لعل أكثر العواقب المترتبة على انتخابات التجديد النصفي أهمية هي أن نتائجها أضعفت الرئيس السابق دونالد ترمب، في حين برز حاكم فلوريدا رون ديسانتيس، الذي فاز بسهولة بإعادة انتخابه، كمنافس قوي لقيادة الحزب الجمهوري. ورغم أن الديمقراطيين تجاوزوا التوقعات، تظل التساؤلات داخل الحزب قائمة حول ما إذا كان...
بقلم: ريتشارد هاس

نيويورك ــ تُـجرى انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة كل أربع سنوات، مع انتصاف فترة ولاية الرئيس وقبل عامين من الانتخابات الرئاسية التالية. يجري السباق على ثلث مقاعد مجلس الشيوخ، ومقاعد مجلس النواب بالكامل، وبعض مناصب حكام الولايات، والعديد من مناصب الولايات والمناصب المحلية.

لا يشتمل الأمر على تصويت على المستوى الوطني، لكن النتائج تميل إلى عكس موقف الدولة وتُـفَـسَّـر على أنها استفتاء على الحزب الحاكم (في حالتنا هذه الحزب الديمقراطي بقيادة الرئيس جو بايدن). ورغم أن الأصوات لا تزال قيد الفرز والإحصاء ــ وفي بعض الحالات يُـعـاد إحصاؤها ــ فليس من السابق للأوان استخلاص بعض الاستنتاجات الأولية.

بادئ الأمر، ما كان من المتوقع أن يشكل تصويتا حاسما على سحب الثقة في بايدن في أغلب الأمر لم يتحقق. كان من المتوقع أيضا أن يأتي أداء الجمهوريين أفضل مما شهدناه. يخسر الحزب الحاكم على نحو دائم تقريبا المقاعد في انتخابات التجديد النصفي، حيث يسعى الناخبون إلى التعبير عن تعاستهم ويبحثون عن التغيير، والحق أن العديد من القضايا التي تتصدر اهتمامات الناخبين، بما في ذلك التضخم، والجريمة، والهجرة غير القانونية، كان من المنتظر أن تُـسـفِـر عن مكاسب جمهورية كبيرة. لكن مخاوف الناخبين بشأن قضايا أخرى، من حقوق الإجهاض إلى صحة الديمقراطية الأميركية، إلى جانب تساؤلات حول مدى ملاءمة وجود عدد كبير من المرشحين الجهوريين، عملت لصالح الديمقراطيين.

كما هي الحال في كثير من الأحيان، يبدو أن مخاوف السياسة الخارجية لم تهم الناخبين كثيرا. فعلى الرغم من الحرب المستعرة في أوروبا، ورغم أن الولايات المتحدة تقدم نصيب الأسد من المساعدات لأوكرانيا، فمع تواجد عدد قليل من القوات الأميركية في مناطق الصراع، ينشغل أغلب الناخبين بأمور محلية.

مع ذلك، تخلف انتخابات التجديد النصفي بعض التأثير على السياسية الخارجية الأميركية. إن مجرد سير الانتخابات بشكل سلمي إلى حد كبير ووفقا للخطة الموضوعة لها يجب أن يطمئن أصدقاء أميركا ويحبط أولئك الذين كانوا يأملون في تكرار الاحتجاجات وأعمال العنف التي أعقبت الانتخابات الرئاسية في عام 2020. في الوقت الراهن، على الأقل، صمدت الديمقراطية الأميركية.

أما عن السياسة، فإن النتائج المختلطة لا توفر أي تفويض لتغيير كبير. هذا يعني في الأرجح أن الدعم الاقتصادي والعسكري لأوكرانيا سيستمر، وإن كان من الممكن أن نشهد بعض المحاولات من جانب الكونجرس للحد من نطاق هذا الدعم أو ربطه ببعض المفاوضات في المستقبل. وسوف تظل العقوبات المفروضة على روسيا سارية.

وكذا سيستمر الموقف المتشدد في التعامل مع الصين، والذي يعكس إجماعا سياسيا قويا. الواقع أن أحد انتصارات بايدن التشريعية الثنائية الحزبية القليلة كان قانون الرقائق والعلوم، الذي يوفر مئات المليارات من الدولارات لتعزيز القدرة التنافسية الأميركية في مجالات مثل تصنيع أشباه الموصلات. في ظل الكونجرس المنقسم، سيكون أحد مجالات الاتفاق المحتمل القليلة تشريعات مماثلة تستهدف الصين. على سبيل المثال، من الممكن أن تقدم الولايات المتحدة عملية فحص للاستثمار الموجه إلى الخارج، أو وضع قواعد جديدة للاستثمار الصيني في الولايات المتحدة، أو كلا الأمرين.

كما سيستمر دعم تايوان. وقد يعود إلى الحياة على يد الكونجرس الجديد قانون سياسة تايوان، الذي من شأنه أن يرفع مستوى العلاقات الثنائية بطرق تضمن استفزاز الصين وتزويد تايوان بقدر أعظم من المساعدات العسكرية. إذا أصبح كيفن مكارثي رئيسا لمجلس النواب، كما هو محتمل تماما، فمن المرجح أن يسافر إلى تايوان، وهذا من شأنه أن يستفز استجابة صينية قوية بذات القدر.

التجارة مجال آخر حيث ستظل السياسة دون تغيير إلى حد كبير، حيث لا يوجد دعم كبير من أي من الحزبين لمبادرات جديدة. من غير المرجح أن تنضم الولايات المتحدة إلى الاتفاقية الشاملة التقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ أو أي اتفاقيات تجارية أخرى.

أما عن إيران، فلا يخلو الأمر من خلافات حول كيفية معالجة القضية النووية. بيد أن الاحتجاجات المتصاعدة في إيران، إلى جانب الأدلة حول الدعم العسكري الإيراني لروسيا، أنهت أي فرصة لعودة الولايات المتحدة للانضمام إلى خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015.

تمثل كوريا الشمالية تحديا آخر، باستفزازاتها المستمرة واختبار نووي سابع يلوح في الأفق. لكن ليس لدى أي من الحزبين في الولايات المتحدة سياسة بديلة قابلة للتطبيق يمكن طرحها. هذا يعني أن الولايات المتحدة ستستمر في معاقبة كوريا الشمالية.

سوف يستمر أيضا حصول إسرائيل على دعم واسع في الكونجرس. لكن لا يمكننا أن نقول ذات الشيء عن المبادرات المصممة للتصدي لتغير المناخ.

في عموم الأمر، ستكون الغلبة للاستمرارية، وهو ما يرجع جزئيا إلى أن النظام السياسي الأميركي يمنح الرئيس حرية واسعة في إدارة السياسة الخارجية.

يتمثل الخطر الرئيسي في أن مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون قد يعرقل تعيينات هيئة الموظفين، ومجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون قد يعقد جلسات استماع حول قضايا مثل الانسحاب من أفغانستان، وهذا من شأنه أن يحرج إدارة بايدن ويشتت انتباهها.

لعل أكثر العواقب المترتبة على انتخابات التجديد النصفي أهمية هي أن نتائجها أضعفت الرئيس السابق دونالد ترمب، في حين برز حاكم فلوريدا رون ديسانتيس، الذي فاز بسهولة بإعادة انتخابه، كمنافس قوي لقيادة الحزب الجمهوري. ورغم أن الديمقراطيين تجاوزوا التوقعات، تظل التساؤلات داخل الحزب قائمة حول ما إذا كان ينبغي لبايدن أن يسعى إلى الفوز بفترة ولاية ثانية في عام 2024.

باختصار، تفادت الولايات المتحدة زلزالا سياسيا. وسوف تظل السياسة الخارجية الأميركية في الأغلب الأعم تُـدار على تضاريس مألوفة خلال العامين المقبلين، حتى الانتخابات الرئاسية. وبعد هذا، من الممكن أن يحدث أي شيء.

* ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية، مؤلف كتاب عالم في الفوضى: السياسة الخارجية الأمريكية وأزمة النظام القديم، وكتاب العالم: مقدمة موجزة
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق