ثقافة وإعلام - أدب

السور

حين أوشكت جذوة الأيام أن تنطفئ في فناء دارنا، القمتها أمي جسدي الغض، فتهلل وجه أبي، وإنسرحت فوق خديه، دمعات فرح، سرعان ما جففتها ريح السهوب والبراري المحيطة، التي غدت مرتعاً للّصوص والطارئين الذين، صاروا، يستبيحون حرمة دارنا كل ليلة، يلجون كالثعالب، من ثقوب حيطانها المتداعية أمام طرقات الزمن .. في اقتحامات اللصوص المتكررة، يحدث عادة، أن (ينفلج) رأس أمي، فتغط في غيبوبة، وبينما ينشغل أبي في البحث عن خرقة يشد بها الرأس، تنسكب أثناء ذلك أشكال، غريبة منه، تجعل أبي يقف كالمصلوب والخرقة بيده، يتأمل تلك الاشكال التي تتشيأ متبارقة في المكان، عندها، ينهي اللصوص مهمتهم وينسلون عائدين من الثقوب، التي تسبقهم للخروج منها، تلك الاشياء المتبارقة في الظلام، وحين تصحو، تحدث أبي كالعادة عن حلم غريب لا يعرفون تفسيراً له.

قال أبي وهو يطوق خصري، حابساً قدمي اللتين أخذتا تتهجيان أبجدية المشي بين ثنايا الدار .. ((أمرح)) ! .. ثم راحت عيناه، تطاردان فرخ العصفور الذي أفلت من يدي، وأخذ يتعثر في الفضاء، ثم حط على الحائط .. أخذت أتفرس بوجه أبي الذي بللت خدي دموع عينيه، فيما راحت يده تتحسس هدأة أنفاسي، وقال كمن يحدث نفسه : ((كم ينبغي لنا من الوقت لنرتق فتوق بيتنا ؟ .. وكم ينبغي لجسدك أن يعب من السنين ليتدرع من أوجاعها الاتية ؟)) .

كانت أمي تسجر التنور، حنت رأسها وقالت بتبرم عبارة، سحلت رأس أبي الى الاسفل، ثم أستدركت تقول : قد يطير العصفور ولايأتي .. حينها شد عليَّ أبي وانا في حضنه، ثم رفعَ رأسه بتأمل فراغ السماء الصامتة.

* * *

كان صوت رئيس العمل، يؤذن للشمس بالطلوع كل يوم، حين يدوي في مكان التجمع، فتنسحب من أعيننا ذيول النوم، لتختبئ بين طيات البطانيات التي نركنها أكداساً في الخيام، وننسل كالقطط، نقف جماعات يلفح وجوهنا برد الصباح، نتلقى الأوامر ..

كان وجهه يوحي بصرامة الأوامر الصادرة اليه، وباعتداد، قال :

ــ لابد من أكمال السور هذه المرة، وقبل المدة المقررة ! ..

حين تفرقنا، كان جبين الشمس يلثم باستحياء خطوط السور الذي راح يرتفع قليلاً عن الأرض، حاملاً آهاتنا وأوجاعنا التي نودعها بين طياته كل يوم، ووراءنا كانت المدينة، تفرش جناحيها كطائر عملاق يحلق منخفضاً في الأفق البعيد، تستيقظ في الصباح الباكر على أصوات نداءاتنا التي تنقلها اليها نسمات الغبش ..

قال لي مشرف مجموعتنا :

ــ مالك أين سارح ؟ ..

تعثرت الكلمات في فمي ..

ضحك وقال :

ــ الوافدون الجدد، عادة مايصابون بنوبات سهو، لكنهم سرعان مايعتادون ... قلت :

ــ أحتاج الى إجازة ولو ليوم واحد .

هز رأسه وقال : سأحاول .

كانت كلمات أبي الأخيرة، التي قالها قبل ان أعود تحفر في رأسي، وأحس اللحظة أن يديه تطوقانني، ربما أشتاق لتقبيلي، وربما أنا الذي إشتقت اليه ! ...

ــ ((كف عن الكلام، فلو أردت أن تفرغ مافي رأسك، لما كفاك الليل كله، دع الولد ينام سيعود غداً)) .. قالت أمي وهي مستلقية على فراشها، مولية وجهها صوب الحائط قبل ان تنام .. أخرج أبي سيجارة أخرى وقبل أن يستأنف كلامه، كانت عيناي قد التصقتا بالحائط، أتطلع في الصورة المعلقة عليه ... كان واقفاً ببدلة الميدان، بدا ممتلئاً، غارقاً بأحزمة الرصاص، وبرغم الإصفرار الذي إجتاح الصورة، بدت علامات الزهو واضحة في عينيه، وظهرت خلفه يسار الصورة امرأة شابة بملابس (شاميَّة) فضفاضة، وورائهما مخيم طويل، ونساء وأطفال متحلقون عند أطرافه، حول عجلة مؤونة يحملون أوان مختلفة كانت المرأة تتطلع اليه وعلى وجهها ابتسامة حزينة هادئة .. كان يقول لي : أن أمك لم تفرح بعودتي قدر فرحتها بالملابس التي جلبتها من هناك .. قلت : إنهن النساء .. يضحك .. نفث دخان سيجارته وقال :

ــ أبدوا الآن أفضل، العلاج الأخير كان ممتازاً .

ــ هل أجلب لك منه المزيد ؟ .

ــ لا أريد أن أكثر من تناول الدواء، وعندما أشعر بحاجة إليه سأخبرك .

ــ هل كنت تشتاق الى أهلك هناك ؟

ــ من حسن حظي أنكم لم تولدوا بعد، آنذاك، كنت أشتاق الى أمك فقط ، .. يضحك، حتى يوقفه السعال .

ــ ثم ماذا ياأبي ؟ ..

أطرق طويلاً .. كان الليل من حولنا، يسرد حكايته، فيتسرب الينا هسيس أصوات متناشزة، وحين نصيخ السمع، يوغل الليل في صمت مطبق، تتعثر فيه صدى كلماتنا المتسربة في الظلام، عندها تغيب عينا أبي تبحثان عن أجوبة لأسئلتي الساذجة، فيحدثني عن يوم الخندق وحصن خيبر، ثم عن سور الصين وحرب طروادة، وعلى الرغم من أنه لايعرف الكثير عن هذه الأمور، لكنه كان يسهب في حديثه عنها .. حاولت أن أكرر سؤالي، لكنه سبقني واستطرد يقول : المدن إناث أسوارها ملابسها، تزينها وتسترها، وحين تتعرى، تستباح، حنى رأسه وأجهش بالبكاء ...

ــ دعه ينام .. قالت لي أمي .. احتضنته ورحت أمسد أكتافه وظهره، كانت عظامه ناتئة وجسده نحيلاً، قبلته وألصقت خدي بخده، فاختلطت دموعه بدموعي، ساعدته على ان يتمدد على الفراش، وقبل أن يأخذه النوم، قال : حين تشتاق اليَّ أطلب إذناً بالمجيء)) .

كنت أسحل خطواتي في الظلام، تحاصر رأسي صور عديدة، وأنا أسير جنب المشرف، متوجهاً نحو رئيس العمل والسؤال يتردد حائراً في خاطري .. هل حصل مكروه لأبي ؟ .. ولم تراني إشتقت اليه لهذا الحد ؟ ..

ــ كلنا مشتاقون لرؤية أهلنا، فهل يصح أن نذهب جميعاً ؟ .. قال رئيس العمل ..

ــ لقد تركت والدي مريضاً، وأخشى أن يكون أصابه مكروه .. ، تأمل وجهي ملياً وقال:

ــ هل تعرف أن علينا إنجاز السور قبل أن تكتسحه العواصف والسيول مثل كل مرة ؟..

