إنسانيات - علم نفس

لماذا نتقمص؟

التقمص هو احدى الآليات الاشعورية النفسية التي تدفع الانسان الى نسخ جانب او عدة جوانب او خاصية او صفة من شخص اخر، ويحاول ان يتحول بموجبها الانسان الى شخص شبيه ذلك النموذج المتقمص وبذا تنصهر شخصية الفرد الحقيقة في قالب شخصية اخرى، ولا ندري هل تمنحنا هذه العملية النفسية البحتة القوة الحقيقية بأن نكون آخر من حيث لا ندري؟، ام انها اصطناع لموقف تنقشع اثاره بعد ان يفطن احدنا لما يقوم به بفعل تأثير هذه العملية النفسية؟

في التقمص يسعى الفرد لان يجعل من نفسه على صورة غيره وهذا يستند الى اللاشعور حتماً فيجد الفرد نفسه مطبقاً لخصائص شخصية الاخر القريبة الى نفسه وتشمل هذه الخصائص السلوك والافكار والانفعالات العاطفية، واول محاولة يقوم بها الفرد خلال مرحلة الطفولة هو تقمص شخصية احد والديه.

مؤسس مدرسة التحليل النفسي (فرويد) اثار مفهوم التقمص لأول مرة في علم النفس في عام 1897، وربطه بالأمور التي تتعلق بمرض أو وفاة الوالدين، والاستجابة لمعاقبة النفس بصورة هستيرية، واعتبره ليس سوى نمط من التفكير يعبر عن أنانية في الحصول على كل السمات والصفات الإيجابية الخاصة بالآخرين.

وقد ثبت ان هوية الانسان الذاتية هي عبارة عن نتاج عمليات التقمص بالآخرين، والتقمص يبدأ من الشهور الاولى من حياة الانسان حيث يبدأ الطفل بتقمص شخصية بطل قصة معينة شاهدها في التلفاز ويحاول ربط القصة مع قصة مشابهة من واقعه مع اختلاف الواقعين، لكن بيئة الفرد وتربية هي الفيصل في تقمص الانسان لشخصية ناجحة وذات اثر طيب ام شخصية فارغة وجوفاء كحال الكثير من ابطال الافلام الخياليين.

وبالتقمص يقلد الاطفال من دون وعي صفات وحركات والديهم ويبدأون في ربط أنفسهم بسلوك والديهم ونسخه وهذا يحدث بسبب الارتباط العاطفي بين الطرفين وسيطور الطفل من نفسه بصورة فائقة بحيث يصبح يشابه القيم الأخلاقية والكلام والحركات التي يعيش بها الوالدين حياتهم، والجانب غير المريح لعملية التقمص هو قيام الاطفال بأدوار لا تناسب اعمارهم مما يسبب خلل في سلوكهم ناتج انعدام الوعي بالمرحلة العمرية التي هم فيها.

وللتقمص عدة اشكال وهي: اولا التقمص النرجسي وهو احد صنوف التقمص التي تحدث بعد ان يفقد الانسان شيء ما، فالتقمص النرجسي يعد من اولى المراحل التي يكون فيها الانسان ذاته او شخصيته بالاعتماد على نفسه وهي عبارة عن ردة فعل ارتدادية يقوم بها الانسان انتصاراً لنفسه لكي يثبت لمن حوله ان قادر على التخطي والاعتماد على النفس بعد الخسارة، اذا يدخل الفرد في صراع مع ذاته ومع محيطه رغم ان هذا الصراع ليس معلناً الا انه يتضح من خلال سلوكياته وانفعالاته.

ثاني انواع التقمص هو التقمص الجزئي الذي يبنى على التصور والخيالات حول صفة خاصة لشخص اخر، وبالتالي محاولة تمثيلها بجودة ومثالية حتى يظهر بمظهر القائد او البطل، على سبيل المثال تتشابه عضلات الصبي الصغير مع العضلات القوية لصبي جاره الأكبر سنًا، يساهم هذا الشكل من التقمص في تطوير الشخصية اذ انه وفق هذا النوع يحاول المتقمص اختيار الصفة الاكثر مقبولية لدى المجتمع في لدى شخص معين ويحاول تقليدها وبذلك يتم تشكيل الأنا المتزنة لدى الانسان من خلال التعرف على المجموعة والاستفادة من إيجابيتها، من خلال هذه الرابطة المشتركة يتحول الشخص شخصاً منافساً من اجل التطوير وفي العادة يكون هذا النوع التقمص اكثر مقبولية وترحيب ولا يعد عيباً او منقصة على فاعله.

اما النوع الاخير من القمص فهو التقمص العاطفي الذي يرى فيه فرويد انه الطريق لتحديد الوسيلة التي تقودنا لمسار من التماثل عن طريق التقليد إلى التعاطف، أي فهم الآلية التي يمكننا من خلالها اتخاذ أي موقف على الإطلاق تجاه حياة عقلية أخرى، وهذا الضرب من ضروب التقمص لا يراعى فيه العقل بل تحكمه العاطفة بعيداً عن كون السلوك المتقمص على صواب ام على خطأ وبعيداً عن اثره ودواعيه.

وفي الختام نود الاشارة الى ضرورة التفرقة بين التقمص والتقليد والمحاكاة، فالتقمص هي عملية نفسية لا ارادية تمارسها النفس البشرية الى الحد الذي يجعلها تندمج داخلها دوافع واتجاهات وسمات خاصة بشخص أخر، اما التقليد فهو سلوكاً واعياً ارادياً يمارسه الفرد ويكون نتيجة للتعلق العاطفي لأحدنا بشخص اخر قريب منه نفسياً.

اضف تعليق