احدى ابرز المشكلات التي تواجه الحركات والاحزاب السياسية والفكرية بشكل عام هي مشكلة الجمود الفكري او عدم مواكبة التطورات الفكرية والسياسية او ما يسميه بعض الكتّاب والمحللين: اللغة الخشبية.

والحركات والاحزاب الاسلامية يمكن ان تصاب ايضا بمشكلة الجمود الفكري والسياسي عندما لا تواكب التطورات والمتغيرات الدولية والاقليمية وتبقى محبوسة ضمن افكار او تحليلات قديمة تبني على اساسها مواقفها وقراراتها.

ولأننا لا نستطيع في مقالة صغيرة الحديث عن كل تجارب الحركات والاحزاب الاسلامية ومشكلة الجمود في الفكر السياسي لديها، فسنتناول اليوم هذه المشكلة عند حزب التحرير الاسلامي، على امل ان نعرض لبعض النماذج في مقالات اخرى.

فمن المعروف ان حزب التحرير الاسلامي تأسس في مدينة القدس عام 1953 على يد القاضي الشيخ تقي الدين النبهاني تحت عنوان: اعادة الخلافة الاسلامية واقامة الدولة الاسلامية وحمل الدعوة الاسلامية.

وتقول مصادر اسلامية في بيروت: ان احد الاسباب التي دفعت الشيخ النبهاني لتأسيس حزب التحرير هو فشل حركة الاخوان المسلمين في تحقيق اهدافها باستعادة الخلافة الاسلامية بعد مرور 25 عاما على تأسيسها (تأسست عام 1928) وانه حسب تجربة الرسول محمد (ص) كان ينبغي اقامة الدولة الاسلامية بعد مرور 13 سنة على المرحلة التأسيسية (مرحلة اقامة الرسول في مكة) ومن ثم الهجرة الى المدينة ( حوالي العشرين سنة في المدينة المنورة)، واذا فشلت اية حركة اسلامية في ذلك فيجب ان تعيد النظر بأديباتها وطريقة عملها.

ويرفض الحزب الديمقراطية ويعتبرها كفرا، كما يدعو للتغيير الجذري ويرفض التغيير المرحلي، ويدعو لإقامة دولة الخلافة في كل العالم الاسلامي وقد اعد دستورا خاصا لها يعتمد على التقسيمات والاليات التي اعتمدت تاريخيا مثل تقسيم الولايات والامراء والولاة، ويعتمد على نظرية خاصة في التغيير تقتضي نشر الوعي السياسي اولا ومن ثم وطلب النصرة من قيادات الجيش او اصحاب القوة، ولديه رؤية خاصة للصراع في العالم وهو يعتبر ان كل الاحداث في العالم هي انعكاس للصراع التاريخي بين الامريكيين والانجليز كما كان قائما في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.

وقد نجح الحزب في استقطاب عشرات الالاف من الانصار والمؤيدين في العالم الاسلامي، وحسب مصادر مطلعة فيه فان اتباعه وصلوا في بعض الدول الى الملايين، لكن مع ذلك لم ينجح الحزب في اقامة الخلافة الاسلامية رغم مضي حوالي 63 عاما على تأسيسه وهو لا يزال يؤمن بان الصراع في العالم مستمر بين الانجليز والاميركيين، ولذا نجد في كل التحليلات السياسية التي ينشرها انه يعيد الاحداث الى هذا الصراع، ومؤخرا وفي بياناته الصادرة حول التطورات الاخيرة في تركيا اعتبر ان عملاء الانجليز هم من قاموا بالانقلاب على الرئيس التركي رجب طيب اردوغان العميل لأميركا حسب بيانات الحزب.

والمشكلة ان الحزب ورغم مضي 63 عاما على تأسيسه وفشله في تحقيق الهدف الاساسي الذي قام من اجله وهو الخلافة الاسلامية، ورغم ان تنظيم داعش وسابقا حركة طالبان قد اقاما ما اسمياه الخلافة الاسلامية او الامارة الاسلامية، اضافة الى تجربة الجمهورية الاسلامية في ايران والتجربة الاسلامية في السودان، فان الحزب مصر على رؤيته الفكرية والسياسية والاعتماد على الادوات نفسها في التحليل السياسي وكيفية التعاطي مع الاوضاع الاسلامية ولم يقدم على رؤية تجديدية في الفكر السياسي الاسلامي تواكب المتغيرات والتطورات الدولية والفكرية في العالم.

ولا ندري الى متى سيستمر الحزب في عمله وهل يعتبر نفسه انه نجح في تحقيق اهدافه وما هي خطته للوصول الى الحكم في العالم الاسلامي وكيف يواجه معظم التحديات في العالم باستثناء اصدار البيانات الصحفية واعادة اصدار جريدته الاسبوعية (الراية) او عقد المؤتمرات الصحافية او الفكرية، في حين ان الحزب لم يحقق اي انجاز فعلي لنصرة المسلمين او الدفاع عنهم او تحقيق امانيهم الاجتماعية او التنموية او السياسية.

فهل سيستمر الحزب في جموده الفكري والسياسي؟ ولماذا لا يعيد النظر في ادبياته ومواقفه ومتى سيعلن انه فشل في مهمته؟ وانه سيسلم الراية لغيره من الاحزاب والحركات الاسلامية؟.

مواقف واراء حزب التحرير الفكرية والسياسية نموذج لجمود الفكر السياسي الاسلامي والمطلوب الاستفادة من تجربته من اجل تطوير هذا الفكر ودفعه نحو الامام كي نرى العالم بعيون جديدة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق