشته قبل أي شيء آخر، منها:

القرب من مصادر المياه الكافية للاستهلاك والزراعة والبناء.

وفرة مصادر العلف الحيواني.

الموقع الصالح لتوفير دفاعات طبيعية.

القرب من طرق المواصلات.

القرب من المواد الأولية للبناء والصناعة.

بمعنى أنه على بساطته، تعامل مع الجغرافيا بحس متطور، وان هذا التعامل كان معروفا للشعوب الأخرى التي جاءت بعده، تشترك معه فيه، وربما لهذا السبب، ولأنه أحسن الاختيار، تجدد البناء على أنقاض كثير من مدنه بعد موتها، من قبل أقوام أخر بمئات السنين، ولنأخذ على سبيل المثال مدينتين متجاورتين لهما علاقة بموضوعنا هذا، الأولى (كسكر)أو (طسوج) التي يقال إن واسط، أقيمت على أنقاضها، أو قريبا منها، إذ ذكر اليعقوبي أن الجانب الشرقي من واسط كان مدينة معروفة قبل زمن الحجاج بمدة طويلة. والثانية (بدرة) القريبة من واسط، وهي إحدى مدن الحضارة البابلية، وكانت تسمى (بادرايا) وفيها غابات من أشجار الصنوبر، ومنها أخذ النمرود الحطب إلى (كوثى) ليقوم بحرق نبي الله إبراهيم (عليه السلام).

ولقد أثبت التاريخ أن موازين الاختيار نفسها، اتبعت عبر التاريخ، ولحين مرحلة بناء المدن الحديثة، ولذا نجد أنه حينما كثرت ثورات الشيعة في الكوفة وثورات الخوارج في البصرة والأحواز، قام الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان باختيار الحجاج بن يوسف الثقفي واليا على العراقين (الكوفة والبصرة) وان الأخير أراد أن يكون قريبا من هذه الأمصار الثلاثة في نفس الوقت، فاختار هذا المكان أثناء تنقله بينها، وهو ما من قوله: أخاف أن يحدث في احد المصرين أمر وأنا في المصر الآخر، سأختار هذه وسط المصرين، لأن شروط الاختيار متوفرة فيه.

وبالتالي أرى أن اختيار الحجاج لهذا المكان بالذات ليبني عليه مدينة واسط لم يكن مصادفة، ولا لأن جو المنطقة أعجب الرجل؛ الذي بعثه الحجاج ليبحث له عن مكان لبناء المدينة، ولا لأنها تقع وسطا بين تلك الأمصار المذكورة، وإنما تم اعتمادا على القواعد الجغرافية والحياتية نفسها التي اعتمدها القدماء، فضلا عن السبب الجغرافي فاختيار المنطقة بني على فكرة توسط المكان المقترح بين ثلاث مدن مهمة هي الكوفة والبصرة والاحواز. وموقعها الجغرافي على جانبي نهر دجلة، ولذا بدأت بالتلاشي بعد أن بدأ النهر بتغيير مجراه. ولكونها منطقة صالحة للزراعة والرعي. ووقوعها على طريقي التجارة النهري والبري. ولسهولة الدفاع عنها والانسحاب منها.

أما السبب السياسي لاختيارها فيعود كما يتضح من بعض الأقوال إلى رغبة الحجاج في أن يحتفظ جيشه الشامي الجرار بهويته الشامية، وذكرياته عن أيام صفين وشراسة المعارك التي خاضها ضد العراقيين، ولا يفقدها بالاختلاط بالعراقيين، فالعراقيون أهل منطق وإقناع، وإذا اختلط بهم الجند قد يغيرون من قناعاتهم، والدليل أنه لم يكن يسمح لأهل السواد، أي العراقيين بالمبيت في مدينته واسط، حيث عين حراسا يخرجونهم من المدينة وقت الغروب، ولا يسمحون لهم بالعودة إليها إلا في صباح اليوم التالي، وهو ما أشار إليه الطبري في قوله: إن الحجاج اختارها معسكرا لجنده لمنع حدوث الاحتكاك بين جيشه الشامي وأهل المصرين ليحافظ على روحهم الشامية.

وفضلا عن الاختلاف في سبب اختيار المكان، اختلفت الأقوال في تاريخ البدء ببناء المدينة، واختلفت في سبب تسمية المدينة بهذا الاسم.

أما الاسم، فقال ياقوت الحموي بشأنه: إن المدينة اكتسبت اسمها من موقعها وسطا بين الكوفة والبصرة والاحواز فهي تبعد خمسين فرسخا عن كل واحدة منها.

وهناك من يرى أن المدينة كانت وحدها وسط البرية ومن هنا سميت واسط.

وهناك من يرى أنها أقيمت على أنقاض قرية تاريخية تسمى واسط القصب فسميت باسمها.

وأما فيما يخص تاريخ بناء المدينة، فهناك من يرى أن البناء بدأ سنة 76 للهجرة أو سنة 80 أو 83، وأن العمل في بنائها استمر عدة سنوات.

