تصبح الثروات عديمة القيمة، عندما تغيب الاستراتيجية، هذا ما يمكن استخلاصه من النظرية التي خلص إليها وزير الخارجية التركي الأسبق داود اغلو في كتابه (العمق الاستراتيجي)، الذي وضع تصوراً يجمع فيه مكونات عناصر القوة التي تمتلكها الدول في معادلة واحدة، تمتلك الدول اشكال عديدة للقوة...

تصبح الثروات عديمة القيمة، عندما تغيب الاستراتيجية، هذا ما يمكن استخلاصه من النظرية التي خلص إليها وزير الخارجية التركي الأسبق داود اغلو في كتابه (العمق الاستراتيجي)، الذي وضع تصوراً يجمع فيه مكونات عناصر القوة التي تمتلكها الدول في معادلة واحدة.

تمتلك الدول اشكال عديدة للقوة، منها (القوة العسكرية، القوة الثقافية، قوة الموقع الجغرافي، قوة الثروة الطبيعية)، وتتباين هذه القوى فيما بينها من حيث الاهمية، فبعض الدول قوية بفضل مواردها الطبيعية رغم هامشية موقعها الجغرافي، وبعض الدول فقيرة الموارد الطبيعية كاليابان مثلاً، استعاضت عنها بقوة مواردها البشرية وثقافتها العملية.

غالباً ما ترتقي أو تتقهقر الدول على سلم القوة والتأثير العالمي، وفقاً لعناصر القوة التي تملكها، ومدى توظيفها لعناصر القوة هذه.

لقد نجح مؤلف كتاب (العمق الاستراتيجي) في تبيان دور (الاستراتيجية) في تعظيم أو تحجيم عناصر القوة الأخرى التي تمتلكها أي دولة.

وفقاً لأغلو، فإن معادلة (قوة الدولة) = (معطيات الثابتة + معطيات المتغيرة) × (ذهنية استراتيجية × خطة استراتيجية× إرادة سياسية).

حيث أن، المعطيات الثابتة = التاريخ+ الجغرافيا+ عدد السكان+ الثقافة.

أما، المعطيات المتغيرة = القدرة التكنولوجية +القدرة العسكرية+ القدرة الاقتصادية.

والنقطة الجوهرية في المعادلة أعلاه، إن "الاستراتيجية" في حال وجودها، لا تعتبر إضافة إلى مكونات القوة، بل هي تضاعف مكونات القوة! وهذه النقطة ذكية للغاية، فالاستراتيجية تُضرب (×) بمجموع عناصر القوة ولا تُجمع معها، بمعنى اخر، إن امتلاك قيادة الدولة لـ (ذهنية استراتيجية + خطة استراتيجية + إرادة سياسية) سيضاعف قيمة عناصر قوة الدولة، الثابتة منها والمتغيرة.

يوضح المؤلف وهو من أبرز منظري السياسة الخارجية التركية في حينه، إلى إن (الدول التي تفتقر لذهنية استراتيجية واضحة وتخطيطا استراتيجيا سليماً لن تشكل قوة يُعتد بها، مهما بلغ تفوقها بعناصر قوتها الثابتة والمتغيرة)، وستكون محصلة معادلة القوة لديها ضعيفة، واقل من مثيلاتها من الدول الأخرى، ذات نفس عناصر القوة الثابتة والمتغيرة.

ويشدد أوغلوا في معادلته للقوة الدولية على أهمية "العنصر البشري"، فإذا كان من المستحيل تغيير التاريخ والجغرافية! فإن العنصر البشري الجيد يمكن أن يُكسب الجغرافيا والتاريخ آفاقا جديدة، بينما "العنصر البشري" غير المؤهل يمكن أن يُحول عناصر قوة البلاد (الثروة الطبيعية، الموقع الجغرافي) إلى عناصر ضعف.

يرتبط ويؤثر "العنصر البشري" بل ويُعد الأساس في صنع مقدرات الدول الاقتصادية منها والعسكرية، حتى لو أنطلق من أرضية مدمرة، ولكن (بشرط امتلاك إرادة سياسية، ذهنية استراتيجية، خطة استراتيجية)

يذكر المؤلف العديد من الأمثلة كـألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية وخروج أمريكا من أزمتها الاقتصادية عام 1929، بسبب امتلاكها للعنصر البشري المؤهل، بعكس النظم السياسية في الشرق الأوسط التي عجزت عن بناء دول مؤثر رغم كل مواردها (المتغيرة والثابتة)، بسبب غياب (الذهنية والتخطيط الاستراتيجي والإرادة السياسية).

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة الى رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق


التعليقات

هشام صفا
لبنان
ان وضوح الرؤى الاستراتيجية لدى الدول او الكيانات عموما مرتبط بمدى تصالحها مع نفسها اتجاه قضاياها القومية اكانت سياسية ام ثقافية ام امنية ام اقتصادية, وعدم تداخل المصالح الوطنية مع المصالح الضيقة ان كانت حزبية او فئوية او حتى شخصية, وتتعاطى الامم مع مصالحها بحالة من الحس بالمسؤوليةمع وجود الذهنية الاستراتيجية ام مع غيابها,رغم أن التنظيم أولى كما جاء في المقالة, ولكن, لا بد هنا من الاشارة الى أهمية توفير الرؤية الحاكمة في الاستراتيجية, وبتعبير أوضح "نظرية الحكم " لكونها المنبع الفكري الذي تنبثق منه كافة الاستراتيجيات بعد خضوعها لعمليات ذهنية واسعة ومعقدة ينتج عنها في نهاية المطاف استراتيجيات محددة وواقعية, كونها نتاج المعطيات الثابتة والمتغيرة التي يفرضها واقع الحال.
واخيرا , فاني اعتقد بأن الكلام عن الاستراتيجية لا يعدو كونه كلاما عاما لا يمكن أن يرقى الى حيز التطبيق الواقعي مع عدم بروز الرؤية والنظرية الفكرية المسببة لتلك الاستراتيجيات.2019-07-21