ثقافة وإعلام - صحافة

حصن الشعبويات

هو انقسام الأقاليم الأوروبيّة والأميركيّة إلى نخب معولمة وعوام مهمّشين

الاقتراع الشعبوي شبيه بمحدلة يعم فعلها العالم الغربي من أدناه إلى أقصاه، ويبلغ السويد، البلد الذي يتمتع بضمانات اجتماعية متينة، وتقتصر البطالة فيه على مستوى متدنٍّ وعلى رغم ذلك جمع يمينه المتطرف 17 في المئة من أصوات المقترعين في انتخاباته الأخيرة. ولا يجافي عموم الاقتراع هذا المنطق...
كريستوف غيلْوي

 

الاقتراع الشعبوي شبيه بمحدلة يعم فعلها العالم الغربي من أدناه إلى أقصاه، ويبلغ السويد، البلد الذي يتمتع بضمانات اجتماعية متينة، وتقتصر البطالة فيه على مستوى متدنٍّ وعلى رغم ذلك جمع يمينه المتطرف 17 في المئة من أصوات المقترعين في انتخاباته الأخيرة. ولا يجافي عموم الاقتراع هذا المنطق. فنحن كنا نحسب أن ثمة «مثالات» اجتماعية مختلفة، المثال البريطاني والمثال الفرنسي والأميركي. واختلاف المثالات أو النماذج لم يحل دون ملاحظة ديناميات متشابهة. فنزعت سوق العمل تدريجاً نحو استقطاب الحواضر، أو «المدن - الدول» الكبيرة والمركزية، مرافق العمالة والوظائف، بينما ضمرت الى حد الجفاف البلدات الصغيرة والمتوسطة والمناطق الزراعية.

وانتشار دينامية الاستقطاب المتفاوت في أوضاع اقتصادية وسكانية مختلفة، أمر يدعو الى الوقوف والتساؤل. فهذه ألمانيا، ينظم يمينها المتطرف تظاهرات بالغة العنف، بينما يتمتع البلد بميزان مزدهر، وتتفوق صناعته على منافساتها، وبطالة اليد العاملة فيه لا تكاد تُذكر. والحق يقال، إن هذه المؤشرات لا تعبر عن حياة الناس، ولا عن خطوط أطوارها البيانية تبعاً للفئات الاجتماعية. وفي أثناء الانتخابات الألمانية الأخيرة، دعاني صحافيون ألمان إلى مقارنة انتخاباتهم بظواهر فرنسية سبق أن تناولتها بالوصف. فلاحظت أن الإفقار والهشاشة يصيبان في المرتبة الأولى، في ألمانيا، شطراً من المتقاعدين.

وفي أواخر عقد 1970، حين كان عمال المناجم يكافحون في سبيل الحؤول دون غلق مصانعهم، قلنا: لا ريب في أن آلام البطالة قاسية وثقيلة، لكن التطور التاريخي أمر لا راد له، وعلينا التكيف معه، وعلى المهن ومرافق العمل مجاراته. وعولنا على نهاية سعيدة. لكن هؤلاء العمال تركوا لمصيرهم البائس. وهي حال عمال مولينكس، في النورماندي، الذين لم يحصل عامل واحد منهم على فرصة عمل جديدة، وأكثرهم حظاً صُرف بموجب بند التقاعد المبكر. وأزمة المناطق الصناعية العميقة هذه تلاحظ في طوال العالم الغربي وعرضه، من با- دي – كاليه إلى شمال إنكلترا وبينهما حزام الصدأ في الولايات المتحدة، ونحن أدرجناها في سياق منطقي ولا مناص منه. وتوقعنا أن تؤدي العولمة الى تقسيم دولي للعمل، فيضطلع العامل الصيني بالعمل الشاق وينتج السلع الرخيصة بينما يحصل عمالنا المؤهلون التأهيل المناسب على مرافق عمل أكثر تعقيداً ومنفعة. ولم تجر الأمور وفق هذا التصور.