المعروف أن الحجاج عين واليا على العراقين سنة خمس وسبعين، ومنذ ذلك الوقت، حمل راية التصدي للثورات المتكررة، وهذا يعني أن بناء المدينة جاء نتيجة الحركة المستمرة خلال عام كامل، ولذا يكون تاريخ 76 للهجرة أصح التواريخ وذلك لسبب بسيط، وهو أن بناء مدينة وفق مواصفات واسط التي حدثنا عنها التاريخ يحتاج إلى عدة سنين، قد لا تقل عن عشر، وإذا ما كان بناء قواعد المدينة، وهي: بيت الحاكم، والمسجد، والسجن، ودار السك قد قُدِّم على غيره، فإن ذلك لا يمكن انجازه بأقل من ثلاث إلى خمس سنوات، ولما كان المتحف العراقي قد حصل على دراهم فضية سكت في واسط في العامين 83 و84 فذلك يعني أن دار السك كانت منتجة في هذه التواريخ وربما قبلها، وقد تم بناؤها قبل ذلك بزمن.

أما الغاية من بنائها فتكاد تخفى على الجميع، فالواضح من قصص التاريخ أنها بنيت لتكون معسكرا لجيش الحجاج الشامي، لكن المنشآت التي أقيمت فيها لا تتناسب مع عسكرة المدينة، فالحجاج بنى بها بيتا فخما مربع الشكل طول ضلعه 400 ذراع تعلوه قبة فخمة خضراء، تُرى من مسافة سبعة فراسخ، أي أكثر من خمسة وثلاثين كيلو مترا، وله أربعة أبواب كبيرة كل منها تفضي إلى شارع عرضه ثمانون ذراعا، وكانت مساحة هذا القصر ضعف مساحة المسجد الجامع فيها، وهو أكبر مساجدها؛ الذي بني مربعا بطول ضلع 200 قدم، أي بنصف مساحة قصر الحجاج، فكيف يكون قصر الحاكم أكبر من المسجد الجامع في مدينة عسكرية؟

فضلا عن ذلك بنى الحجاج فيها سجن الديماس، وهو سجن كبير جدا، ومرعب بما لا يتناسب مع الوضع العسكري للمدينة، فالمدينة العسكرية لا تحتاج إلى مثل هذا السجن. ثم هل تحتاج المدينة العسكرية إلى دار لسك العملة؟ فلماذا بنى الحجاج فيها دار سك، وضرب فيها الدراهم؟ وأخيرا، لا أعتقد أن المدينة المخصصة لسكن العسكر تحتاج إلى التحصينات التي أقامها الحجاج لأن العسكر هم أولى الناس بالدفاع عن أنفسهم، فلماذا أقام لها الحجاج سورين عاليين يحيطهما خندق كبير؟

والأهم من ذلك، أن المدينة ـ حتى لو آمنا جدلا ـ أنها بنيت لأغراض عسكرية، فإنها تحولت إلى مدينة مدنية بعد موت الحجاج سنة خمس وتسعين للهجرة، أي بعد أقل من عقدين على إنشائها، وكانت مُحكمة وتضج بالحياة، ذكر ابن بطوطة حينما زارها أن مبانيها فخمة جدا، وقال: فيها مدرسة عظيمة حافلة فيها نحو ثلاثمائة خلوة ينزلها القادمون للتعلم. وذكر ابن حوقل أن أسواق واسط كانت حسنة عامرة، وكان فيها جسر أقيم على طرفيه موضعان تدخل فيهما السفن لتفريغ وسقها.

وتحدث المستوفي وهو معاصر لابن بطوطة عن بساتين النخيل الكثيفة التي كانت تحيط بالمدينة وترطّب هواءها وتحسن جوها. وهذا كله كان قريبا من رأس المائة الأولى للهجرة، بما لا يتناسب مع هيكلية المدينة العسكرية ولاسيما في تلك الأزمان.!

السؤال الأهم: إذا ما كانت واسط تمتلك كل هذه الميزات المهمة فلماذا لم يتخذها العباسيون عاصمة لهم، وتحملوا كلفة وجهد بناء مدينة جديدة هي بغداد لتكون عاصمة لهم؟ بل لماذا أسهموا في تخريب منشآتها الجبارة عوض أن يتركوها على حالها؟

وقد يكون في حديثنا عما فعله الحجاج بمدن أخرى حينما أراد بناء واسط جوابا لهذا السؤال، فمن الأمور التي تدمي القلب أن الحجاج أقام مدينته تلك على أنقاض تاريخ عراقي شامخ وموغل في القدم، فقد قام بتخريب أربع مدن تاريخية مهمة، وتدمير مجموعة كبيرة من القرى، ليبني له مدينة لا تُعرف الغاية من وراء بنائها، حيث قام بقلع الأبواب الموجودة في تلك المدن والحجارة التي بنيت منشآتها بها، ونقلها إلى مدينته، واستخدمها في البناء، ومنها خمسة أبواب من مدن زندرود والدوقرة وشرابيط، وغيرها. وهكذا خرَّب أصل التاريخ، ليبني لنفسه ولدولته التي يخدمها تاريخا جديدا!

والظاهر أن الطغاة مولعون بالتخريب قبالة كل تعمير يقومون به، إذ ذكر الخطيب البغدادي أن الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، نقل تلك الأبواب من واسط إلى بغداد حينما قام ببنائها.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق