ناقش مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث في ملتقاه الشهري موضوعا تحت عنوان: (الشباب والمواطنة.. المشاركة في الانتخابات طريقاً) وذلك في مقر مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام ضمن ملتقى النبأ الاسبوعي بحضور عدد من الباحثين والأكاديميين والإعلاميين، الذين شاركوا في الإجابة على السؤالين التاليين:

السؤال الأول: هل ستفرز الانتخابات العراقية المقبلة خارطة جديدة للقوى السياسية؟!

السؤال الثاني: كيف للشباب ان يقتنع بأهمية دوره بالمشاركة في الانتخابات وبالتالي تحديد مستقبله؟

وقد قدم الباحث في المركز محمد علاء الصافي ورقة حول الموضوع جاء فيها:

يشهد العراق في الأيام القليلة المقبلة، انتخابات استثنائية مبكرة غير مسبوقة، جاءت بعد عاصفة من الاحتجاجات الشعبية الواسعة، أطاحت بحكومة عادل عبد المهدي واجبرت البرلمان على تغيير قانون الانتخابات والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات.

تأتي انتخابات العاشر من تشرين الأول 2021، لتصحيح مسار العملية السياسية في العراق والتي وصلت مرحلة الانسداد السياسي، جعلت هذه التراكمات النظام السياسي أكثر هشاشة وانعدام ثقة الجمهور فيه عبر مقاطعة كبيرة للانتخابات السابقة، متبوعة باحتجاجات شعبية واسعة وسط دور فاعل وبارز للشباب، يفرض علينا البحث عن مقاربات أخرى لوصف مأزق الدولة في العراق وتداعيته في المستقبل القريب والمنظور.

يذكر المفكر الأمريكي صامويل هنتنغتون في كتابه (النظام السياسي في مجتمعات متغيّرة) بأن النظام السياسي -في جانب منه- يعتمد العلاقة بين تطوير المؤسسات السياسية وحراك القوى الاجتماعية الجديدة، وإن مشاكل عدم الاستقرار السياسي تؤدي إلى التقويض التدريجي لسلطة الحكومة وفاعليتها وشرعيتها، لأنها نتاج للتغير الاجتماعي السريع الذي يعبر عنه الفاعلون الاجتماعيون الجُدد في مجال السياسة، يقابله تطور بطيء في المؤسسات السياسية.

الكثير من البلدان الناشئة يكون المجتمع السياسي فيها مفتت، ومؤسساته ضئيلة السلطة، وسيادتها ضعيفة وجامدة لا مرونة فيها، ولا تمارس أنظمة الحكم حُكماً، وتحدث الفجوة السياسية عندما تُقابَل ديناميكية المجتمع بجمود النظام السياسي وإنسداده. ويحدث ذلك عندما يعجز النظام السياسي عن الاستجابة لمتطلبات الأجيال الصاعدة أو غالبية الشعب؛ لتحدث فجوة بين المجتمع والمؤسسات السياسية عندها يشعرون بالإحباط لأنهم يجدون أنفسهم غير قادرين على المشاركة السياسية.

ساهمت الحركة الاحتجاجية في العراق بتحريك مياه السياسة الراكدة في المجتمع العراقي، وافرزت أولاً، العديد من التجمعات والحركات والأحزاب الجديدة الناشئة للدخول للعمل السياسي ومحاولة تصحيح الأوضاع من داخل العملية السياسية نفسها بعد طرح أنفسهم كبديل عن الأحزاب القديمة، وثانياً تنظيم الحركة الاحتجاجية لتكون اكثر فاعلية.

القانون الانتخابي الجديد اعطى فرصة أكبر للأحزاب الجديدة ان تنافس الأحزاب القديمة التقليدية في دوائر انتخابية صغيرة، ربما ستقلل من سطوة الأحزاب الحاكمة ونفوذها خاصة في مركز المدن، شرط المشاركة الشعبية الواسعة.

في الوقت ذاته، هناك من يجد أن الاستمرار بأسلوب الاحتجاجات والاعتصامات في الشوارع او مخاطبة المجتمع الدولي هو الحل الأمثل لتغيير النظام السياسي وإصلاح أوضاع البلاد، لكن لا يرتكز هذا التوجه على منهجية واضحة وتنظيم اجتماعي او سياسي يخاطب الجمهور مبتعداً عن الواقعية.

ظلّ المسار السياسي في العراق منذ قرابة عقدين من الزمن يشكو من فساد كبير وديكتاتوريات مصغرة تعمل تحت شرعية مشكوك بأمرها أو مكتسبة نتيجة لظروف معينة، وأحزاب سياسية غير واضحة في نظامها الداخلي وهيكليتها التنظيمية ومصادر تمويلها وتطبيقها نهج الديمقراطية، وبالتالي إلى أين ستوصلنا السلطة الحالية التي تفتقد الرؤية الواضحة لبناء الدولة؟ وما هي الضمانات لتحقيق حياة كريمة للعراقيين وانموذجا صالحا للحكم؟

يتركز الرفض الشعبي للعملية السياسية برمتها في وسط وجنوب العراق بشكل كبير، وأن الجمهور الشيعي تحديداً وخلال الفترات السابقة نمت لديه ظاهرة "التمرد اللاشعوري"، بسبب أن السلطة وعلى مدى السنوات الماضية مارست الفساد والظلم بحق جمهورها، بل أنها أضاعت بوصلة بناء الدولة والحكم الصالح وجعلت جمهورها في حالة يأس وضياع نتيجة فقدان الثقة وغياب القدوة والكفاءة والروح الوطنية.

نشر حالة اليأس والإحباط وعسكرة المجتمع من قبل الأحزاب السياسية التقليدية، كانت له ارتدادات على الشباب العراقي خاصة جعلت منهم "عدميون" وفاقدين للأمل في الغالب، وأخطر ما قد يواجهه أي مجتمع هو وصول هذه الفئة والثروة البشرية الكبيرة لحالة اليأس والإحباط بدل تنمية قدراتهم واستثمارها لبناء البلد وتطوير اقتصاده المتهالك.

ولكي نكون منصفين لا يتحمل النظام السياسي الحاكم في العراق لوحده الوصول لحالة العدمية واليأس، بل ان حتى وسائل الاعلام وشركات الإنتاج التلفزيوني بدأت تركز على هذا التوجه وبثه باستمرار وهذا ما نراه مؤثراً في جميع انحاء العالم لكن بنسب متفاوتة بسبب اختلاف العوامل المؤثرة الأخرى.

ولعلّ أبرز الصفات التي يشترك بها العدميون هي "احتقار الحياة والانعزال عنها"، ومن ثمّ فإن العدميّ يتصف بالتخلي عن اتخاذ أي موقف سياسي ولا يكفيه أن يحلم بالانتحار، بل يمتدّ به الخيال إلى أن يتمنّى لو أنّه لم يكن مولودا في الأساس!!

بكل تأكيد أن العمل والتوجه السياسي للشباب او مشاركتهم بالتصويت في الانتخابات، لا يعني ان الديمقراطية تحققت والمسار قد تصحح، بل ان العملية الديمقراطية تحتاج الى مؤسسات رصينة مستقلة ترسم مسارها بصورة صحيحة وقضاء عادل وتعليم على مستوى عالي وحفظ الحقوق والحريات وكرامة الفرد العراقي في كل مجالات الحياة، لذلك لا زلنا نرى ان الديمقراطية في العراق لا زالت بعيدة جداً عن الحد الأدنى للتمثيل الحقيقي للشعب العراقي.

لا نمتلك احصائيات دقيقة او رسمية عن توجهات الشباب السياسية، لكن لدينا ارقام أعلنت عنها مفوضية الانتخابات من فئة مواليد لها الحق بالتصويت في هذه الانتخابات وهي مواليد (2000-2001-2002-2003)، شرط أن تحدث بياناتها لعدم امتلاكهم بطاقات انتخابية سابقة، يقدر عدد هذه الفئة قرابة 2.5 مليون ناخب، كانت نسبة من حدث بياناته لا تتجاوز 13% في عموم العراق وهذا رقم سيء جداً للمشاركة السياسية للشباب في العراق يحتاج الى وقفة حقيقية.

التركيز على فكرة مقاطعة الانتخابات وإعادة تجربة انتخابات 2018 لا يؤدي بنا الى نتائج مغايرة، فمن غير المعقول ان يتم استخدام نفس الاليات والأفكار للوصول لنتائج مغايرة عن السابق!!

من خلال الاطلاع على التجارب التاريخية للأمم في مقاطعة الانتخابات، لدينا 26 تجربة فاشلة منذ عام 1991 وليومنا هذا، و5 تجارب ناجحة فقط، 4 منها بسبب القانون الذي حدد نسبة مشاركة للقبول بالنتائج وهذا ما لا يتوفر في القانون العراقي.

من غير المعقول أن تكون المطالبات للخلاص من قوى السلاح والفساد التي تمكنت من السيطرة على معظم مؤسسات الدولة عبر مقاطعة الانتخابات وترك الساحة لهم، لا نعيش في زمن المعجزات بكل تأكيد!

النخب السياسية الشيعية لا زالت تحكمها فجوة ذهنية كبيرة بينها وبين الجيل الجديد من جانب وبينها وبين النخب المستقلة من جانب آخر. بل أنها أصبحت عاجزة عن استيعاب السياسة الجديدة وفق متطلبات المرحلة والارتقاء بمستوى دور المشاركة والانفتاح والانتقال والقبول.

يقع على عاتق حركة الاحتجاج والمعارضة الشعبية والنخب الدينية والمثقفة مسؤولية كبيرة لإعادة الأمل للمجتمع العراقي وتحويل التوجه الاجتماعي نحو طابع مؤسسي، وتنظيم نفسها في شكل أحزاب وحركات تنخرط بهيئة كيانات سياسية وتجمعات جماهيرية منظمة واضحة الأهداف والرؤى وإعطاء نموذج جديد لبناء الدولة ومؤسساتها عبر الأساليب القانونية والدستور.

كما أن علاج الانسداد السياسي في العراق، يبدأ بتعزيز قوة الدولة وفاعليتها في فرض نفوذها على المجال العام، وكفاءة الدولة وقوتها تقاس الآن بقدرتها على فرض القانون وسرعة استجابتها لمتطلبات الجمهور. وهنا تحديداً يجب تعزيز النظام المؤسساتي وتطوير مستوى الإدارة السياسية على نحو يجعلها أكثر مرونة في الاستجابة للمطالب والحاجات المجتمعية. وهذه الخطوات وغيرها ليست بالمعقدة ولا بالتعجيزية، وإنما تحتاج بالدرجة الأولى إلى توفر الإرادة السياسية، وهي ما نفتقده في العراق حتى هذه اللحظة!

انتخابات بلا برامج ..

ترتكز الانتخابات في أي بلد يعتمد مبادئ الديمقراطية على أسس صحيحة وبرامج انتخابية واقعية ينفذها المرشح بعد فوزه بالانتخابات، وتكون هذه البرامج الانتخابية هي المعيار الوطني والقانوني والاخلاقي بصعود كفة هذا المرشح أو هذه الكتلة أو تلك، إضافة إلى عناصر المهنية والكفاءة والنزاهة في شخص المرشح وكتلته الانتخابية، وبالتالي فإن دعم المرشح من قبل الناس يكون على ما جاء في برنامجه الانتخابي وسلوكه السياسي وكفاءته، وهذه إحدى دعائم العملية الديمقراطية، يكون التنافس على أساس البرامج وليس لمحددات أخرى.

تشير التقارير إلى أن الانتخابات في العراق، بدأت تغيب البرامج السياسية عنها وتصعد مؤشرات أخرى منها ما يتعلق بشراء الذمم بفعل المال السياسي المستشري بين الأحزاب والكتل السياسية أو بفعل العنف والضغوط أو استغلال المواقع التنفيذية والبرلمانية من قبل المرشحين أو بفعل التركيز على عوامل التحشيد عبر استحضار الطائفة او الدين او الشخصيات السياسية او اللجوء إلى أبناء العشيرة والعمومة من باب "الفزعة" في إشارة إلى النصرة او الحماية التي ينتدبها أبناء العشائر في نصرة بعضهم بعضا في كثير من المناسبات بغض النظر عن معايير العدالة او الحق، إذ يرى مراقبون في شؤون الانتخابات أن البلدان العربية ذات النزعة العشائرية برز معها ما يمكن أن نسميه بشكلانية الديمقراطية.

إن البرامج الانتخابية لعديد من مرشحي الانتخابات البرلمانية يغيب عنها الاحتكام لخطط العمل والأفكار الجادة فيما يحاول المرشحون محاكاة الناخبون عبر التركيز على محددات النخوة العشائرية والفزعة.. الخ، وقد تدخل الدائرة الواحدة حرب باردة بين العشائر ذاتها إذا ما كان هناك مرشحون من قبائل أخرى فيكون الفيصل فيما بينهم هو أبناء العشيرة وتشير التقارير إلى أن الاصطفافات العشائرية باتت سمة أساسية في الانتخابات النيابية في العراق، حيث يحتكم المرشح وبعد ذلك الناخب للفزعة العشائرية فقط في عملية الانتخابات بغض النظر عن مؤهلاته وكفاءته وهو بكل تأكيد لا يخدم العملية الانتخابية وإفرازاتها في انتخاب مشرعين يصلحون واقع البلد ومشاكله الكثيرة.

في ضوء هذه المشاكل فإن قبل كل دورة انتخابية تقع المهمة الأساسية في وصول الأكفأ والأفضل والاصلح وانتخاب المرشحين على أساس البرامج الانتخابية الواقعية وليس لاعتبارات ضيقة او لمنطلقات حزبية او فزعوية، من هنا يفضل للناخبين تحديد عملية اصلاح الواقع السياسي عبر الخطوات الاتية:

1- المشاركة في الانتخابات والتصويت على أساس المرشح الأكفأ، وأن يكون الحكم في الانتخاب العقل والاعتبارات الوطنية وليس العاطفة او الاعتبارات الضيقة.

2- الانتخاب على أساس البرامج وليس على أساس اعتبارات مصلحية او طائفية او عرقية محددة، وهذا ما أشارت إليه القوى الروحية في المجتمع العراقي من ضرورة انتخاب الاصلح من بين المرشحين لتكوين دولة قائمة على أساس المواطنة ومصلحة الدولة العليا.

3- أفضل معاقبة للمرشحين الفاسدين او الذين يستغلون الدين او الطائفة او العشيرة هو بانتخاب الأفضل والأكفأ بغض النظر عن كتلته الانتخابية او عشيرته او حزبه السياسي او منطقته السكنية وان يكون الانتخاب للأفضل من الدائرة الانتخابية الذي تتوفر فيه العدالة والنزاهة وأن لا يكون اساء استخدام السلطة او اسرف على حساب المال العام.

المداخلات

تغيير قواعد اللعبة السياسية والانتخابية

الشيخ مرتضى معاش:

هناك عدة متغيرات على ارض الواقع ربما سينتج عنها تحول جديد في نتائج الانتخابات، لم يكن يتوقع الكثير حدوث موجة احتجاجات عارمة لم يشهد لها العراق مثيلا وبهذه الاستمرارية كما حصل في احتجاجات تشرين ومن غير المعقول ان تذهب كل هذه الفورة بلا أي تأثير على الواقع السياسي والانتخابات المقبلة على وجه الخصوص.

قانون الانتخابات الجديد ورغم بعض السلبيات المسجلة حوله، لكن من المتوقع انه سيحدث تغييرا على مستوى القوى السياسية التقليدية ويختلف عن جميع الانتخابات التي حدثت سابقاً.

ضعف الدور الإقليمي في المنطقة والعراق بالخصوص مع احتوائه من قبل المتغير الدولي سيكون له انعكاسات على الساحة العراقية وستؤثر على الانتخابات بشكل كبير، كما ان النظام العالمي يتجه نحو التغيير وتشكيل تحالفات جديدة مثل تحالف "اوكوس" ضد الصين.

ان جيل الشباب بعد 2003 يختلف عن جيل ما قبل ذلك الذي عاش الحصار والحروب مع ايران والصراع العربي الإسرائيلي وغزو الكويت، هذا الجيل الجديد عاش في فسحة من الحرية وقتال داعش وثورة تشرين. لذلك قد يكون لهم دور في صناعة مستقبل العراق وتغيير قواعد اللعبة السياسية والانتخابية، اما بقاء عسكرة المجتمع وتحويل الشباب الى أدوات عسكرية فقط فانه سيشعل الوضع ويتجه لمشهد عنف داخلي متصاعد وازمات لن تنتهي.

المشاركة الواسعة فقط ممكن قلب الطاولة

الدكتور خالد العرداوي:

من غير المتوقع تغير نتائج الانتخابات بشكل كبير عن الانتخابات السابقة، بسبب استمرار دعوات المقاطعة وحتى القانون الانتخابي الجديد أجده لا يعطي الفرصة للأحزاب والقوائم الجديدة إذا كانت المشاركة الشعبية ضعيفة.

الكيانات الجديدة منقسمة وغير متوحدة بالبرامج والاهداف وهذا جعل منهم كيانات لا تملك الفرصة للمنافسة.

وضع القانون الانتخابي الجديد لتقليل الأحزاب السياسية فيما بعد، لأنه يعتمد نظام الأغلبية ولن يخدم المرشحين المستقلين والأحزاب الصغيرة ويميل للكتل الكبيرة التي تمتلك الخبرة والسلطة، وبالمشاركة الواسعة فقط ممكن قلب الطاولة وإيجاد كيانات سياسية جديدة وهذا ما نراه غير متوفر حالياً.

الشباب العراقي اليوم للأسف الشديد مشتت وغير منظم وغير مقتنع بأهمية دوره، والمشكلة التي يعاني منها الشباب اليوم بسببهم هم، لا يريد ان يقرر مصيره بنفسه بل تراهم يبتعدون عن اخذ دورهم بالبناء والتغيير ولا يقع اللوم هنا فقط على الطبقة السياسية.

عدم الاهتمام بالتعليم والمعرفة وابتعادهم عن اخذ دورهم في العمل السياسي والاجتماعي وهذا يعطينا تصور انهم يتسمون بالاتكالية والتشتت وعدم التوافق بينهم وليس لديهم قيادات واعية ومنظمة.

لا اعتقد ان يتكرر السيناريو المغربي او التونسي او الافغاني في العراق، وضع العراق مختلف تماماً والانقسام الموجود في العراق أصبح واقع حال.

دور الشباب في العملية الانتخابية

الباحث عدنان الصالحي:

من خلال قراءتنا للمشهد الانتخابي، نرى انها لن تخرج من خانة القوى السياسية الحالية ولكنها ستفرز وجوه جديدة وقوى جديدة تتصدر المشهد بعد ان كانت غير مؤثرة بشكل كبير، كهول السياسة ستكون على الهامش.

القانون الانتخابي وضع نظام الدوائر المتعددة وتم تشريعه وتمريره من قبل نفس القوى السياسية المتصارعة ومن المنطقي انها فكرت بالمعركة الانتخابية وكيفية استثماره في حينها، لذا هي تعلم كيفية الحصول على مقاعدها في البرلمان.

جزء من البرلمان سيكون معارض في هذه الدورة وربما قد يكون مجبراً بحكم عدم استطاعته المشاركة بتشكيل الحكومة او توسيع قاعدة تحالفاته.

دور الشباب في العملية الانتخابية يجب ان لا يكون ضمن فترة اختيارية او نقاهة، يجب عليهم المشاركة بقوة وتنظيم أنفسهم وان يكونوا الجزء الأهم والمؤثر في صناعة القرار من خلال اختيار ممثليهم او الترشيح والمشاركة واكتساب الخبرة والتجربة وهذا عمل تراكمي وقد يساهموا بالمساهمة بتشريع القوانين ومتابعة قوانين الموازنة وان يكونوا الصوت المؤثر فيها ولكن كل ذلك يحتاج للمثابرة والمتابعة.

صعود كيانات وممثلين مستقلين

الدكتور حسين السرحان:

يبدأ التغيير في العملية السياسية من تغيير القانون الانتخابي وهذا ما تحقق لدينا بتغيير قانون الانتخابات، لكن ليس بمستوى الدوائر المتناهية الصغر التي تحقق تمثيل حقيقي وعادل بينما القانون الحالي يصنف انه ذو الدوائر الانتخابية المتوسطة، ومن الممكن ان يغير من صورة الكتل السياسية داخل البرلمان ونجزم انه كلما كانت المشاركة الجماهيرية أوسع، ستحقق تغيير كبير بالأرقام لصالح القوى السياسية الجديدة مقابل الأحزاب التقليدية.

من المتوقع صعود كيانات وممثلين مستقلين للبرلمان وبسبب فقرة موجودة في قانون الانتخابات تمنع من التنقل بين الكتل السياسية، ربما سنشهد فترة مخاض طويلة قبل تشكيل الحكومة بسبب كثرة الكيانات والأعضاء المستقلين غير المرتبطين بكتل سياسية.

مر العراق بـ 3 تجارب انتخابية خلال عام 2005 وكانت المشاركة الشعبية فيها واسعة وحصل العراق على الدعم الدولي بشكل كبير، لكن مع تكرار الانتخابات مع احداث امنية سيئة عزز لدى الناس شعور عدم الاكتراث للانتخابات بسبب عدم حصوله على خدمات تليق به او توفير فرص عمل حقيقية او بناء القطاع الصحي والتعليمي بشكل صحيح.

الشباب تعتمد مشاركتهم على النظام السياسي نفسه، هي من يقع عليها المسؤولية بالتنشئة وفسح المجال امام الشباب لأخذ الفرصة واكتساب الخبرة والتعلم مع مرور الوقت.

عدم استثمار مخرجات ثورة تشرين

الحقوقي أحمد جويد:

على مستوى نتائج الانتخابات لا اعتقد سيتغير الشيء الكبير والمؤثر من حيث عدد المقاعد لكل حزب، ربما زيادة هنا ونقصان هناك بين نفس الكتل السياسية الحالية.

العراق لا يعيش بمعزل عن العالم وبسبب ظروفه والانقسام الداخلي الحاصل أصبح عرضة للتدخلات الخارجية وسيكون لهذه التدخلات دور مهم في عملية تشكيل الحكومة، حسب قوة وتأثير المحاور السياسية الخارجية في الداخل العراقي.

بسبب عدم استثمار مخرجات ثورة تشرين من قبل الشباب، وبقاء التشتت وتأسيس عدة كيانات سياسية دون أن تتوحد سياسياً وانتخابياً وانسحاب البعض الاخر نحو مقاطعة الانتخابات، جعل من توقعنا ببقاء نفس القوى السياسية امر واقع.

التنشئة الاستبدادية

الدكتور مسلم عباس:

في البدء علينا ان نتحدث عن التنشئة التي ينشأ عليها الشاب العراقي، اسريا واجتماعيا وتعليميا وسياسيا ونراها قائمة على الاستبداد وبعيدة جداً عن البيئة الديمقراطية السليمة.

الشاب العراقي في الغالب ينشأ في أسرة يكون خاضعا فيها للاب أو الأخ الأكبر ولا يملك حرية الفكر والقرار، ومن ثم يتوجه للمدرسة ليواجه نظام تعليمي قائم على التلقين يمارس فيه المعلم او الأستاذ الجامعي حتى أسلوب دكتاتوري الا ما ندر في طريقة التعليم، وهنا يتحول الشاب شيئا فشيئا الى شخصية خاضعة لا دور لها أو كيان يمثلها.

جميع الأحزاب السياسية في العراق لا نجد فيها انتخابات ديمقراطية وتغيير للكوادر والقيادات بل جميعها أحزاب تعتمد الرمز الدكتاتور او تعتمد على الوراثة وبكل تأكيد أصبح هنا النظام السياسي بالمجمل بعيد عن الديمقراطية ولا يحقق منها سوى الاسم.

سبات بسبب فقدان الامل

الباحث باسم الزيدي:

ما بعد الانتخابات نلخص ما سيحدث بالصراع على السلطة بشكل لا يختلف عن السابق.

حراك تشرين كان من المفروض ان يرسم المستقبل للشباب عبر مساهمتهم بالتغيير عبر تأسيس أحزاب او تجمعات منظمة يكون لها الشأن الكبير مع مرور الوقت، لكننا نرى ان الشباب تائه وبعيد عن صنع القرار وهمش نفسه بنفسه.

شيطنة الاحتجاجات وارتكاب الأخطاء مع مرور الوقت بالنسبة للناس جعل الدعم للاحتجاجات يقل بشدة.

الطبقة السياسية لم تتعامل مع المطالب الشعبية بجدية حتى اللحظة، وربما يتجه العراق لموجة احتجاجات مستقبلية اكبر مما حصل في تشرين او يدخل العراق في سبات بسبب فقدان الامل بالتغيير.

حوارات واسعة ومستمرة مع الشباب

الكاتب الصحفي علي الطالقاني:

ما يحدث في العراق يخضع لمعادلات الصراع الإيراني الأمريكي في عموم المنطقة، والصراع الايديولوجي له تبعاته حتى على سلوكيات الحكومة، فمثلا نرى ان الرؤية للدولة والشعب والمؤسسات اختلفت من فريق العبادي الى فريق يعمل باتجاه مضاد هو عادل عبد المهدي، الى ان آلت لحكومة مصطفى الكاظمي.

ستشهد الانتخابات صعود وجوه جديدة في البرلمان، لكن لن تذهب بعيداً عن سلطة رؤساء الكتل وتدخلاتهم.

دعم مشروع بناء الدولة وتطوير مؤسساتها سيعيدنا باستمرار الى خيارات اقل سوء، مشاركة المؤسسات الدينية والمنظمات بهذا المشروع مهم جداً ويحتاج منهم نزول للميدان وقراءة حقيقية للواقع من اجل المساهمة بانتشال البلد مما هو فيه.

هناك فقدان للثقة من قبل الشباب وبنسبة عالية في النظام السياسي، كذلك التوجه العام للشباب نراه ناقم ورافض للتدخلات الإيرانية بالدرجة الأولى وكل ما يرتبط به على الساحة العراقية، وفي الوقت ذاته مشروع شيطنة الشباب كان من نفس القوى السياسية المستهدفة ساهم جميع ذلك بفقدان الثقة والتقاطع الكبير.

تأثير الاعلام ومواقع التواصل جعل النسبة العالية من الشباب تتجه عكس التيار المحافظ مما ولد تنافر بينهم وبين الأحزاب الدينية السياسية بشكل كبير.

لذللك نحن بحاجة الى حوارات واسعة ومستمرة مع الشباب حتى لا تحدث قطيعة ويكون لهم دور في العملية السياسية، ما موجود في العراق من تجربة ديمقراطية تختلف عن دول المنطقة يجب المحافظة عليه وتطويره لا هدمه.

اعداد مشاريع

الناشط مهيمن الموسوي:

يتوقف حجم القوى السياسية على نسبة المشاركة الفاعلة من الجمهور المستقل الطامح للتغيير وانتخابه للكتل السياسية الجديدة، التي سيكون للكتل الفائزة دور فاعل في احداث تغيير بالخارطة السياسية بناء على رؤية سياسية واقعية.

لابد للأحزاب الجديدة ان تتبنى مشاريع ببرنامجها الانتخابي تعبر عن تطلعات الشباب وطموحهم والسعي لتحقيق غاياتهم المنشودة من خلال اعداد مشاريع تعبر عن احتياجاتهم، والذي سيساهم في تعزيز المشاركة السياسية الفاعلة من الشباب.

فرصة الكفاءات المستقلة

الدكتور اسعد كاظم شبيب:

تكتسب الانتخابات البرلمانية التي ستجري أهمية كبيرة ليس كونها ستمثل مرحلة سياسية لمدة اربعة أعوام وإنما تعد اول انتخابات مبكرة تجري بعد التغيير السياسي في العام 2003 والخامسة على مستوى الانتخابات البرلمانية، كما انها أقرت بعد حراك شعبي يعد الأقوى من نوعه ضرب المشهد السياسي في العراق وكان له تداعيات كبيرة.

وتجري ايضا في ضل قانون انتخابي جديد بموجب قانون رقم9لسنة 2020 وعلى أساس الانتخاب والترشيح الفردي، وهو ما سيخلق جو انتخابيا مختلفا لكن لا يكون التغيير كبيرا لما للقوى السياسية الكبرى نفوذ شعبي وهو ما يعطي لها الفرصة في حين ستتراجع اقوى نخبوية سلطوية كثيرا.

اما عن مشاركة الشباب فهم شأنهم شأن غيرهم من الشرائح الأخرى من أبناء المجتمع يشعرون باللاجدوى من المشاركة كون النتائج الكلية لا تختلف كثيرا عن سابقاتها وان فرصة الكفاءات المستقلة قد لا تكون كبيرة أو حتى قادرة على التغيير إذا ما فازت ودخلت إلى قبة البرلمان العراقي لأن المشكلة لا تكمن فقط في الشخوص الحزبية أو المستقلة وإنما في أس النظام السياسي وما ساده من عرف ما قبل الدولة.

مجتمع مدني وتحزبات جديدة وبديلة

الباحث حسن كاظم السباعي:

رغم ان الانتخابات المرتقبة كان يمكن أن تكون فرصة، ورغم أهلية العراق وشبابه ليكونوا قدوة لكل باحث عن العدالة والحياة الكريمة، إلا أن فقدانه لبعض الأسس قد حال دون ذلك. فلا فرق بين شباب اليوم والجيل الذي عاش في القرن الماضي وعايش الانتفاضات والثورات المطالبة بالعدالة والكرامة، فشباب ١٩٢٠ و١٩٩١ و٢٠١٩ و٢٠٢٠ هم نفس الشباب، والقمع والاستبداد ومصادرة الحقوق والحريات أيضًا لم تتغير رغم تبدّل الألوان والأدوار والدرجات. ‎أما الأساس المفقود فهو وجود مجتمع مدني يقدِّم المطالبات بدراسات دقيقة، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال تحزبات جديدة وبديلة عن الأحزاب ذات العُقد المتراكمة المتعطشة للمال والسلطة.

