آراء وافكار - وجهات نظر

فيلم (Don’t Look Up) ما بعد الحقيقة

لماذا لا يُصدِّق الناس الحقائق الماثلة أمام أعينهم؟

في تلك النقطة تغيب الحقائق تماما، وعلى الرغم من وضوحها الشديد مثل مُذنَّب مضيء في السماء يمكن أن تراه كل عين، فإن الحقائق شيء وتصديقها شيء آخر، جُلُّ ما يمكن أن تحصل عليه الحقائق الموضوعية في هذا العالم المعاصر هو أن تتحوَّل إلى ترند أو تحدٍّ على تيك توك...
بقلم: شادي عبد الحافظ-الجزيرة

في الصفوف الابتدائية تعلَّمنا حكاية عن طفل كذَّاب، قرَّر أن يذهب إلى البحر ثم يصرخ مُناديا الناس ومُدَّعيا أنه يغرق، فيهرع الجميع لإنقاذه، لكن ما إن يصلوا إليه حتّى يضحك قائلا إنه كان يمازحهم، يغضب الناس ولكنهم يتركونه لحاله، بعد ذلك بعدة أيام يُكرِّر الطفل المشهد نفسه، ويهرع الناس لإنقاذه لكنه يضحك مجددا.

يتكرَّر الأمر عدة مرات، وفي المرة السادسة يكون الطفل مرهقا جدا بسبب السباحة واللعب لعدة ساعات ويبدأ بالفعل في الغرق في مياه البحر، هنا ينادي الناس كي ينقذوه، لكنهم ينظرون إليه غير آبهين بما يفعل، ورغم أنهم يرونه وهو يغرق، فإنهم لم يُصدِّقوا ذلك، وتصوَّروا أنه يتظاهر مجددا.

في الفيلم الجديد الذي أصدرته منصة "نتفليكس" يوم 24 (ديسمبر/كانون الأول) الحالي، يلعب الممثل ليوناردو ديكابريو دور عالِم الفلك الدكتور راندل ميندي الذي يكتشف مع طالبة الدكتوراه في فريقه (كيت ديبياسكي) مُذنَّبا يُحتمل بنسبة تقترب من 100% أنه سيضرب الأرض خلال نحو ستة أشهر، للوهلة الأولى نتصوَّر أننا في أجواء فيلم "أبوكاليبسي" جديد سيصعد خلاله أبطال الأرض، وهم عادة من الأميركيين، بقيادة رجل يشبه بروس ويليس، لتحطيم هذا المُدمِّر القادم من بعيد، لكن ذلك لا يحدث في فيلم "لا تنظر إلى الأعلى" (Don’t Look Up)، بل العكس تماما.

منذ اللحظة الأولى التي يجلس فيها العالِمان أمام رئيسة الولايات المتحدة الأميركية ندرك أن الأمور ستؤول إلى الفوضى، تتخذ الرئيسة ومؤيدوها اتجاها يُنكر الخطورة المُحتملة للمُذنَّب، بينما يتخذ العالِمان طريقا معاكسا يطالب الناس بالنظر إلى السماء ورؤية المُذنَّب، ورغم أن الجميع يرونه هناك قادما لضرب الأرض، فإنهم -مثل حادثة الطفل المؤسفة قبل قليل- لم يُصدِّقوا ذلك، ربما لأنهم أُخبروا بذلك سلفا ولم يحدث شيء.

أين الحقيقة؟

يتحدَّث الفيلم عن سياسات ما بعد الحقيقة (Post-truth politics)، وهو اصطلاح مثير جدا للانتباه، استخدمه للمرة الأولى الصحفي الأميركي ستيف تشيس في مجلة "ذا نايشن" (The nation) عام 1992، حينما كتب(1) مقالة يتحدَّث فيها عن بعض الفضائح السياسية الأميركية مثل ووتر جيت، وإيران – كونترا، ومستقبل السياسات الأميركية بعدها، وعقَّب على ذلك قائلا: "أما نحن، بوصفنا شعبا حرا، فقد قرَّرنا بكل حرية أننا نريد أن نعيش في عالم ما بعد الحقيقة".

خلال العقود التالية، لاقى هذا الاصطلاح رواجا في الأوساط الصحفية، ثم الأكاديمية، وصولا إلى عام 2016، حينما اختار قاموس أوكسفورد ذلك الاصطلاح "Post-truth" ليصبح كلمة العام(2)، لأنه كان الأكثر رواجا وتسبُّبا للجدل، خاصة بعد صعود دونالد ترامب إلى السلطة والتغيير الجذري الذي أحدثه في الخطاب السياسي.

ببساطة، يُشير الاصطلاح إلى توجُّه يعتمد على أن يكون التفاعل في النقاش السياسي قائما على الانفعالات الفردية واللعب على وتر الغرائز والمشاعر والمعتقدات الخاصة بالأفراد، بغض النظر عن الوقائع أو الحقائق، بالتالي يمكن أن يلجأ رجال السياسة، أو الوسائل الإعلامية التي تدعم حزبا أو جهة ما، إلى الأكاذيب أو التضليل المُتعمَّد والمستمر والكثيف لدعم تلك التوجُّهات السياسية التي ينتمون إليها، حتى لو كانت ادعاءات كاذبة.

في تلك الأجواء المشحونة عاطفيا، تصبح الحقائق الموضوعية أقل تأثيرا في الرأي العام، وبالتالي تصبح الحقيقة عُملة غير ذات قيمة على الإطلاق، أو كما قال ذات مرة مايكل ديكون، محرر صحيفة التليغراف البريطانية الشهيرة: "الحقائق سلبية، الحقائق متشائمة، الحقائق غير وطنية".

مع الوقت أصبحت تلك الكلمة، "ما بعد الحقيقة" (Post-truth)، أكبر من مجرد اصطلاح سياسي، لقد أصبحت مُمثِّلة رسمية عن العصر الذي نعيش فيه، عصر ما بعد الحقيقة، حيث يمارس الناس الكذب والخداع والتضليل في كل شيء تقريبا وكأنها عادة يومية أو أسلوب حياة، في تلك الحالة من الفوضى لا تكون لدينا أية مرجعية سوى القدرة على رفع الصوت، أو شحذ المشاعر إلى أقصاها، فقط للانتصار في المعارك الشخصية.

محيط من الكذب

عند تلك النقطة، دعونا نتأمل ما أنجزه ثلاثة من الباحثين الشباب بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) حينما قرَّروا قبل عدة أعوام البحث(3) خلف درجات انتشار الأخبار الكاذبة عبر الإنترنت، فجمعوا 126 ألف خبر من موقع تويتر بين عامَيْ 2006-2017، وفحصوا مدى صحة تلك الأخبار عبر مجموعة من المنصات المختصة.

جاءت نتائج تلك الدراسة، التي نُشرت(4) في الدورية الشهيرة "ساينس"، لتقول إن انتشار الأخبار الكاذبة كان واضحا بفارق هائل مقارنة بالصادقة منها، بل إن معدل انتشار الخبر الطبيعي كان فقط ألف مرة في بعض الحالات، بينما وصلت معدلات انتشار الأخبار الكاذبة إلى 10 آلاف مرة. كان انتشار الأخبار الكاذبة ليس فقط أكبر، بل أسرع وأعمق وأوسع نطاقا من الأخبار الحقيقية في جميع فئات المعلومات، وخاصة في الأمور السياسية، تلاها الإرهاب والكوارث الطبيعية والأساطير العلمية والمعلومات المالية.

إذا كان هناك شيء يمكن أن نعتبره مُمثِّلا رئيسيا للعصر الحالي فهو لا شك الأخبار الكاذبة التي نتعرَّض لها يوميا بصور مختلفة، والأسوأ من وجودها هو قابليتنا لتصديقها، إذ من المؤكَّد أن كل واحد منا -مهما بلغت ثقافته- قد وقع في أسر أحدها ولو مرة واحدة على الأقل. عند تلك النقطة يتدخَّل "جاي(5) فان بافيل" (Jay Van Bavel) من جامعة نيويورك ليقول إن الأمر لا يرتبط فقط بجهل المواطن العادي بالحقائق، أو بقدرة الأخبار الكاذبة على أن تكون أكثر إبهارا أو غرابة من الأخبار العادية المُملة، لكنه يتخطَّى ذلك كله ليتعامل مباشرة مع هويّاتنا، أو اعتقاداتنا حول أنفسنا.

تُسمى تلك الفكرة بـ "نموذج القناعات القائمة على الهوية"، فحينما نتعرَّض لمجموعة من الأفكار عن أحد الموضوعات التي نهتم لها عبر فيسبوك أو تويتر أو التلفاز فإننا نُعطي تقييما لها يعتمد بالأساس على ميولنا أو قناعاتنا السياسية، في تلك النقطة فإن ما يُحدِّد الخطأ والصواب بالنسبة لنا ليس الحقائق الموضوعية، ولكن مدى التوافق السابق مع ميولنا. لم يعد هذا صادما بعد اليوم، فجميعنا تقريبا سوف نميل إلى تصديق الخبر الكاذب إذا كان يتماشى مع قناعاتنا ويؤيد الحزب أو التوجُّه السياسي الذي ننتمي إليه.

في الواقع، فإن جودة الخبر المعروض أمامك لا تعني بالضرورة أنك سوف تُصدِّقه، مهما كان مدعوما بالحقائق أو المصادر الموثوقة، ذلك لأنك قد تميل إلى الانتماء الخاص بك على حساب الدقة، في تلك النقطة تُشير مجموعة من الدراسات التي امتدت نحو عشر سنوات مضت إلى أن الأمر في بعض الأحيان قد يمتد للمعارضة الصريحة للحقائق.

حينما نعرض خبرا كاذبا على مجموعة من المواطنين الأميركيين يتضمَّن مثلا ادعاء بأن الولايات المتحدة قد وجدت أسلحة دمار شامل في العراق، سيحدث انقسام بين الناس، ستقول مجموعة منهم إن هذا غير صحيح، ومجموعة أخرى ستقول إن ذلك صحيح، لكن الغريب أن هؤلاء المتحيزين لوجود أسلحة دمار شامل بالعراق، بعد عرض الحقائق عليهم وإعلامهم أنه كان خبرا كاذبا، سيكونون أكثر تمسُّكا بأفكارهم عن ذي قبل، كما أثبتت التجربة. يعني ذلك أن مواجهة الناس بالحقائق قد لا تقنعهم بالعدول عن آرائهم، بل على العكس تماما، قد تجعلهم أكثر تمسُّكا بها.

يُسمى ذلك بـ "تأثير رد الفعل العكسي"(6) (Backfire Effect)، وهو تحيُّز إدراكي يقول إن مواجهة الناس بالحقائق المُثبتة التي تنفي قناعاتهم تجعلهم أكثر تمسُّكا بتلك القناعات في رد فعل عكسي. يُعَدُّ ذلك نوعا من أنواع التحيُّز التأكيدي، حيث يميل الواحد منّا للبحث عن، وتفسير، وتذكُّر المعلومات بطريقة تتوافق فقط مع قناعاته السابقة، بينما، في المقابل، لا يُعطي انتباها مُماثلا للحقائق أو الدلائل التي تقف على النقيض من قناعاته.

وقد رُصد تأثير رد الفعل العكسي في عدة تجارب، فمثلا كان الأشخاص المؤيدون لمرشح انتخابي(7) ما أكثر تأييدا له وثقة فيه حينما كشف الستار عن حقائق سلبية عنه، كذلك كان الآباء(8) الرافضون لحقن أطفالهم باللقاحات أكثر رفضا بعد أن عرض مجموعة من الأطباء بيانات علمية تُثبت خطأ تلك الفكرة أمامهم، ينطبق الأمر ذاته على تجارب(9) تضمَّنت آراء الجمهور في قوانين الضرائب، وأبحاث الخلايا الجذعية، وقوانين الزواج والطلاق والإجهاض، وغيرها.

المُذنَّب حين يصل

الأمر إذن لا يتعلَّق بالحقائق، بل بالطريقة التي يُدار بها العالم، حيث يكون تأثير رد الفعل العكسي أكثر وضوحا في حالات الاستقطاب السياسي الشديدة، أثناء الانتخابات على سبيل المثال أو الحروب، أو الجدل السياسي المستمر، وهو أمر يعيشه كل العالم حاليا بما في ذلك دولنا العربية، ويكون أضعف في حالات الاستقرار النسبي، لكن ماذا لو أن القادة السياسيين استخدموا الكذب أداةً؟ وماذا لو كانت تلك هي وسيلتهم للوصول إلى مبتغاهم الحزبي ومصالحهم الشخصية التي عادة ما تتحد مع مصالح أباطرة المال والأعمال؟

في تلك النقطة تغيب الحقائق تماما، وعلى الرغم من وضوحها الشديد مثل مُذنَّب مضيء في السماء يمكن أن تراه كل عين، فإن الحقائق شيء وتصديقها شيء آخر، جُلُّ ما يمكن أن تحصل عليه الحقائق الموضوعية في هذا العالم المعاصر هو أن تتحوَّل إلى "ترند" أو تحدٍّ على تيك توك أو سيل من التغريدات لا يتوقف، على الجانبين المؤيد والمعارض، وكأنها موضوع جدلي مفتوح للنقاش.

لكن الحقائق ليست إلا حقائق، في النهاية سيصل المُذنَّب ويقتل الجميع، أما التدخين فسيقتل الملايين سنة بعد سنة رغم أن العلماء أشاروا منذ الخمسينيات إلى أضراره الشديدة، وبالنسبة للتغير المناخي، فإنه سيذل الشعوب بالمعنى الحرفي للكلمة، رغم أننا نعرف منذ ثلاثة أرباع قرن أنه سيفعل، لكن ما حدث هو أن بعضهم أحال هذين الموضوعين، وغيرهما، من حقائق إلى أمور "محل جدل" على مدى عقود طويلة، فقط لخدمة مصالحهم السياسية.

...................................
مصادر:
Post-Truth and Its Consequences: What a 25-Year-Old Essay Tells Us About the Current Moment
Word of the Year 2016 is…
Fake news spreads faster than true news on Twitter—thanks to people, not bots
The spread of true and false news online
How political parties influence our beliefs, and what we can do about it
The Backfire Effect
Hot Cognition or Cool Consideration? Testing the Effects of Motivated Reasoning on Political Decision Making
Effective Messages in Vaccine Promotion: A Randomized Trial
When Corrections Fail: The Persistence of Political Misperceptions
المصدر: الجزيرة

اضف تعليق