منوعات - علوم

العلم يخطئ أحيانًا

في عام 1996، أعلن العلماء خبرًا مذهلًا عن اكتشاف ما رجحوا أن كونه مؤشرًا على وجود حياة بالغة القِدَم بداخل حجر نيزكي من كوكب المريخ، وفي عام 2014، أعلن علماء الفيزياء الفلكية عن عثورهم أخيرًا على دلائل قوية تدعم نظرية "التضخم الكوني" التي ظهرت لأول مرة خلال ثمانينيات القرن الماضي.

كان هناك عاملان مشتركان بين هذه التأكيدات: الأول أنها جاءت مستندة إلى أبحاث أجراها علماء مؤهلون وبارزون، والثاني أن هذه "الاكتشافات" اتضح مع الوقت أنها غير صحيحة؛ فاليوم، لا يوجد مَن يعتقد أن النيزك كان يحوي دلائل مقنعة على أنه كان يؤوي شكلًا من أشكال الحياة ذات يوم، أو أن علماء الفيزياء الفلكية وجدوا أي شيء غير التراب.

هذا النوع من التراجع ليس بالأمر الغريب، إذ إن العلماء غالبًا ما يعملون على مراجعة الأبحاث الرائدة بصفة مستمرة، بل قد يتراجعون عنها إذا ما فشل الوسط العلمي في تطبيقها، أو عند ظهور دلائل أقوى وأفضل، ولكن ذلك الوضع يضع العراقيل أمام عمل الصحفيين العلميين؛ إذ تتعارض هذه الآلية تعارضًا جوهريًّا مع طبيعة عملهم في تغطية الأخبار، كما أنها قد تتسبب في حيرة القراء، فنحن نجد في الأغلب أن تغطية الصحفيين للوقائع التي حدثت للتو تكون أكثر مصداقيةً من تغطية أحداث أقدم، وذلك في معظم المجالات، مثل السياسة، والعلاقات الدولية، والاقتصاد، والرياضة، نقرأ على سبيل المثال أن: المحكمة العليا في أمريكا استمعت إلى المرافعات في الطعن المقدم من ولاية ميسيسيبي ضد الحكم الصادر في قضية «رو ضد وايد»، أو أن اللاعب ماكس تشيرزير وقّع عقدًا مع فريقالبيسبول «ميتز» Mets مدته ثلاث سنوات بقيمة130مليون دولار، أو أن فيسبوك غيَّر العلامة التجارية لشركته الأم لتكون «ميتا» Meta، كل هذه الأخبار صحيحٌ بلا جدال، وعندما تُصدر المحكمة حكمها في العام القادم، أو إذا أصيب تشيرزير ولم يستطع اللعب، أو إذا غيَّر فيسبوك علامته التجارية مرةً أخرى، فإن كل هذا لن يجعل تلك الأخبار غير صحيحة، بل ستكون وقتها مجرد أخبار متقادمة.

أما في البحث العلمي، فغالبًا ما تكون أحدث الأخبار هي الأقل مصداقية، وهو ما شهدناه مرارًا مع أخبار «كوفيد» COVID، حين نقلت لنا الصحافة العلمية بعض الأخبار ثم سرعان ما عدّلتها فور ظهور معلومات جديدة.

ففي العلم، نجد أن الأخبار التي وردت للتو ما هي سوى خطوة أولى نحو الإجابة عن أسئلة أكثر عمقًا، وقد تكون أحيانًا خطوةً خطأً لا تُكتشَف إلا بعد شهور وسنوات، كذلك فإن هذه الأخبار قد لا تتعدى في بعض الأحيان مجرد وهم لدى بعض العلماء، مثلما كان الحال مع نظرية "الاندماج البارد" خلال ثمانينيات القرن الماضي، وفي أحيان أخرى، يأتي محتوى الخبر وأسلوب كتابته مبهرًا بدرجة لا تسمح للقراء بملاحظة المحاذير التي ينطوي عليها، كما في الخبر الذي تصدَّر غلاف مجلة «نيويورك تايمز» New York Times مؤخرًا عن علاج محتمل للسرطان.

وقد تكرر هذا الأمر مع الخبر الذي أعلن عن وجود جزيئات تتحرك بسرعة أكبر من سرعة الضوء، وهو الأمر الذي كان العلماء شبه متيقنين من خطئه، في حين لم يستطع المراسلون مقاومة نشره (ثم اتضح في النهاية أن الخبر جاء نتيجة قراءة خطأ بسبب كابل غير مثبت جيدًا)، وفي أحيان أخرى، تأتي التغطية المكثفة -مثل تغطية موضوع نيزك المريخ- مدفوعةً بحملة دعائية قوية (رتبتها وكالة « ناسا» في تلك الحالة)، أما في أحيان أخرى فقد تكون هذه الأخبار محض احتيال، مثلما جاء في الاتهامات التي وجهها وكلاء الادعاء لإليزابيث هولمز مؤسِسة شركة «ثيرانوز» Theranos في أثناء محاكمتها.

وحتى لو كانت الأبحاث عالية الدقة ومنشورة في دورية علمية محكّمة كبرى، فلا يزال احتمال الخطأ واردًا، هذا أمرٌ يدركه الصحفيون العلميون، وهو ما يجعلنا نحرص على ذكر بعض المحاذير ضمن التغطيات التي نُجريها.

ولكننا لا نستطيع المبالغة في إبراز هذه المحاذير، حتى ولو كانت في غاية الأهمية، إذ إن ذلك ليس من طبيعة التغطية الإخبارية، وقد حدث أن اقترحتُ ذات مرة على أحد محرري مجلة «تايم» Time أن أكتب مطلعًا لخبر عن عقار مضاد لمرض ألزهايمر كان قد أبدى نتائج واعدة عند تجربته على الفئران، اقترحتُ وقتها هذه الصيغة: "في اكتشاف لا يكاد يكون له تأثيرٌ على صحة الإنسان، أعلن العلماء اليوم..."، وهنا نظر المحرر إليَّ مصعوقًا، كانت هذه الجملة الافتتاحية تقرُّ حقيقةً واقعة، إذ إن معظم الأدوية التي تأتي بنتائج جيدة على الفئران تفشل عند تجربتها على البشر، ولكن المحرر لم يقتنع بهذه الجملة الافتتاحية وقدَّم لي بعض الحجج المقنعة، منها أن مَن يقرأ هذه الجملة لن يرغب في استكمال القراءة، وأن العقار قد يكون له تأثيرٌ ما، وبالتالي فمن الممكن، بل من الضروري أن أبدأ الخبر بتقرير هذه الاحتمالية، ولهذا السبب فإننا نجنح في الوقت الحاضر نحو تجنُّب تغطية الأبحاث التي تُجرى على الفئران كلية.

ولكن هناك رأيًا آخر يقول إننا لو بدأنا بالجانب المشوق وأخرنا ذكر المحاذير، فقد يعتبر القراء تلك المحاذير مجرد استيفاء لما تُمليه الأمانة الصحفية، وقتها تصبح هذه المحاذير مثل عبارات إخلاء المسؤولية التي تظهر في الإعلان عن منتجات إنقاص الوزن المدهشة، مثل عبارة "تختلف النتائج من شخص إلى شخص"، ولهذا نفترض من حيث المبدأ أن القراء أو المشاهدين يتعاملون مع هذه الأخبار بحذر شديد، ولكن كثيرًا منهم لا يفعل ذلك.

وعلى نطاق أوسع، نجد أن الكشف العلمي الذي يتصدر عناوين الصحف والمجلات عند الإعلان عنه للمرة الأولى، غالبًا لا يتصدرها عند اكتشاف الخطأ بعد أسابيع أو شهور، مرةً أخرى، هذه هي طبيعة التغطية العلمية؛ فإن عبارة مثل: "اكتشف العلماء أمرًا مذهلًا" تصنع خبرًا مهمًّا، ولكن من غير المحتمل أن نجد خبرًا يقول: "اكتشف العلماء أن ما ظنوه أمرًا مذهلًا ليس بمذهل"، مع أن هذا يجب أن يحدث، ولهذا، ما زلت أقابل أشخاصًا يظنون أننا توصلنا إلى دلائل على وجود بكتيريا بالغة القِدَم فوق سطح المريخ قبل عقدين من الزمان.

مع ذلك، قد يأتي بعض التقارير المتعلقة بالعلوم صادقًا بما لا يقبل الطعن، مثلًا عندما يتسبب تسونامي قوي في مقتل مئات الآلاف في مناطق جنوبي آسيا وجنوب شرقيها، أو ينفجر مكوك الفضاء «تشالنجر» فور إقلاعه، أو ينشر العلماء الصيغة الأولية لـ«مشروع الجينوم البشري»، أو يعلن الرئيس الأمريكي بايدن حظر السفر في محاولة للحد من انتشار المتحور الجديد لفيروس كورونا المسمى «أوميكرون» Omicron، هذه الأخبار كلها كانت تعكس أحداثًا حقيقية، ولم يكن الجانب العلمي فيها بحاجة إلى تأكيد مستقل، بالرغم من أن التغطيات التي تبعتها كان الجانب العلمي الكامن وراءها يحتاج بأشكال مختلفة إلى ذلك التأكيد.

منذ عقد مضى قدم جون ريني -رئيس التحرير السابق لدورية «ساينتفك أمريكان» Scientific American- طرحًا صادمًا، إذ اقترح في مقال كتبه لجريدة «ذا جارديان» The Guardian أن يتفق الصحفيون العلميون على الانتظار مدة ستة أشهر قبل تغطية أي نتائج بحثية جديدة، وكانت وجهة نظره أن الأبحاث الجديدة الرائدة تحتاج إلى بعض الوقت لاستيعابها وتقييمها من قِبل الأوساط العلمية، إن الأبحاث التي تبدو لنا عظيمة الأثر للوهلة الأولى قد يتضح عند دراستها بتأنٍّ أنها ليست بتلك الأهمية، أو حتى أنها خطأٌ كبير.

كان ريني يعلم بطبيعة الحال أن اقتراحه لن ينفذ بالفعل، إذ جاء متعارضًا مع الاعتقاد شبه المقدس بأن المعلومات الجديدة التي قد تكون مهمةً لا ينبغي حجبها عن الجمهور، وأن هناك دائمًا احتمال أن ينشر أحد الصحفيين الخبر قبل انقضاء فترة الأشهر الستة بكثير، مدفوعًا في ذلك بالتنافس الشديد بين الصحفيين، أما في الحالات التي تكون فيها حياة الأفراد على المحك، كما هو الحال مع متحور «أوميكرون» مثلًا، فهناك دائمًا احتمال ألا يتسبب نشر الأبحاث الجديدة في أضرار بالغة، كما حدث مع أنفلونزا الخنازير غير الوبائية التي ظهرت في عام 1976، إن تجاهل المخاطر التي قد تنتج عن ظاهرة ما- ومن ثم الامتناع عن تغطية هذه الظاهرة صحفيًّا- قبل أن نستوعبها استيعابًا كاملًا فكرة خطيرة جدًّا، كما أن هذا التوجه لم يسهم إسهامًا واضحًا في الجهود العالمية لمكافحة الجائحة التي نشهدها الآن، ولكن، بالرغم من كل هذا، فقد كان ريني محقًّا إلى حدٍّ ما.

اضف تعليق