قلت بسذاجة:

ــ لقد مرت سنين طويلة، والمدينة بلا سور !

أطرق رأسه ثم خذ يخربش على الطاولة، باصبعه، وقال :

ــ كنا نعمل على خرائط مستوردة .. لم تراع ظروف المناخ عندنا .

أحسست بالخجل لغفلتي وطأطأت رأسي، لكنه استدرك يقول :

ــ حسناً، يوم واحد فقط، أليس كذلك ؟ ..

قبل ان أغفو، نال الأرق مني، كنت أستعجل الصباح لأذهب، لكن سطوة الليل دستني مثل خرقة بين طيات الفراش .. دارنا تعج بالنسوة، كن متراصات على بعضهن، حتى خيل لي أني أرى كتلة سوداء، سقطت من السماء .. حين أقبلت وقفن ورحن يتطلعن بوجهي ..

ــ ماذا ؟ .. قلت بصوت مرتجف ..

صرخن خائفات وبصوت واحد قلن :

ــ ألا ترى ؟ .. وأشرن بأصابعهن الى جهات دارنا الأربع .. تاهت نظراتي تطارد اتجاهات الأصابع، رأيت أفواجاً من الملثمين يحيطون بالدار، متوثبين للدخول من الثقوب، تسلقت لأقف على الحائط إلاّ أني سقطت، وقبل أن أصل الأرض تلقفتني يد أبي، كان قد جاء مسرعاً، أحتضنني، أجهشت بالبكاء في حضنه، كان قوياً، ممتلئاً ببدلة الميدان ذاتها، غارقاً بأحزمة الرصاص، حين أخذ يمسد رأسي ويمسح دموعي، رأيت تلك المرأة بملابسها الفضفاضة، تتطلع اليَّ من بين النساء شعرت بالخجل وتظاهرت بعدم المبالاة .. وجوه النسوة، غائمة في بحر من التساؤلات واللغط يزداد في دارنا .. اللصوص مازالوا في أماكنهم كنت أراهم من ثقوب الحيطان، وشيئاً فشيئاً أخذوا يقتربون، كان أبي قد تسمر في مكانه كالوتد وعينا المرأة مازالتا تترصداني، أخذت أنتزع سلاح أبي وعتاده حتى غصت بأحزمة الرصاص وأثقلت ظهري بعدته الحربية، أحسست كأني أحمل جبلاً، هممت بالتقدم نحو اللصوص، واستنفرت كل قواي لكن ثقل الحمل أرهقني، وأبي مايزال ثابتاً في مكانه ..

حين داهم اللصوص دارنا، صرخت بقوة منادياً أصحابي، التفتّ فرأيت المرأة واقفة في الفراغ بيني وبين أبي، تردد صدى صيحاتي، وعندما همّت أن تندفع خلفي قبعت الريح بثوبها الفضفاض فشف عن ثقوب عديدة توزعت جسدها .. كنت أصرخ بقوة، وصوتي يجلجل في المكان، كان يختلط بصياح أصحابي، ودوت عاصفة من الهتاف الممتزج بالرعب، إجتاح ليلتنا، كان الإعصار فيها مرافقاً للسيول الجارفة التي أتت على السور الفتي، والسماء تزمجر برعد مجلجل وبرق يعري أمامنا للحظات حجم الكارثة .. أمسكنا بعضنا، وعيوننا تاهت، تتابع أثناء البرق انحدار الأخاديد التي حفرتها السيول، بعد أن اكتسحت أمامها كل شيء متجهة نحو المدينة، تزبد في حلكة الظلام كوحوش ضارية طوحت بخيامنا وآلياتنا وعدتنا، بمعاولنا ومجارفنا وسنيننا التي دفناها بين طيات السور، ثم أخذت تلتهم البيوت والمدارس والمآذن وتقتلع الأشجار، وراحت تتلوى بين الشوارع والأزقة والساحات، فتهاوت أعمدة الكهرباء، لتواري أعينها المفقوءة في ظلام الصمت الذي لفّ المكان، فتنادت الناس مشدوهة، تتراص على بعضها، تتطلع الى السماء التي أخذت تعلو بها أصوات التكبيرات المتحشرجة .. بعدها اندفعت كتل الغمام الاسود تتلوى كأفاع خرافية تسوقها ذيول الريح لما هدأت السماء واستكانت الأرض الفائرة ...

