بين الانقسام السياسي الحاد والمواجهات العسكرية والحروب الإعلامية، يبدو الصحافيون في ليبيا عالقين بين المعارك على الجبهات وانحياز الجهات التي يعملون لحسابها لهذا الطرف أو ذاك ما يعرضهم لخطر أعمال انتقامية، وأدت المواجهات التي اندلعت مطلع 2019 في جنوب العاصمة إلى تفاقم الانقسامات...

(أ ف ب) - بين الانقسام السياسي الحاد والمواجهات العسكرية والحروب الإعلامية، يبدو الصحافيون في ليبيا عالقين بين المعارك على الجبهات وانحياز الجهات التي يعملون لحسابها لهذا الطرف أو ذاك ما يعرضهم لخطر أعمال انتقامية، وأدت المواجهات التي اندلعت مطلع 2019 في جنوب العاصمة إلى تفاقم الانقسامات، وتتنازع سلطتان على الحكم في ليبيا هما حكومة الوفاق الوطني المتمركزة في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة، وحكومة موازية في الشرق مدعومة من البرلمان المنتخب وقوات حفتر.

في كل من بنغازي (شرق) وطرابلس (غرب)، تتواجد وكالة أنباء وتلفزيون حكومي وصحف تحمل الاسم نفسه وكل منها ناطق باسم السلطة التي يمثلها، وتواجه قنوات ليبية تبث من خارج البلاد وأسسها رجال أعمال وأحزاب سياسية، وسط اتهامات لدول محددة ببتمويلها لمناصرة طرف على حساب آخر.

وقال محمد الناجم المدير التنفيذي للمركز الليبي لحرية الصحافة (غير حكومي) لوكالة فرانس برس "بسبب استمرار النزاعات منذ 2014، يعاني الصحافي في ليبيا من عزلة عن ممارسة مهامه بشكل طبيعي".

وتحدث عن "32 حالة اعتداء في طرابلس وضواحيها" على صحافيين، مشيرا إلى أن "كل حالة عنف على الأرض" تزيد من "استهداف الصحافيين خاصة مع تصاعد الخطاب الإعلامي"، وأضاف أن "وسائل الإعلام خاصة التي تبث من خارج البلاد ضالعة إلى حد كبير في تصعيد خطاب العنف والكراهية، لتغذي بشكل كبير أعمال العنف على الأرض وبالتالي يكون صحافيوها معرضين للخطر".

ترهيب

أشار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في نهاية الشهر الماضي، إلى استمرار تعرض الصحافيين في ليبيا "للترهيب والاحتجاز التعسفي"، وأكد في تقريره حول ليبيا أنه منذ بداية العام الجاري، سجلت بحق الصحافيين حالة قتل غير مشروع واحدة وأكثر من عشر حالات اعتقال وتعرض صحافيان للسجن في شرق البلاد.

من جهتها، ترى الصحافية الليبية جيهان الجازوي أن "الصحافي والمؤسسة يتحملان جزءا كبير من المسؤولية، نظرا لانحيازهما لطرف دون سواه وتبني مواقف سياسية"، وأوضحت الجازوي التي تعمل في مؤسسة "الوسط" الإخبارية الليبية المتمركزة في القاهرة "على الصحافي عدم اتخاذ مواقف سياسية والامتناع عن إعلانها خصوصا في الوضع الشائك في ليبيا، لأن ذلك سيساهم في تأجيج الصراع وإذكاء حدة الانقسام".

وأوضحت أن "العديد من مؤسسات الإعلام تعمل بهدف سياسي، وبالتالي يتعرض صحافيوها للخطر"، وتحتل ليبيا حتى الآن مرتبة متأخرة جدا في حرية الصحافة وفق التصنيف العالمي. وقد جاءت في المرتبة 162 في تصنيف العام 2019، وأكد صهيب الخياطي مدير مكتب شمال أفريقيا في "مراسلون بلا حدود" في التقرير الأخير أن "وسائل الإعلام الليبية تواجه أزمة غير مسبوقة بعدما أجبرت الفصائل المتنازعة الكثير منها على الاصطفاف طوعا أو قسرا"، وأشار أيضا إلى "استعمالها للدعاية"، مؤكدا أن "أطراف النزاع تتحول إلى أداة رقابة على الإعلام"، وطالبت "مراسلون بلا حدود" السلطة الموازية في شرق البلاد التي تمتنع عن منح تراخيص للصحفايين من دون أسباب، بتقديم توضيحات بخصوص إصدارها أوامر بحظر 11 قناة تلفزيونية. كما ترفض منح تصاريح للصحافيين لتغطية المعارك من جانب القوات الموالية لحفتر.

أرقام مفزعة

من المؤسسات الإعلامية التي صدر قرار منع بحقها بداعي "تبرير الارهاب" و"تهديد السلم الأهلي"، مؤسسات ليبية تبث خارج البلاد، وأبرز حادثة في هذا المجال، اعتقال الصحافيين محمد القرج ومحمد الشيباني من طاقم قناة "ليبيا الأحرار" من قبل قوات حفتر في آيار/مايو الماضي أثناء قيامهما بتغطية الوضع في جنوب طرابلس. وقطع الاتصال بهما لقرابة شهر قبل الإفراج عنهما اثر ضغوط قبلية.

وحاولت فرانس برس التواصل مع صحافيين تعرضوا اعتقال تعسفي أو اعتداء، لكنهم رفضوا الظهور خوفا على سلامتهم، ووصل الأمر ببعض الصحافيين الناشطين عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى تعطيل حساباتهم عقب تعرضهم للاعتداء، وحتى تغيير أرقام هواتفهم وعناوين إقاماتهم، ما يعكس حقيقة المخاطر التي تواجه عمل الصحافي في ليبيا.

من جانبها، أبدت حكومة الوفاق الوطني حرصها على تذليل كافة العقبات أمام الصحافيين الليبيين والأجانب الراغبين في تغطية الحرب جنوب طرابلس، وقال عبد الفتاح مهني مدير إدارة الإعلام الخارجي بحكومة الوفاق، إن "أكثر من 150 صحافيا أجنبيا دخل إلى العاصمة منذ بداية الحرب وعملوا بحرية". وأضاف "حرصنا على تقديم تسهيلات تامة لهم، لنقل الصورة للعالم بشأن حقيقية العدوان على طرابلس".

وحول المخاطر التي تهدد عملهم، قال "مهمتنا تقتصر على منحهم كل التراخيص ولكن عملية سلامتهم في مواقع الاشتباك تقع على عاتقهم"، وأعلن المركز الليبي لحرية الصحافة في تقريره السنوي للعام 2018 - 2019 الذي حمل عنوان "صحافيو ليبيا، طريق مليء بالمخاطر والعُنف"، أن 83 اعتداء طال إعلاميين ووسائل إعلام. وتمثلت هذه الاعتداءات بالقتل العمد والإخفاء القسري والاعتقال التعسفي والتعذيب، فضلا عن الضرب والاحتجاز والملاحقة القضائية، وأوضح المركز أن طرابلس وبنغازي ومصراتة تحتل المراتب الأولى بين المدن التي سجل فيها العدد الأكبر من الاعتداءات، ومن أبرز حوادث استهداف الصحافيين مقتل موسى عبد الكريم مصور صحيفة محلية في تموز/يوليو 2018 بمدينة سبها جنوب البلاد، ومقتل محمّد بن خليفة مصور وكالة أسوشيتد برس مطلع 2019 في طرابلس.

ودفعت المخاطر التي تهدد الصحافيين المركز الليبي لحرية الصحافة إلى إطلاق تجريبي لتطبيق هاتفي يحمل اسم "كُن شاهدا" من أجل "التبليغ عن حالات الانتهاكات التي يتعرض لها الصحافي"، كما قالت وئام العالم منسقة الأنشطة والمشاريع في المركز.

وأوضحت لفرانس برس أن "فكرة التطبيق تعود إلى 2016 (...) مع فترة النزاعات وارتفاع وتيرتها، بادرنا بالإسراع في إنهائها"، مشيرة إلى أن أي صحافي ومن خلال "التبليغ الآمن عن الانتهاكات عبر التطبيق يحذر زميله من موقع حدث فيه انتهاك وبالتالي يتجنب الذهاب له".

اضف تعليق