إبراهيم الهواري

 

هل يمكنك التنبؤ بما سيحدث في عام 2017 في عدة مناطق بالعالم؟ وهل يمكنك معرفة كيف سيتعامل النظام العالمي وفي صدارته الولايات المتحدة الأمريكية مع القضية السورية بعد مرور أكثر من ست سنوات من الحرب؟ وهل كان الرأي العام يتوقع في سالف السنوات عودة روسيا بهذه القوة؟ وهل ستستمر أمريكا على رأس النظام العالمي منفردة؟ وهل يمكنك استشراف أزمة مالية جديدة كالتي ضربت العالم الرأسمالي في 2008؟ وهل توقع أحد قبل ذلك سقوط يحيى جامع في غامبيا بعد 22 سنة من الحكم في انتخابات ديمقراطية؟.

على الأرجح ستكون الإجابة «لا» عن الأسئلة الخاصة بتوقع ما حدث في العام المنصرم، منذ سنوات قليلة ماضية. العالم تغيرت جغرافيته السياسية بشكل كبير خلال هذا العام، فقط سلسلة «سيمبسون» الساخرة تنبأت قبل 16 عامًا من الزمن بتزعم ترامب لأمريكا، وبعض مراكز الدراسات وصناعة القرار تنبأت كذلك بعدم سقوط بشار الأسد الذي اقترب انهياره أكثر من مرة، وعودة روسيا، وانهيار أسعار النفط. والآن سنحاول الاقتراب أكثر مما جاء به مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأمريكي «csis»، في دراسة شاملة حول توقعاته شديدة الأهمية لعام 2017.

وتحدثت الدراسة الاستشرافية التي أعدها مجموعة من الخبراء والباحثين وكبراء المستشارين، المتخصصين في الشؤون الأمنية والسياسية والاقتصادية والعلاقات الدولية، عن أكثر من مجال له علاقة بالسياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، وعن التحديات التي تنتظر الإدارة الجديدة بقيادة دونالد ترامب، بالإضافة إلى العلاقة مع الصين وروسيا والقوى الصاعدة، والتعامل مع ما يحدث في الشرق الأوسط، وبالأخص الملف السوري المعقد.

وسنركز في التقرير على التوقعات المتعلقة بالملفات التي تعني المنطقة العربية، والتحديات الخارجية للولايات المتحدة، والعلاقات الأمريكية الروسية، وأهم بؤر التوتر، ونظرة ترامب للاقتصاد العالمي والسياسة الدفاعية في مواجهة التحديات الأمنية في العالم.

ما هي تحديات الأمن القومي التي تواجه ترامب؟

يعدد الرئيس التنفيذي لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، جون جيه هامر، أربعة تحديات رئيسية للأمن القومي ستواجه إدارة الرئيس الجديد دونالد ترامب، ويبدأ مقاله الافتتاحي للملف الشامل حول «توقعات 2017» بأن النظام السياسي الديمقراطي تكمن عظمته في امتلاكه شرعية مع التغيير، ويقول بأن ترامب فاز في انتخابات شرعية، وهو الآن الرئيس المنتخب، إذًا ماذا سيحدث هذا العام؟.

وبعد سرده لمجموعة من المشاهد الملخصة لغضب الأمريكيين من أداء الديمقراطيين في البيت الأبيض، حيث أصبح الشعب الأمريكي غاضبًا على نحو متزايد، وهو ما دفع الرئيس الجديد لإطلاق وعود انتخابية غير مألوفة، على غرار بناء جدار على الحدود الجنوبية لبلاده مع المكسيك، أكد هامر بأن على الإدارة الجديدة ترجمة ذلك السلوك المثير إلى سياسة ملموسة، وبخصوص التحديات الأمنية التي ستواجه ترامب في هذه العهدة، فإنها لن تحل في فترة وجيزة بحسب الكاتب. تحديات مثل القضاء على الجماعات الإرهابية، خاصة «تنظيم الدولة»، ومعالجة انعدام الأمن في الشرق الأوسط، خاصة سوريا، أو التعامل مع الملف النووي لكوريا الشمالية، فهذه هي القضايا التي من شأنها خلق أزمات مستمرة في السنوات المقبلة.

يقول الرئيس التنفيذي للمركز، بأن تدهور الوضع الداخلي، ووجود التضخم في الشأن الاقتصادي الذي يعاني الركود حسبه، والانقسام الذي يعاني منه المجتمع، هو أكبر تهديد للأمن الداخلي والخارجي لأمريكا. وإذا ما تم حل هذه المشاكل الحقيقية خلال السنوات الأربع المقبلة، سيكون لأمريكا مكانتها ونفوذها الدولي المرتفع والمتقدم.

ويضيف هامر أن بلدان أخرى تتمنى نفس القدرات التي تتواجد في بلد مثل أمريكا، وستفعل أشياء كثيرة؛ لإفشال الولايات المتحدة في هذه الأعمال، وفي القيام بحل هذه المشكلات، لكن الفشل سيرجع بالأخير للافتقار إلى القدرة أو الإرادة، وبلدان أخرى تنظر إلى أن هذا علامة ضعف فينا، وهذا ما يزيد الخصوم جرأة في الموقف والسلوك، بحسب هامر.

ويركز في نفس الفكرة، على أن قوة أمريكا في المقام الأول ترتكز على حيوية المجتمع المحلي، واقتصاده، وإنتاجه، وعليه فأمام ترامب إصلاحات كثيرة في هذا الشأن بخصوص فرص العمل، وإصلاح الضرائب، والتعليم، وتطوير مهارات القوى العاملة، وإعادة تطوير البنية التحتية، وهذا كله قد أشار إليه ترامب في الحملة الانتخابية أكثر من مرة.

ويتفق هامر مع الرئيس ترامب حول ضرورة تقاسم أعباء قيادة النظام الدولي مع حلفاء آخرين، في حين يعارضه بخصوص الإنفاق العسكري الذي يجب أن يعود الى ما قبل 2011 حسبه، وينتقد سياسة إضعاف الكونغرس، والاعتماد على أصوات الانتخابات في اتخاذ قرارات ذات بعد أمني، ويقول في هذا الشأن بأننا «سوف نصبح نمورًا على الورق في نظر العالم».

التحديات الأمنية التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم، بحسب هامر، أقل من التي كانت موجودة في الحرب الباردة، لكنها كبيرة وأكثر تعقيدًا، وتطرح ها هنا تساؤلات مهمة حول الحلفاء التقليديين للبلد، خاصةً مع افتراض توجه الدول الآسيوية الصديقة إلى التعاون الاقتصادي مع بكين، وتفكك الاتحاد الأوروبي والانعزال داخليًّا بسبب الأضرار الاقتصادية المرتقبة، في حين يتمدد الشك الأمني لدى دول الخليج بعد الاتفاق النووي مع إيران.

ويشير الكاتب الذي ركز على السياسة الخارجية تجاه الحلفاء كمخرج جوهري للتحديات الأمنية، إلى سيناريو التحالف الروسي الصيني الإيراني، وهذا الثلاثي اتخذ من الطعن في الولايات المتحدة الامريكية أولوية تمكنهم من تقليص وتحجيم دورها في عدد من مناطق العالم، وهنا تطرق إلى المنطقة الرمادية ذات النشاط السري، والتجسس، والتجسس المضاد، وتعزيز عناصر التمرد والنزاعات، والمناورات العسكرية، وتهديد المصالح الإستراتيجية والحيوية، وهو ما حدث في شبه جزيرة القرم، والتراجع الأوروبي بالمنطقة.

ويضيف هامر أن الحكومة الأمريكية غير منتظمة تنظيمًا جيدًا للتعرف على مشكلة التحالفات التي بدأت تتحرك سريعًا، في حين الرد الأمريكي يسير ببطء شديد، وهذا ما يهدد ويتخطى الحدود التقليدية للدبلوماسية والدفاع، والتجسس والأمن والاقتصاد، ويقول الخبير بأن أمريكا في الحرب الباردة كانت أفضل بالاعتماد على نهج شامل، خاصة مع وجود تصور موحد حول العدو، والمعطيات في متناول اليد، في حين أن هذا الإجماع غائب اليوم، ودليل ذلك بحسبه أن ترامب يمدح روسيا، وكلينتون ما زالت تعتبرها عدوًا، وكلاهما كانا على بعد خطوة واحدة من الرئاسة، ويحذر المسؤول الأول عن المركز الذي يستقبل مسؤولين حكوميين من مختلف دول العالم، من آثار الجرائم الإلكترونية التي يرى بأنها ستزداد وتتنامى أكثر مع التطورات التكنولوجية، ويقترح أن يتم إعادة تشكل النهج الأمني القومي على هذا الأساس، بعيدًا عن البيئة التقليدية السابقة.

ويعني بهذا المحور قيادة الولايات المتحدة للنظام المصرفي، والشبكة الكهربائية، والإنترنت، التي أصبحت تثير القلق لدى الكثير من الدول المنافسة خاصة الصين. وتحدث أخيرًا عن الأمن المعلوماتي، بالإضافة إلى التهديد الإرهابي والتجنيد عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي، مع وجود ظاهرة انعدام الثقة بين الحكومة الامريكية، والقطاع الخاص بهذا المجال الحيوي والمهم، الذي يختبئ وراء خصوصيات المشتركين والأعضاء.

ويختم الرئيس التنفيذي هامر مقاله حول التحديات الأمنية لأمريكا خلال هذا العام، بتذكير الرئيس ترامب أن مهمته مساعدة أمريكا للبقاء كأمة مزدهرة حكومة وشعبًا، وتصدير صورة البلد كأمل دائم للعالم، باعتبارها الأمة التي قضت على الفاشية، والشيوعية سابقًا، وكافحت الفقر والقهر في العالم، بحسب الكاتب.

بعد ثماني سنوات من الأزمة المالية كيف ننظر إلى الاقتصاد العالمي؟

تشير الدراسة إلى أهم تحديات الاقتصاد العالمي خلال العام الجديد، ويقول ماتيو غودمان، المستشار الأول للاقتصاد الآسيوي بالمركز، إن الاقتصاد العالمي بعد أزمة عام 2008 لم يتعاف بعد، ولم يصل إلى حلول جديرة بإنقاذ النظام الاقتصادي من جديد، ويستشهد غودمان بثبات مستوى النمو عند 3% سنويًّا كمتوسط منذ الأزمة إلى غاية 2016.

ويرجع غودمان هذه الأسباب الى حالة عدم الاستقرار السياسي، والنقلة التكنولوجية السريعة، وتوقع سكوت ميلر المستشار وخبير إدارة الأعمال الدولية أن نمو الاقتصاد العالمي سيستمر بين 3 إلى 3.5% سنويًّا، ويستشرف ميلر نمو الاقتصاد الأمريكي بـزيادة 2% عن النمو الحالي بين 2017 و2018.

ويتفقان غودمان، وميلر على أن الصين لديها نمو بطيء؛ نظرًا للثقل التنظيمي والهيكلي المتصف به اقتصادها، بينما تستمر الهند في تحقيق نمو اقتصادي جيد يقدر بـ7% سنويًّا، بالإضافة إلى الاهتمام بالتجارة على حساب الصناعة وبقية القطاعات الاقتصادية الأخرى، في حين ترى المشاركة الثالثة بالدراسة الاقتصادية هيثر كونلي، أن أوروبا ترهقها الديون وضعف النمو والقطاع المصرفي الهش، كما أنها لن تتعافى من خروج بريطانيا في وقت قصير، وأدى هذا الخروج لفقدان وزن ثقيل بالتجمع الأوروبي بحسبها.

يقول غودمان إن القوى الاقتصادية الكبرى في العالم فعلت الكثير لمعالجة وسد نقاط الضعف في النظام المالي العالمي، ويضيف أنه من المؤكد عدم تكرار نفس الأزمة خلال السنوات القليلة القادمة، ويضيف أن الخوف على أوروبا في عام 2017 لوجود مخاطر مالية، وضعف حكومي، فهناك عدد من الدول قريبة من الإفلاس، مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، ويضرب المثال بضرب زلزال مالي في البنوك الإيطالية مع آخر انتخابات، وأثناء التصويت لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وتضيف كونلي أن أوروبا تعاني كذلك من مشاكل اجتماعية، كقضية اللاجئين، وارتفاع معدلات البطالة، وارتباط القطاع المصرفي بالحكومات، وديون الصناديق السيادية، مع بروز أزمة سكن بدأت ملامحها في التشكل، وتقول كونلي إن تصدر اليمين المتطرف للمشهد سيعقد من المشكل الاقتصادية لوجود لاجئين بمئات الآلاف.