ولم تحصل الطبقة العاملة على المحل المأمول، وتعاقبت مذاك ثلاثة أجيال من العمال على تقاضي الحد الأدنى من العائد المشترك، وتعويض البطالة. والظاهرة، منذ عقد 1980، تتسع، وتصيب فئات أخرى، ومناطق أخرى. وانتقلنا من صرف عمال شركات صناعية إلى صرف المزارعين والمستخدمين. وإلى 1999، في فرنسا، استفادت معظم المناطق من نمو العمالة. لكن هذا النمو في مرحلة تالية، اقتصر على دزينة من المدن الكبيرة التي حازت وظيفة واحدة من اثنتين. والحال أقوى بروزاً في بريطانيا حيث يغلب قطب لندن الكبيرة في مقابل بقية المناطق. والسوق العقارية منذ عشر سنوات خير تمثيل على هذا. فسعر المتر المربع في المدن الكبيرة لم ينفك يتعاظم بينما لا يكاد يتزحزح عن مستواه الثابت في غيرها. والمدن المتوسطة في مناطق شهدت البحبوحة وقتاً طويلاً تترنح وتتردى أوضاعها، شأن منطقة البريتاني الفرنسية الأطلسية ومعاملها المتوسطة والصغيرة في قطاع الصناعات الغذائية. وتتضافر على التردي عوامل كثيرة مثل الأسواق (المخازن) الكبرى التي تفقر وسط المدن، لكننا نشهد تبلور جغرافيا اجتماعية متعاظمة التفاوت والفروق.

فمستحيل اليوم تناول المجتمعات الغربية على الشاكلة التي كانت عليها في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، حين كان (الرئيس الفرنسي الأسبق) جيسكار ديستان يقول أن فرنسييْن من ثلاثة موعودان بالارتقاء الاجتماعي. وكانت الطبقة المتوسطة يومها تضوي جملة الفئات المندمجة اجتماعياً واقتصادياً، أي سياسياً، من العامل إلى الكادر في الفئة العليا، على رغم التفاوت. وتغير مفهوم الطبقة المتوسطة يحول بيننا وبين قراءة الواقع. وعندما نتناول الطبقات المتوسطة اليوم، نقصد فعلاً كوادر الفئة العليا والمهن الحرة الجامعية. وطرحت الفئات الأخرى المتواضعة من الكتلة، والواحدة بعد الأخرى. وفي مرآة الأرقام، نحن نزداد ثراءً، وناتجنا المحلي الإجمالي لا ينفك يتعاظم، إلا أن هذا المثال، للمرة الأولى في تاريخنا، يقصّر عن العقد والجمع بيننا، ويعجز عن الاضطلاع بدمج الشطر الأعظم من المواطنين. ومفهوم حزام الضاحية لا يقتصر على الجغرافية، فهو مفهوم اجتماعي وثقافي، ويصاحبه شعور بذواء الاشتراك في معايير واحدة.

ونحن نحمّل الأوساط الشعبية وزر رؤيا سلبية إلى العالم ليست رؤياهم. وغالباً ما يردد قول يزعم أن الفرنسيين عاجزون عن التكيف، على خلاف المعقول. فهم لا يناهضون أوروبا ولا العولمة، ولا يناوؤون الليبرالية. فهذا ليس شاغلهم. وما يريدونه هو الحصول على عمل، والشعور بالاندماج والأمن. وهذا ما لا تعبأ به النخب السياسية والإعلامية والأكاديمية التي يمضي معظمها على «بيع» مقالات العولمة الهانئة، وعلى الوعظ الأخلاقي. وتدعو هذه النخب إلى عالم منفتح ومشرع على الثقافات، لكنها تحرص على اعتزال الناس الفقراء، وتمتنع عن إرسال أولادها إلى مدارس أولادهم، وتتركهم وحدهم يتحملون أعباء اختياراتها السياسية، في قضية الهجرة وفي غيرها. وتهزأ هذه النخب بأهل الضعف الاجتماعي، وتسعى في عزلهم، وتتهمهم بالعنصرية. وتصفهم هيلاري كلينتون بـ»المعترين»، وفرانسوا هولاند بـ»فاقدي الأسنان»، بينما هم من يقع على عاتقهم دمج القادمين الجدد.

ورفضُ الاستماع إلى ما يطالبون به منذ عشرين عاماً يحملهم على التحفظ عن كل أشكال التمثيل والتعبير، ولو من طريق الصحافة ووسائط الاتصال. لكن، ما معنى المضي على الأخذ بمقالات تمدح التفوق والسبق بينما ثلاثة أرباع الناس يجرون الخطو في الخلف؟ ولا يرضى أحد أن يحوز واحد في المئة معظم الثروات. لكن الذين ينددون بهذه الحال اقترعوا لماكرون. وهو لم يفز في الانتخابات نتيجة أصوات الأغنياء جداً وحدهم، ولا جزاء الـ5 في المئة من الذين عادت عليهم العولمة بالربح. والتمثيل المفرط للفئات الاجتماعية العليا ولسكان الحواضر المدينية الكبيرة في الانتخابات يعني أن النصر أحرزه فريق الدفاع عن الامتيازات العقارية في المرتبة الأولى. ونظام التمثيل السياسي في دولنا يزداد قطبية وانقساماً بين من يتربعون في السدة العليا وبين المترسبين في القعر التحتي. وهؤلاء يلجأون إلى الاستنكاف ويمتنعون من المشاركة، أو يقترعون للتيار الشعبوي الذي يفتقر إلى خطة حكم فعلية. وتؤدي هذه العوامل مجتمعة الى انفجار النظام التمثيلي تحت وطأة تناقضاته، ويبتعد من الديموقراطية. ومن أعراض هذا الابتعاد، انهيار النشاط الحزبي والنقابي في كل بلدان أوروبا وفي الولايات المتحدة.

ويعمد اليمين، منذ وقت طويل، إلى استعمال الهجرة للطعن في السياسة الاجتماعية والاقتصادية الأوروبية والدولية. لكنه لا يغفل عن مصلحة أصحاب العمل في حدود مفتوحة تخفض سعر اليد العاملة من الداخل وتقلص الأجور. وعدد الداخلين إلى الأراضي الوطنية (الفرنسية) لم يبلغ يوماً المستوى العالي الذي بلغه في عهد حكومة ساركوزي. وتعاظم دور الجبهة الوطنية، وبروز المسألة العرقية، هما قناعان لانقسام اجتماعي: فما يختلف عليه البورجوازيون اليساريون والبورجوازيون اليمينيون أضعف كثيراً من خلاف الفريقين مع الأوساط الشعبية. وينبغي تمييز ما يحصل فعلاً من المقالات والإعلانات. فالمال يتقدم على الهوية، واليسار واليمين يتقاسمان «حصص السوق» من الناخبين من غير عزيمة ثابتة. وتحسب الفئات المسيطرة والغالبة أن مصير هذه الخلافات هو امتصاصها وتصريفها في حركة السوق. لكن هذا لا يبدد قسوة الوقائع التي يعانيها فريق كبير من المواطنين المهمشين.

وينبغي الإقرار بأن قلق الطبقات الشعبية من ضعف «الأمن الثقافي» ليس حكراً على من يسمون بـ»صغار البيض» (الجماعات الدنيا من المستعمرين في البلدان المستعمرة). فالأسر المغربية المندمجة في المجتمع الفرنسي والأسر الأفريقية في طور الارتقاء الاجتماعي، تشكو من القلق هذا. وتسعى، بدورها، في تغيير مسكنها، وفي ترك الأحياء التي يكثر فيها المهاجرون. ويؤدي النهج الذي يقدم مساعدة آخر القادمين من المهاجرين على سواهم الى المفارقة التالية: يستبعد أكثر المواطنين احتياجاً الى التعويضات الاجتماعية من أنظمة التعويض ومن دور الدولة التي تتولى تقديمها بذريعة انتفاع «الآخرين» (آخر القادمين) وحدهم منها. وعلى هذا، ألغيت دولة الرعاية في بريطانيا على وقع تصفيق الطبقات المحتاجة نفسها.

ويجهل معظم المواطنين في الدول الغربية أن الشركات المتعددة الجنسيات تمتنع من تسديد ضرائبها. فأصحاب الامتيازات ابتعدوا من المواطنين «اللي تحت» إلى حدٍّ لم يعد فيه النزاع قائماً. وهم على يقين من أن انشقاقهم يجعلهم بمأمن مما يصيب غيرهم. وعلى رغم أن قلب المسألة، أو «اسطوانتها الصلبة»، اقتصادي واجتماعي، إلا أن محور الأزمة السياسية الراهنة هو قضية المهاجرين. وأرى أن ضواحي مدننا لم تعجز عن إنشاء طبقات متوسطة، لكن المضي على تكديس سكان جدد فيها يخلف اختناقاً يستحيل على الضواحي معالجته. ويجتمع القادمون في مواضع واحدة لا تلبث أن تعاني مشكلات سكن وتعليم وطبابة، بينما يتقلص عدد الموظفين الذين يصطدمون بالمعالجة. ويترتب على عمى الطبقات العليا عن التصدع الاجتماعي، انفجار وشيك. وتجديد الروابط الاجتماعية رهن انخراط هذه الطبقات في مجتمعاتها، وخروجها من حدتها و»انشقاقها».

* كريستوف غيلْوي، جغرافي، كاتب، عن «لوبس» الفرنسية
http://www.alhayat.com

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق