حق الرأي والتعبير مصان مادام ضمن حدوده، وحدوده هي ألا يؤدي التعبير عن هذا الحق إلى انتهاك حقوق الآخرين أو حرياتهم، أو إلى التمييز أو العداوة أو العنف، فان حصل ذلك دخل في نطاق خطاب التحريض على الكراهية، أو تسبب في إحداث خلل جسيم في الأمن القومي...

يتكرر موضوع الاعتداء على المسلمين من خلال الاعتداء على كتابهم المقدس (القرآن الكريم) تارة، وعلى شخصية نبيهم (محمد صلى الله عليه وآله) تارة أخرى. ويحصل هذا الاعتداء عادة في بعض الدول الأوربية والدول الأمريكية المتقدمة، المسماة بـ(الديمقراطية) تحت غطاء (حرية الرأي والتعبير) كجزء من مبادئ حقوق الإنسان وحرياته.

فهل يعد الاعتداء على (الكتب المقدسة) جزء من حرية التعبير أم جزء من جريمة التحريض على الكراهية؟ وهل يعد الاعتداء على شخصية عظيمة، مثل شخصية نبي الإسلام (ص) جزء من ممارسة الإنسان حقوقه وحرياته أم جزء من الاعتداء على الحقوق الدينية والتراث المقدس للمسلمين؟ وماهي الآثار السلبية لجريمة التحريض على الكراهية الدينية؟ وماهي الإجراءات الملائمة التي ينبغي سلوكها للحد من تفاقم هذه الظاهرة؟

لم تترك الشرعية الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان خطاب (الكراهية والتحريض على التمييز) وعلى إلغاء الآخر دون معالجة، ولكن من المؤكد تماما أن حدود خطاب الكراهية تتداخل بطريقة أو بأخرى مع حق الحرية في التعبير، مما يخلق مشكلة كبيرة في تحديد أين تبدأ حدود التعبير وأين تنتهي، ومتى يتحول التعبير إلى خطاب كراهية، ولماذا منحت الشرعية الدولية الدول الحق بوضع قوانين تحدد، وفي حالات محدودة جدا حرية التعبير.

تعد حرية الرأي والتعبير أصل جميع الحريات التي تتصل بإبداء الآراء والأخبار والمعلومات وتلقيها والتعبير عنها بالوسائل المتعددة، ولذلك تندرج تحت رأي حرية التعبير حزمة من الحريات الأخرى ذات الصلة كحرية الصحافة، وحرية الإعلام، وحرية تداول المعلومات، والحرية الأكاديمية، وحرية الإبداع، والحريات الرقمية، والحق في الإضراب، والحق في التجمع (التظاهر والاعتصام.. الخ) والحق في التنظيم، ويتوقف ممارسة هذه الحريات على كفالة حرية التعبير ابتداء، لأنها أصل الحريات، التي إن انتقصت امتد هذا الانتقاص إلى سائر المنظومة، وحمايتها بموجب الدستور تعني حماية لهذه الحريات.

وفي هذا الإطار، تنص المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بشكل مباشر على الحق في حرية الرأي والتعبير، إذ أشارت إلى أن (لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت دون تقييد بالحدود الجغرافية، وسلكت المواثيق الدولية الأخرى المنهج ذاته في النص على حرية الرأي والتعبير كجزء أساسي من حقوق الإنسان وحرياته.

إلا أن هذا الحق مثل كل الحقوق والحريات ليس حقا مطلقا، بل هو حق مقيد بمجموعة من القيود لمصلحة ممارسة الحق نفسه، تارة من أجل عدم التعرض له ممن يريد انتهاكه، وثانية من أجل عدم استغلاله في الاعتداء على حقوق الآخرين وحرياتهم. فقد جاءت المادة (19) من العهد الدولي لتنص (الفقرة الأولى) منها على حق الإنسان في حرية الرأي والتعبير والإعلام، حيث نصت على (لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة) وتنص (الفقرة الثانية) من ذات المادة على أنه (لكل إنسان حق في حرية التعبير ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار، وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأي وسيلة أخرى يختارها).

أما (الفقرة الثالثة) من هذه المادة، فتذكر أنه (تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة (ح) من هذه المادة واجبات ومسئوليات خاصة، وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود، ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية: أ‌- لاحترام حقوق لآخرين أو سمعتهم‌ - لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة أو الآداب العامة. وحظرت المادة 20 من العهد (أية دعاية للحرب وأية دعوة إلى الكراهية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف).

وتناولت المادة (6) من مبادئ جوهانسبرج حدود القيود المفروضة على حرية الرأي والتعبير فيما يخص الأمن القومي حيث تنص على أنه (لا يمكن معاقبة التعبير كتهديد للأمن القومي، إلا إذا استطاعت الحكومة أن تثبت أن ذلك التعبير: يهدف لإثارة العنف الوشيك، ومن المحتمل أن يثير مثل هذا العنف. وهناك علاقة مباشرة بين التعبير واحتمال أو وقوع مثل هذا العنف.)

ووفقاً للاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري يعتبر (كل نشر للأفكار القائمة على التفوق العنصري أو الكراهية العنصرية، وكل تحريض على التمييز العنصري، وكل عمل من أعمال العنف أو تحريض على هذه الأعمال يُرتكب ضد أي عرق أو أية جماعة من لون أو أصل أثني آخر، وكذلك كل مساعدة للنشاطات العنصرية، بما في ذلك تمويلها، جريمة يعاقب عليها القانون).

إذن حق الرأي والتعبير مصان مادام ضمن حدوده، وحدوده هي ألا يؤدي التعبير عن هذا الحق إلى انتهاك حقوق الآخرين أو حرياتهم، أو إلى التمييز أو العداوة أو العنف، فان حصل ذلك دخل في نطاق خطاب التحريض على الكراهية، أو تسبب في إحداث خلل جسيم في الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة أو الآداب العامة.

وعلى الرغم من عدم وجود تعريف في القانون الدولي لمفهوم (خطاب الكراهية) وما يثيره توصيف ما يمكن اعتباره خطابا مشحونا بالكراهية، من جدل وخلاف، يشار إلى مفهوم الكراهية على أنه (أي نوع من التواصل الشفهي أو الكتابي أو السلوكي الذي يهاجم أو يستخدم لغة ازدرائية أو تميزية، بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس الهوية، وبعبارة أخرى على أساس الدين أو الانتماء الاثني أو الجنسية أو العرق أو اللون أو الأصل أو نوع الجنس أو أحد العوامل الأخرى المحددة للهوية).

بمعنى أن خطاب الكراهية هو (كل قول أو عمل من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات أو التمييز بين الأفراد أو الجماعات)، ويمكن أن يأتي (خطاب الكراهية) بأشكال مختلفة منها التعليقات الناتجة عن الجهل والمزاح المسيء، ووصولاً إلى الدعوات الصريحة إلى التمييز ضد مجموعة معينة، وفي أسوأ الأحوال الدعوة إلى القتل الجماعي

ويترك (خطاب الكراهية) آثارا نفسية واجتماعية على المستهدفين منه، ويمكن لـخطاب الكراهية أن يشكّل خطرًا بوجه خاص حين يسعى إلى تحريض الناس على العنف تجاه مجموعات مهمشة. وحتى في أشكاله الأقل حدّة، مثل حالات الشتم المتكرر أو الافتراء أو الصور النمطية المؤذية التي قد تنشئ بيئات مشحونة بالحقد وتؤدي إلى حصول تداعيات سلبية. وخطاب الكراهية؛ قد يشعر من يعاني منه بأن كرامته مهانة باستمرار، وهذا قد يلحق نوعًا من الأذى النفسي به، ويساهم في تعزيز نطاق تهميش الفريق المستهدف اجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا.

وتتفق تلك التعريفات على أن خطاب الكراهية هو مشاعر قوية وغير عقلانية من الازدراء والعداوة أو البغض، ولغة انفعالية من السب والقذف والإهانة والهجاء والتحامل لا تعتمد على الحجج والبراهين الموضوعية، بل تقوم على تأجيج المشاعر والعواطف تجاه المستهدفين بالخطاب، وإثارتها وتوجيهها بما ينشئ سلوك وثقافة مبنية على العنصرية والتمييز إزاء من وجه الخطاب ضدهم مما يؤدى إلى انقسامات مجتمعية وسياسية حادة وخطر وشيك لوقوع التمييز أو العدائية أو العنف ضد الأشخاص المنتمون لهذه المجموعات، وهنا تكمن خطورة هذا الخطاب خاصة إذا توفرت له المنصات الإعلامية، والبيئة المهيئة له. كما يحدث اليوم من خلال خطابات الكراهية المنتشرة في الدول الغربية ضد المسلمين ورسولهم وكتابهم وعقائدهم.

خلاصة الموضوع يمكن القول ما يأتي:

1. إن حرية الرأي والتعبير هي حرية أصلية تتفرع منها الحريات كافة، ولا يمكن لأي إنسان أن يتمتع بحرياته وحقوقه كاملة ما لم يكون قادرا على التعبير عن رأيه وفكره بحرية تامة.

2. إن مفهوم حرية الرأي والتعبير هو مفهوم يؤكد بذاته على عدم جواز الاعتداء على حقوق الآخرين وحرياتهم، لأنها جزء من حرية الرأي والتعبير. بمعنى أنت حر في التعبير عن رأيك شريطة عدم التعرض إلى حقوق الآخرين وحرياتهم.

3. إن التجاوز على حريات الآخرين وحقوقهم يقع تحت مفهوم (خطاب الكراهية) وهذا الأخير يشكل تهديدا للقيم الديمقراطية والاستقرار الاجتماعي والسلام، ومواجهة خطاب الكراهية يؤدي إلى منع نشوب النزاعات المسلحة والجرائم الوحشية والإرهاب.

4. ينبغي للحملات الإعلامية والسياسات التعليمية أن توجه الانتباه إلى الأذى الذي يتسبب فيه خطاب التحريض على الكراهية العنصرية، والآثار الوخيمة على المجتمع وأمنه ومستقبله.

5. يلعب رفض المسؤولون الحكوميون لأي خطاب كراهية ضد الأخر، وإدانتهم لأفكار الكراهية دوراً هاماً في النهوض بثقافة قوامها التسامح والاحترام. وتعزيز الحوار بين الثقافات المختلفة.

..........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2023
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
[email protected]
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق