قبل البدء بصلب موضوعنا عن السينما وقدرتها على صياغة الهوية المعرفية والثقافية للمجتمع، لابد من التعريف بهذا الفن المؤثّر، حيث تُعرف السينما (بأنها بيت الصور أو مسرح الصور، وهي صناعة التصوير المتحرك وعرضه للجمهور عبر شاشات كبيرة في دور العرض، أو على شاشات أصغر (التلفاز والحواسيب). ويعدّ الفن السينمائي وتوابعه من إخراج وتمثيل واحدا من أكثر أنواع الفنون شعبية. ويسميه البعض الفن السابع مشيرين بذلك إلى فن استخدام الصوت والصورة سويّة).

هناك أنواع من الفن السينمائي، فمنها ما هو أقرب للمسرح، ويشمل أفلام الحركة والدراما وغيرها من الأفلام التي تصور أحداثا خيالية، أو تعيد أحداثا حدثت بالفعل في الماضي، تعيدها عن طريق التقليد بأشخاص مختلفين وظروف مصطنعة.

وهناك الفن السينمائي الوثائقي، الذي يحاول إيصال حقائق ووقائع تحدث بالفعل بشكل يهدف إلى جذب المشاهد، أو إيصال فكرة أو معلومة بشكل واضح وسلس أو مثير للإعجاب.

انطلقت البداية الأولى للسينما على أساس اختراع التصوير الضوئي، وإن كان ابن الهيثم هو المؤسس الأول لمبادئ علم البصريات، فإن ليوناردو دافنشي هو واضع مبادئ علم البصريات الحديث، ونقرأ في التعريف بهذا الفنان في معجم الفن السينمائي:

إنه عبقري إيطاليا العظيم وفنانها، ولد بمدينة فنسي بالقرب من فلورنسا عام 1452، وتوفي بفرنسا في 2 مايو 1519 ومن بين أهم أعماله العديدة دراساته في مبادئ البصريّات والغرفة المظلمة، وابتكاره لطريقة عمل الرسوم أو الصور، ثم إمكانية عرضها بعد ذلك. كانت هذه الطريقة هي الأساس الذي قامت عليه صناعة التصوير الفوتوغرافي وفن التصوير السينمائي.

بعد هذه المقدمة، هناك سؤال يُثار بين حين وآخر حول مدى قدرة السينما على رفع أكداس الجهل من فوق العقول، وفتح نوافذ المعرفة والثقافة للمجتمع، وإمكانية نشر القيم الجيدة عبر الأعمال السينمائية الهادفة التي تُعرَض على الناس، فهل هذا الفن قادر فعلا على صياغة هوية ثقافية متميزة ومثمرة للمجتمع، أم أن هذا الكلام والتوصيف الخاص بالسينما عارٍ عن الصحة؟

تجارب سينمائية كفاحية متميزة

السينما كما قرأنا في المقدمة تقدم لنا في أفلامها قصصا وحكايات وحوادث مختلفة، منها تاريخية وأخرى خيالية (أفلام الخيال العلمي) ومنها الأفلام الواقعية التي ترصد تجارب المجتمعات المختلفة في المجالات كافة، وقد ترصد هذه الأفلام تجارب شخصيات (عبقرية) أو متميزة تهدف من خلالها إلى تقديم هذه التجارب بتفاصيلها لكي يستفيد منها الناس في تطوير تجاربهم الخاصة.

الذي نقصده بأن السينما قادرة على صياغة هوية ثقافية متطورة وجيدة للمجتمع، يتم من خلال (السينما الرسالية) الهادف التي تُعنى بالتطوّر المعرفي والثقافي للإنسان، وليست السينما التي تنهمك في تقديم أفلام وأعمال سطحية هدفها الربح المالي أولا وأخيرا، وتكوين جمهور ذا تفكير سطحي لا تشغله في الحياة سوى المتع الصغيرة والفكاهة البائسة الخالية من الأهداف الكبيرة.

إذًا نحن نتفق على أن السينما الهادفة يمكنها بناء حزمة من القيم الأخلاقية النموذجية في المجتمع، وبإمكان الأعمال الفنية السينمائية أن تقدم للناس معارف وعلوما وتجارب مختلفة، تصنع منهم عقولا متميزة متطورة ومنتجة، ونعني هنا السينما العالية بمضامينها ورسالتها، وليس السينما الربحية الهابطة التي تنشر الأفكار السطحية، وتسيء لعقول الناس وأذواقهم وتزيد من جهلهم وبقائهم في حالة من التدهور الأخلاقي والفكري.

هنا يُطرَح سؤال يفرض نفسه علينا، ماذا نفسّر الإهمال الذي تتعرض له السينما في المجتمع؟، ونكرر أننا نقصد هنا السينما الرسالية الهادفة؟، ألا يدخل هذا الإهمال المتعمَّد في باب زيادة تجهيل عقول الناس للسيطرة عليهم والتحكم بهم من قبل السلطة لحماية نفسها وامتيازاتها؟

السينما والأنظمة المستبدة

هل وجدتم سينما ناجحة هادفة في مجتمع يقوده نظام سياسي مستبد، أو فاسد؟، بالطبع لا يمكن أن تزدهر الأعمال السينمائية في بلدان تقودها أنظمة دكتاتورية أو فاسدة، والسبب أن السينما الجادة تفتح طرق المعرفة والثقافة للناس، وهذا يتعارض مع أهداف الأنظمة الفاشلة التي تسعى إلى زيادة تجهيل الناس أكثر فأكثر.

فالسينما يمكنها من خلال الأفلام والأعمال الفنية الواقعية أو التاريخية، أن تقدم للناس تجارب كفاحية ناجحة في مجالات عديدة، ويمكن لهذه الأعمال أن تعلم الناس كيف يكونوا متميزين أخلاقيين مثقفين متنورين فاعلين، ومساهمين بقوة في بناء مجتمع متطور مستقر منتج ودولة قوية ذات شأن كبير بين الدول.

متى يمكن للسينما أن يكون لها دور فاعل في صناعة الهوية الثقافية والأخلاقية للمجتمع؟، الجواب: يمكنها ذلك عندما تبادر الجهات ذات الصلة بالاهتمام بالسينما وليس بإهمالها.

وأخيرا لابد من الإشارة إلى ما يحدث في العراق تجاه هذا الفن المتميز، فالسينما في العراق مهملة، والأسباب واضحة، وإذا كان الساسة يتقصّدون هذا الإهمال للأسباب التي تم ذكرها، فهل هناك أعذار للجهات المدنية (القطاع الخاص، الأثرياء، منظمات المجتمع المدني، المنظمات الثقافية)، هل لهذه الجهات عذر في إهمال هذا الفن الذي يمكن أن يرتقي بالمجتمع ويصنع له هوية ثقافية أخلاقية متميزة؟

اضف تعليق