وتشير الدراسة كذلك إلى أن القارة الأوروبية التي استفادت بعد الحرب العالمية الثانية من مشروع مارشال، بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية، لديها كامل القوة في جعل مستوى النمو مستقرًا، ويرتبط هذا المستوى باستمرار الاقتصاد الألماني القائم على التصدير والأداء الجيد، وتتصف المؤسسات الاقتصادية الأوروبية بالنظم القانونية، والإجراءات المساعدة داخل التراب الأوروبي الذي يساعد على الاستثمار، بالإضافة إلى الإمكانات البشرية الهائلة داخل القارة، حسب نفس الدراسة.

بعد 70 عامًا.. هل ينهار النظام العالمي الذي تقوده أمريكا؟

يبدأ مايكل غرين، نائب رئيس قسم منطقة اليابان وآسيا، ملفه الخاص الذي يطرح سؤال انهيار النظام الذي تقوده أمريكا، بتصريح لمدير وكالة الأمن القومي يصف فيه عالم اليوم بالأكثر تعقيدًا وصعوبة، ليذكر بأنه طوال 53 عامًا لم يعمل في بيئة أمنية معقدة مثل اليوم. ويضيف أن انتصارات أمريكا في عالم اليوم أصبحت نادرة، وإن كانت فهي مؤلمة للأمريكيين وللعالم معًا.

وفي خضم هذا الوصف، يقول غرين إن دول مثل روسيا، والصين، وإيران، وكوريا الشمالية تحقق تقدمًا ملحوظًا في السياسة الخارجية، والأمن الخارجي، وفي الفضاء الإلكتروني، والمناطق الرمادية، بجانب أوروبا الوسطى، وبحر الصين الجنوبي، والمحيط الهندي، وخلال الـ70 سنة الماضية عرفت أمريكا ازدهارًا داخليًّا وتقدمًا في مجالات عديدة، إلا أنها تعرف تراجعًا كبيرًا، وضرب مثالًا بالإنتاج الإجمالي المحلي الذي انخفض من 50% بعد الحرب العالمية الثانية، إلى 25% بعد الحرب الفيتنامية، ليصل إلى أقل من 23% اليوم.

وقال الباحث المتخصص في الشؤون الآسيوية، إن العالم بحكوماته وشعوبه عاش الانتخابات الأمريكية بكل قلق، وهذا يدل على قدرة الشعب الأمريكي بإرادته في الاستمرار بقيادة النظام العالمي، كما أن حكومات ومؤسسات في الدول الآسيوية الناشئة والصاعدة حاولت التأثير في نتائج الانتخابات ولم تتمكن، خاصةً مع فشل المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون.

وفي 2001، أصدر بنك غولدمان ساكس تقريرًا يتحدث فيه عن هيمنة قوى النمو العالمية الجديدة، مثل البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا، ومع بروز الأزمة المالية عام 2008 زادت توقعات الأخصائيين بتسارع هذه النبوءة الاقتصادية، لكن حتى عام 2015 بقيت الولايات المتحدة الأمريكية متصدرة للمشهد المالي والاقتصادي العالمي رغم الأزمة التي تضررت منها هي وأوروبا بالأساس.

ويتطرق غرين إلى نظرة الشعب الأمريكي تجاه الحكومة، والمؤسسات الاقتصادية والأمنية، والمنظمات الدولية التي تدعمها الإدارة الأمريكية، مثل حلف الشمال الأطلسي «ناتو»، ويرى أن الأمريكيين ما تزال لديهم نظرة إيجابية تجاه دور هذه المنظمة العسكرية في مساعدة بلدهم في ريادة العالم. ويقول إن غالبية الأمريكيين مستمرون في دعم التجارة الحرة، والاستمرار في التحالف مع الشركاء والأصدقاء التاريخيين على غرار اليابان وكوريا الجنوبية، والدفاع عنهم في حال التعرض لهجوم من الأطراف الآسيوية الأخرى.

