المواقف الحياتية التي تشكل بمجموعها الحياة العامة للفرد وما تتركه هذه المواقف من ضغوط نفسية قد تربك الوضع النفسي له، تجعل من الحديث مع النفس بمثابة النافذة التي من خلالها يمكننا التخلص من بعض انواع الشعور المزعج.

ولأن الانسان كائن اجتماعي لا يقوى على العيش وحيداً وليس بمقدوره ان يكتم كل اسراره ويتعبه العيش تحت ضغط طويل لذا يلجأ إلى الحديث مع الأشخاص المقربين له ان كانوا موثوقين حتى يمكنه تخطي كل العقبات والظروف التي تقف أمامه ويتغلب على الأشياء التي تحزنه او تسره.

وحين لا يجد الانسان من يأمنه على سره او من لا يقدر حجم المشكلة التي يعاني منها او ربما لا يتعاطى معه بجدية فان ذلك يلزمه اللجوء الى نفسه للتغذي من مكنونها الكبير الذي يمنحك القوة بلا مقابل او منية او حساسية وبدون افشاء سر او نقل عيب فيك كنت قد افشيته في حال تحدثت لصديق او زميل عمل او اخ في ساعة ارتباك وتعب نفسي.

الحديث مع النفس بصوت عال او امام المرأة او عند استلقاءك في فراشك يمكن أن يكون إيجابيا أو سلبيا وذلك يتوقف على الواقع الذي يعشيه الفرد ونوع الخبرات التي يتلقاها (حسب الموقف).

يعتقد الكثير من الناس حين يرونك تحدث نفسك انك اصبت بالجنون وقد يراك الاهل انك تعاني من مرض نفسي لو ظفروا بك تكلم نفسك ولكن هذه الاعتقادات خاطئة بالمطلق، فجميع الأطباء النفسيون أكدوا أن التحدث مع النفس أمر صحي للغاية، وله الكثير من الفوائد التي تعود على الإنسان بالنفع والايجابية من خلال التنفيس الانفعالي الذي يحدثه ذلك التحدث.

مع اقتحام التكنلوجيا لحياتنا في المجتمع العراقي بشكل مفاجئ صرنا نعيش في العالم الافتراضي ساعات طويلة من اليوم يضاف اليها الالتزامات الاخرى اليومية وماتخلف تلك الالتزامات من ارهاق وعدم امتلاك الوقت للتواصل مع المحيط بسبب عدم تنظيمنا لوقتنا او لكثرة انشغالاتنا، صار السؤال والتواصل مع الاصدقاء من خلال الهاتف او في لقاءات متقطعة بين فترات متباعدة، مما جعلنا اكثر اختلاء بذواتنا، فصرنا نتفقد الى من نفضفض اليهم همومنا ومشاريعنا ومخططاتنا.

ويصنف المتحدث مع نفسه على انه شخص عقلاني واعي ومتزن، فحديثك الى نفسك يمنحك فرصة ترتيب افكارك التي تدور في خلجك خصوصاً مع ازدحام الافكار وتداخلها مع بعضها سيما عند حالات الغضب وهو ما يساعد في احتواء الموقف ومنع حدوث ازمة.

والنفسيون يرون ان التحدث مع النفس دليل كفاءة الشخص العقلية وارتفاع نسبة ذكاءه بالمقارنة مع اقرانه في العمر او المرحلة الدراسية، ويسهم ايضاً على توسيع خيال الفرد مما يجعله اكثر تطلعاً وتخطيطاً للحياة والنتيجة هي النجاح في الجوانب الدراسية والمهنية.

يؤدي الحديث مع النفس الى التحفيز على الانجاز واعطاء دفعات للذات من اجل إبعاد الأفكار السلبية التي تحبط النفس، وبالتالي تشعر بالسعادة وأنت تقوم بالأمر الذي حددته مسبقا.

ويساعدنا الحديث مع النفس من تخفيف الكثير من الضغوط النفسية الفرد فكبت المشاعر والاحاسيس والهواجس هي من تؤدي الى اصابة الانسان بالأمراض النفسية كالعزلة الوحدة والاكتئاب وضعف الثقة بالنفس وغيرها، والاشخاص اللذين يتحدثون مع انفسهم بقصد محاسبتها ومرجعة تصرفاتها وسلوكياتها لا لومها هم اشخاص منضبطين ومحترمين لذواتهم.

ويمنح الحديث مع النفس ثقة كبيرة للأفراد ويصنع من شخصياتهم شخصيات قوية لا تهزم حيث يصبح الانسان مواجه لنفسه بنفسه ومصحح للأخطاء التي ارتكبها وهذا الامر ليس سهلاً فلا يقوم به إلا شخص قوي واثق في نفسه.

كما يمكن حديث الانسان مع النفس الفرد على التخلص من الطاقة السلبية التي تفرض عليه من المحيط وبالتالي تنشط لدية روح التفائل والامل وينشط خلايا المخ وينشط الذاكرة ويرفع من مستوى اداءها، ثم ان الشخص المتحدث مع نفسه يتقبل الانتقادات الموجهة اليه بصدر رحب فلا يبرر موقفه حتى ليقتنع الطرف الاخر.

نخلص الى ان حياتنا اليومية هي مجموعة صور وافكار ومشاعر تستحضر في عقولنا اثناء العمل او عند الاسترخاء في حوض السباحة او المطبخ او غير ذلك، وهذه الافكار تتحول الى حديث مع النفس وهو ما يسميه علماء النفس بالـ(الحديث الداخلي) الذي يتحدث الافراد فيه الى انفسهم الى خطط ومشاريع تطبق في الواقع، بذا يؤدي الحديث مع النفس دوره في منع اعتلال الصحة النفسية للفرد وبالتالي سلامة ورزانة سلوكيات الافراد ومن ثم المجتمع.

اضف تعليق


التعليقات

محمد علي
مع تقديري للآراء العلمية الواردة، اعتقد أن مجرد اعتقاد الانسان بجدوائية الحديث مع نفسه، وبصوت عال من شأنه ان يقطع الجسور خلفه للتواصل مع الآخرين، حتى أقرب المقربين، ولن يجد حاجة لهم، بينما العكس صحيح، نعم؛ الحديث الصامت مع النفس هو المجدي كما علمنا القرآن الكريم ومنهج أهل البيت، عليهم السلام، والحديث يتنوع الى: محاسبة، لوم، مراجعة، تأمل، تحفيز، تحذير وغيرها. وشكراً2021-07-27