من هنا فإنَّ شباب اليوم حيث دخلوا مرحلة البلوغ والنضج لما سمعوا أو قرأوا خلال ١٠٠ عام من التجارب فاليوم فلا عذر لهم.. وعلى العراق أن يمضي قدمًا وهذه المرة بوعي ويقظة، في مواجهة الثالوث الذي حكم العراق المعاصر برموزه: "القمع البعثي، والتدخل الأجنبي، وخدع الأحزاب والقوى (الدينية)".. ‎فلا فرق بين زنزانات البعث وبين أرصدة بنوك الأحزاب والقوى (الدينية) التي صادرت حقوق الناس.

وبناءً على هذا الأساس؛ وحيث إن الأرضية خصبة لظهور مجتمع مدني جديد، يمكن رسم خارطة جديدة للقوى السياسية في العراق.

وأول خطوة هي الانتخابات المرتقبة؛ فرغم الاستطلاعات والتنبؤات التي تتحدث عن عدم وجود تغيير ملموس في الوجوه أو الأحزاب، إلا انه يمكن إحداث الإصلاح بعد مرحلة الانتخاب وذلك من خلال إخضاع الحزب أو الفرد المنتخب لمطالب الشعب، وجرّه للسؤال و الاستجواب عن كل ما يقوم به، وإشعاره بالمسؤولية التي لا يمكنه الافلات منها، وهذا هو الدور الأول المطلوب من جانب المجتمع المدني المتمثِّل بالأحزاب الجديدة المنشودة، وعليه ستكون المرحلة القادمة مقدمة أو تمهيد لحدوث التغييرات الكبرى في الدورة القادمة للانتخابات التي ستجري بعد أربعة أعوام.. فرغم ان العراق قد خاض تجربة طويلة خلال عمر الدولة الحديثة لكنه لا يزال أمام مشوار طويل، ورحلة الألف ميل تبدأ بالخطوة الأولى.

فرص الشباب واملهم بالانتخابات

الباحث جواد العطار:

الغاية من اي انتخابات هو احداث التغيير المنشود الذي يلبي تطلعات الجماهير بوصول ممثلين مناسبين قادرين على مواجهة تحديات الواقع والعبور بالناخب والوطن الى بر الأمان.

لكن ما يؤخذ على عموم الانتخابات في العراق بعد عام ٢٠٠٣، انها لم تأت بجديد بل هي اعادة تدوير وتبادل مراكز بين نفس الوجوه والقوى الموجودة بالساحة السياسية... بشكل بث الإحباط بين الناخبين من امكانية احداث التغيير المطلوب وهذا ما يفسر ضعف الإقبال والمشاركة في الانتخابات السابقة وبشكل تصاعدي.

ان انتخابات العاشر من اكتوبر المبكرة لن تأتي بجديد لغياب اي قوى جديدة في قوائم المرشحين الا ما ندر، وان القوى السياسية المخضرمة ستعيد الكرة وتفوز مرة اخرى. لذا فان صراع القوى السياسية الموجودة في الساحة ضيق من فرص الشباب واملهم بالانتخابات، ومع صراع نفس القوى اولا؛ وغياب امل التغيير المنشود ثانيا؛ قد نجد عزوفا عاما عن الانتخابات وخاصا من الشباب... لذا فان عملية إقناع الشباب بأهمية دورهم بالحياة السياسية وعبر صناديق الاقتراع وليس بالتظاهر عملية ليست بالسهلة ولن ترى النور في هذه الانتخابات على الارجح.

ان ميول الشباب نحو الحياة السياسية والمشاركة الديمقراطية يستلزم تنظيم أنفسهم في كيانات سياسية فاعلة جماهيريا مؤمنة بالعمل السياسي، وهذا لم يحدث ولن يحدث الا بعد فترة زمنية قد تتجاوز الانتخابات الحالية الى ما بعدها لغياب الإمكانات الفكرية اولا؛ والقيادة الميدانية ثانيا؛ والمال ثالثا؛ ووحدة الرؤية بين القوى الشبابية رابعا؛ وتشتتها خامسا.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2021
http://shrsc.com

اضف تعليق