ويثير الكاتب مخاوف من عدم قدرة أمريكا على التحكم في بقع التوتر، مثل الخليج العربي، وبحر الصين الجنوبي، وأوروبا الوسطى والشرقية، خاصةً مع تنامي الدور الروسي والإيراني والصيني في هذه المناطق، وتحقيق نتائج ملموسة مع عدد من الدول المجاورة لها. ويضاف إلى كل هذا قيام اليابان بتعديل الدستور الذي يسمح لها بتطوير الجيش، وكذلك الأمر بالنسبة إلى كوريا الجنوبية التي تسعى للمبادرة بنفسها أكثر بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية، رغم اتفاقيات التعاون الثنائي الموقعة عام 1950 مع اليابان، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، والهند.

خمس دول من بين 28 دولة في حلف الشمال الأطلسي قامت بزيادة الإنفاق العسكري بنسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين زاد الإنفاق الروسي والصيني إلى أكثر من 30% من الناتج المحلي الإجمالي، والولايات المتحدة الأمريكية خفضت الإنفاق إلى خمس ما كانت عليه في الماضي، وهو مؤشر لا يعكس التراجع في النوعية والعدة والعتاد بالنسبة للحلف الأطلسي، إلا أن التمدد الجغرافي للروس والصينيين يجعل المستقبل مخيفًا أمام أمريكا في الهيمنة على العالم عسكريًّا، خاصةً مع التهديد النووي من كوريا الشمالية، وهو ما أفقد الهيبة أمريكا الهيبة في أكثر من مرة.

يشير الملف إلى وجود استبداد وتضييق على الحريات والصحافيين في روسيا والصين، ويعود هذا لاتفاق شنغهاي قبل عشرة أعوام لمراقبة المجتمع المدني، وفرض شروط وإجراءات رادعة من الحكومات، ويقول الكاتب إن الدول الآسيوية والتي تعرف تقدمًا ملحوظًا تشجع تنمية السلطة على حساب المجتمع؛ خوفًا من الثورات الملونة مثل التي حدثت في أوروبا الشرقية مع انهيار جدار برلين، تحت رعاية أمريكية، بحسب بعض المراقبين.

وخفضت أمريكا وأوروبا من ميزانيات دعم الديمقراطية، وحقوق الإنسان منذ عام 2009، وأدرجت الدراسة إحدى النقاط المتفق عليها بين أمريكا والصين حول مجالات تغير المناخ، وضرورة التعاون الدولي للحد من ظواهر الاحتباس الحراري، والتأثير في المناخ، كما قامت سابقًا إدارة بوش بالتعاون مع الصين لمواجهة تهديد أنفلونزا الطيور، وإدارة أوباما تعاونت معها كذلك لمواجهة فيروس زيكا.

ويتحدث معد الدراسة عن وهم انهيار النظام نيو ليبرالي الذي تقوده أمريكا بحسبه، كما زعم الفلاسفة والسياسيون سابقًا، ويتطرق إلى العولمة ومساهمة التكنولوجيا في ذلك، لكنه يؤكد أن التكنولوجيا تساهم في تسريع التغيير في اتجاهات أخرى، وليس باتجاه الانهيار المزعوم، واعتبر أن تطور تقنية وسائل الإعلام هو تهديد للحكومات المستبدة، وفي صالح النظام النيوليبرالي العالمي القائم.

ويختتم مايكل غرين دراسته بالقول إنه على الأمريكيين التوحد من أجل الصمود، والاستمرار في قيادة العالم، وتعزيز ذلك من الداخل، كما يوجه نداءً إلى ضرورة تشكيل قيادة الأمريكي للعالم بعيدًا عن الاستحقاق الانتخابي، والجدل الديمقراطي الجمهوري، بالإضافة إلى تحديث جهود الدفاع والأمن، وتشجيع التجارة الحرة، والتمكين للمؤسسات الأمريكية في الخارج، والدعم الدولي للجهود الديمقراطية، ومعايير الحرية والانفتاح.