.. كنت أستوقف من يلاقيني، أسأل عن بيتنا، عن أبي دون أن يجيبني أحد، كانت خطواتي تسحل خلفها سنيناً طويلة .. انتبهت الى طفل صغير يقف حافياً، متكئاً على أحد الحيطان تهفهف الريح بثوبه (المقلَّم) بدا كما لو أنه ينتظر أحداً، اقتربت منه تطلع بوجهي، وقبل أن أسأله قال لي :

ــ (( وصلت ! )) ..

أحسست بأني أطوّح في السماء، وتناهبتني مشاعر غريبة كان انا .. أنا الصغير، لما هممت باحتضانه قال : عليَّ أن أمضي، أمامي مشوار طويل، ثم اختفى .. طفقت كالمجنون أصرخ في أثر الطيف الذي توارى .. أبي .. أبي ..

كانت أمي وحدها، واقفة، متلفعة بعباءتها مولية وجهها صوب الشمس التي أخذت ترفع أغشية الليل عن المدينة، حين اقتربت منها، التفتت نحوي وغلف وقفتنا صمت ثقيل، حنت رأسها، وهمست بكلمات لم أفهم منها شيئاً، وقريباً منها حط عصفور ألقى قربها غصناً صغيراً، ثم طار وراح يرتفع في الفضاء، أخذت أتجول بين بقايا بيتنا، ووسط الأكوام المتناثرة عثرت على الصورة، كانت قد سقطت وانكسرت، فغدت نصفين أحدهما يحمل أبي وقد غمرته الأوحال والثاني يحمل تلك المرأة بابتسامتها ذاتها، تنظر الى فراغ ولما أدرتها نحوي، اصدمت عيناها بعينيّ، أحسست لأول مرة أن عينيها ذابلتان، بدت كأنها تنظر لي، أعدت الصورة الى وضعها الطبيعي بعد أن مسحت الأوحال عن أبي .. التفت، فلم اجد أمي، خرجت أجري فلاحت لي نهاية الزقاق والى جانبها المراة التي في الصورة، ذات الملابس الفضفاضة نفسها، تسيران معاً، وتتحدثان عن أبي وعن السور وأشياء أخرى، ومن خلفهما وأمامهما تسير الناس زرافات ووحدانا، تسلقت نخلة عالية حتى جللني سعفها اللاهث في الفراغ فاصطدمت نظراتي بكتل بشرية تمشي بصمت، تخرج من البيوت والأزقة الى الساحات والشوارع ثم تتجه نحو مخارج المدينة رجالاً ونساءً شباباً وشيوخاً، صبية وأطفالاً، المدينة كلها خرجت، تحمل المعاول والمجارف والفؤوس بعضهم تعلق بسيارات حمل وجرافات كبيرة وصغيرة، وبعضهم الآخر ظل يمشي، يتكيء الضعيف على القوي في رحلة غريبة لم أشهد مثلها من قبل، ثم بدأت الجموع تنتشر حول المدينة، تتزاحم في سباق محموم نحو مكان السور الذي سرقته العاصفة الهوجاء، كنت أنظر اليهم وهم يتوزعون، وهم يهزجون، وهم يبكون وهم يغنون، وهم يهتفون مؤلفين سوراً هائلاً في طقوس احتفالية، أمتزجت فيها مشاعر متداخلة اجتاحت تلك الكتل البشرية التي راحت تؤدي طقوسها هناك باطمئنان!!.

اضف تعليق