خمس سنوات من الحرب.. هل ستواصل روسيا دورها في سوريا؟

مديرة برنامج أوراسيا في المركز، أوليغا أوليكر، اشتغلت على الملف السوري، وقدمت نظرة أمريكا إلى هذا الملف الشائك، والذي حوّل بلدًا إلى دمار، لن يتمكن من العودة إلى واقع 2010 في أقل من 35 سنة من الآن، حسب تقديرات الهيئات الدولية، وتتابع الكاتبة العلاقة بين أمريكا، وروسيا منذ ثلاث سنوات، أين تم السيطرة على شبه جزيرة القرم من قبل العساكر الروس، وضياع أوكرانيا في الفلك السوفيتي الجديد.

وتقول أوليكر إن الكرملين يركز على سياسة خارجية تهتم بالمكانة، وضرورة تكسير هيبة واشنطن أمام الرأي العام الدولي، ويعتمد بوتين على قاعدة «إذا اردت ان تكون قويًّا، يجب أن تكون قويًّا بالمقارنة مع الآخرين». وما دام أمريكا هي القوة الأولى في العالم بعد الحرب الباردة، فمن الطبيعي أن تصبح هي المؤشر والمعيار أمام روسيا الجديدة في تجسيد هذه القاعدة.

وبالرغم من أن التدخل العسكري الروسي في سوريا كان مفاجئًا، إلا أنه عمّق من أحداث العنف في المنطقة، وأنقذ نظام بشار الأسد من السقوط، ولعل هذه الاندفاع العسكري والتوسعي في أوكرانيا وسوريا جعلها تعزز من مكانتها، وتكتسب ثقةً أكبر مقارنة بالدور الأمريكي في نفس المناطق المذكورة.

بالنظر للمعاناة الاقتصادية، وتراجع مداخيل النفط بسبب انهيار أسعاره في الأعوام الأخيرة، بالإضافة إلى العقوبات المفروضة من الاتحاد الأوروبي بعد الأحداث الأوكرانية، وفق اتفاقيات منسك، ترى الكاتبة أن السلوك الروسي يفسر على أنه مغامرة إنقاذ الوضع باستعادة القوة العالمية، والاستثمار في التردد الأمريكي. ولعل تصريح ترامب بخصوص القوة العسكرية الأولى في العالم، والدعوة إلى سباق نحو التسلح، جعل بوتين يسخر من المكانة الأولى التي تروج لها أمريكا عالميًّا، ويشكك في قدرة الأمريكان.

وتقول الكاتبة: «عندما تتأخر الولايات المتحدة خطوة إلى الوراء، ترى روسيا ذلك ضعفًا، وعندما تتقدم واشنطن خطوة إلى الأمام، ترى موسكو ذلك تهديدًا»، وهي العقيدة التي يتحرك وفقها نظام بوتين مع كل سلوك، أو موقف أمريكي في منطقة نفوذ وصراع أمريكي روسي.

والمتابع للأمر مؤخرًا يدرك أن أمريكا غادرت مناطق الصراع، خاصةً في الشرق الأوسط، وتم تسليم هذه المناطق لقوى إقليمية صاعدة، والملف السوري أصبح بيد الروس كقوة جامعة للطرفين الإيراني، والتركي المتصارعين على النفوذ هما الآخرين. وأصبحت عقود وصفقات الغاز والثروات والمنفذ البحري على الأبيض المتوسط خيارات جاهزة لنظام بوتين بعد حتمية التدخل العسكري لإنقاذ الأسد من السقوط الوشيك.

وتستند ميليسا دالتون رئيسة برنامج الأمن الدولي في المركز، إلى تراجع الدور الأمريكي، لعدم رغبة إدارة باراك أوباما في تكرار تجارب أفغانستان، والعراق، والصومال في سوريا، كما أن هذا البلد لم يكن في التاريخ القريب خيارًا إستراتيجيًّا، ولا يمثل أهمية قصوى في التقارب الدولي، بل كانت تعتبر دولة مهمشة، وضمن المحور المعادي.

منذ 1949 وهو عملاق نائم.. كيف ينبغي النظر إلى صعود الصين؟

الملف حول الصين، هذا العملاق النائم يتسم بتداخل الاقتصاد، والطاقة، والهيمنة، والصراع حول النفوذ خارج القارة الآسيوية، شارك في إعداده ثلاثة خبراء ومتخصصين، وهم: كرستوفر جونسون المستشار ورئيس مؤسسة فريمان للدراسات الصينية، وفيكتور شا كبير مستشاري الرئاسة في كوريا الجنوبية وخبير الدفاع والأمن الآسيوي، بالإضافة إلى إيمي سيرايت مستشارة ومديرة برامج ومبادرات شرق وجنوب آسيا.

يقول كرستوفر جونسون إن النفوذ الجيوسياسي والاقتصادي للصين يسير بوتيرة معتدلة منذ زمن قريب، وإذا نجح هذا المسار سنشهد تحولًا في التوزيع العالمي للقوة، لم يحدث من أواخر القرن التاسع عشر، أي بعد هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية وانفرادها بالعالم. ويضيف كرستوفر بعد سؤال حول مدى هيمنة الصين على الجغرافيا السياسية في آسيا، بأن تحول الصين إلى قوة اقتصادية أولى لن يكون قبل 10 إلى 15 سنة مقبلة، وإذا حدث سيكون معناه لأول مرة منذ القرن التاسع عشر أن يصبح للاقتصاد العالمي زعيم غير ناطق بالإنجليزية، وغير غربي، وغير ديمقراطي، بحسبه.

ويتنبأ كرستوفر بأن هذا المسار لن تظهر نتائجه الآن، وإنما بعد ثلاثين سنة من الآن، وفق الثلاثة عقود التي خلت، وكانت فيها الصين تصارع العالم الغربي ببطء، كما أن التحديات السياسية والأمنية للصين كبيرة، وعويصة، ولا تتوافق مع التطور الاقتصادي الذي يحتاج إلى بيئة سياسية وديمقراطية جيدة للاستمرار في التفوق، كما سيكون لديهم تحدٍ لصياغة إطار إستراتيجي عملي لتوجيه الثروة المتزايدة في البلاد.

وتقول إيمي سيرايت إن جيران الصين في جنوب شرق آسيا يُعتبرون وقودًا لنهضة الصين، وهذا أمر مفروغ منه، حيث كانت هي الأخرى أحد أسباب ودوافع القفزة الاقتصادية للنمور السبعة الصاعدة، وهو ما يعود على المنطقة بالازدهار والتعاون في العيش الكريم للمواطنين هناك، وفي الجهة المقابلة تعتبر هذه الدول المجاورة مصدر قلق لكلا الطرفين؛ لوجود صراع هيمنة وتداخل للدورين الصيني والأمريكي باستقواء كل طرف على الآخر.

وفي سؤال حول تزايد الاهتمام بالمصالح الدفاعية لبكين، واستخدام النفوذ بالاشتراك مع الولايات المتحدة بشأن قضايا متعددة، مثلما هو الشأن في مكافحة الإرهاب، والتفاهم حول المناخ، يقول جونسون إنه مندهش من استغراب الكثير لتحركات الصين، فهي قوة عالمية، ونشاطها بالخارج محدد وفق إستراتيجية قوة عالمية جديرة بالاحترام، خاصةً وأنها تستثمر في التجارة الدولية والصناعة خارج آسيا، وفي الأمن والطاقة. فالغريب أنها تهتم بالمصالح الحيوية في قارات كأوروبا، وأمريكا، وأفريقيا.

ويضيف جونسون بأنه يجب على إدارة ترامب إلقاء نظرة فاحصة على أسلوب وكيفية صياغة اقتراب العلاقات بين أمريكا والصين، مع ضرورة التركيز على آليات إستراتيجية في الاندماج الحقيقي ضمن نظام عالمي يخدم الطرفين، وتشاطر سيرايت الرأي بأن الصين تزداد قيمتها في الأسهم الإقليمية والعالمية لتوسع مصالحها، ومشاركتها للنشاط الدفاعي، والدبلوماسي.

وكمثال تستثمر الصين بكثافة في القوات البحرية، وتعمل على تحويلها إلى قوة ساحلية قوية، قادرة على إدارة العلميات عن بعد وعبر المحيطات، وقامت الصين ببناء القدرات البحرية والنفوذ في البحر الصيني وخارجه، والمساهمة في الجهود البحرية العالمية، والإشراف على محاربة القرصنة في منطقة القرن الأفريقي منذ عام 2008، وهناك تدريب مشترك بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يعني توقع تعاون عسكري مشترك في الفترة المقبلة، تحقيقًا للمصالح المشتركة كذلك.

ويُقر فيكتور شا وفق استطلاع للنخب في المنطقة قام به المركز، أن كل بلد مجاور مقتنع بريادة الصين للعالم اقتصاديًّا خلال العشر سنوات المقبلة، في حين يبدي هؤلاء قلقهم وعدم ارتياحهم من وجود نفس البلد كقوة سياسية وعسكرية مهيمنة؛ بل ويعتبرون الولايات المتحدة الأمريكية عامل استقرار، وتستحق القيادة السياسية لشعورهم بالأمن طيلة العقود الماضية.

وتطرق شا إلى التعاون الروسي مع الصين، ليس بسبب أنها تميل ولو من بعيد للماضي الشيوعي في الفكر، وإنما لأن الهدف واحد بالنسبة للدولتين، وهو إسقاط أمريكا وإبعادها عن ريادة العالم، ومن يصنع سياسة النظام العالمي في الاقتصاد، والعلاقات الدولية، والأمن. كما تحدث عن تحويل الصين الجزر الاصطناعية إلى ثكنات عسكرية، وتهديد ومضايقة السفن الأمريكية، خاصة مع خبر اختطاف الصين لغواصة أمريكية بالبحر الصيني، في إطار السيطرة على المنطقة الجنوبية.

وتحاول الصين، حسب الكاتب، فرض وصايتها ووظيفتها في مراقبة ومتابعة تحركات ما يجري في الجنوب، إلا أن السياسة الأمريكية ترغب في الحفاظ على العمل التقليدي في فرض التوازن الإقليمي بين الصين، وحلفائها في المنطقة، مثل اليابان، وكوريا الجنوبية، والهند، وهو ما تعترض عليه الصين، وتفرض قيودًا على الحريات الملاحة البحرية، وتنفق على القدرات العسكرية من أجل التحكم في الوضع أكثر.

وشبه الكاتب بحر الصين الجنوبي بمنطقة جزر الكاريبي في محاول إضعاف دور كل واحد منهما، وتحاول الصين مضاعفة عملها التجاري في منطقة البحر الصيني أكثر مع الجيران، وهذا كسلوك تكتيكي يهدف إلى عزل الدور الأمريكي، في حين تحاول إدارة الصراع بعيدًا عن الصدام، والدخول في نزاعات ثنائية مع حلفاء أمريكا، والتوجه للصدام مع الولايات المتحدة مباشرة في سلوك إستراتيجي، حسب شا، دائمًا.

ولا يحاول كبير المستشارين في الرئاسة الكورية، تصنيف الصين على أنها هي من يدير كوريا الشمالية، بل يصفها بالشريكة الأساسية في قطاعات اقتصادية عديدة، أهمها المواد الغذائية، والتعاون الاستخباراتي، لكنها تؤدي دورًا قيمًا في الضغط على بيونغ يانغ، وفي تجنب المخاطر النووية، والتجارب الباليستية. وهو ما لا يمكن للولايات المتحدة الأمريكية القيام به بمفردها؛ نظرًا للقطيعة الموجودة بسبب البرنامج النووي، والعقوبات المفروضة على نظام كيم.

ويلفت الكاتب النظر إلى شعارات الرئيس شي جين بينغ التي يشبهها بالشعارات الماركسية في أوروبا، كالحلم الصيني، وإعادة الإمبراطورية الصينية إلى الواجهة، كما تخطط الصين لاستعادة الدور الإقليمي الرائد في عام 2049، وهو ما تعتبره أوليكر خطرًا وتهديدًا للمصالح الأمريكية، وللسياسة الخارجية، بالنظر إلى القوة التي اكتسبتها الصين مؤخرًا، والطموح غير المعلن منذ عقود من الزمن.

اضف تعليق