تقوم حسابات هذه السياسة على قيام السعودية والإمارات بالتعويض عن أي نقص في إمدادات النفط العالمية. ولا بأس بذلك، لكن البيان الرسمي السعودي بشأن هذه المسألة جاء كالآتي: \"تود المملكة أن تؤكد من جديد سياستها القديمة المتمثلة في العمل على استقرار سوق النفط في جميع...

بقلم: سايمون هندرسون

إليكم هذا الخبر السارّ: لقد ضمنت لكم المملكة العربية السعودية وغيرها من دول "منظمة الدول المصدرة للنفط" ("أوبك") أسعاراً معقولة على الوقود الذي ستشترونه هذا الصيف للذهاب في رحلاتٍ بسياراتكم.

ماذا؟ مَن قال ذلك؟ إنه في الواقع الرئيس ترامب.

فقد غرّد صباح الاثنين هذا الأسبوع على موقع تويتر بقوله: "إنّ السعودية ودول أخرى في "أوبك" ستعوّض وأكثر عن الفارق في إمدادات النفط الناتج عن عقوباتنا التي أصبحت اليوم كاملةً على النفط الإيراني".

وإليكم خبر آخر: لقد ارتفعت أسعار النفط. بعبارة أبسط، يبدو أن السوق لم ينظر بالتفاؤل نفسه إلى إقدام الولايات المتحدة على إبطال الإعفاءات التي سمحت حتى الآن لدول مثل تركيا والهند والصين باستيراد النفط الإيراني دون التعرض للعقوبات.

في مساء اليوم السابق، كان جوش روغن من صحيفة "واشنطن بوست" قد مهّد لتغريدة الرئيس الأمريكي حين كتب أن وزارة الخارجية الأمريكية تزمع الإعلان عن ضرورة إنهاء جميع البلدان استيراداتها بالكامل من النفط الإيراني أو خضوعها لعقوبات أمريكية. لكن الغامض في الخبر هو أن الصحيفة كتبت في العنوان: "... الولايات المتحدة ستحاول الضغط لتقليص صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر"، في حين اقتبس مقال روغن عن لسان مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية قوله "صفر واردات إيرانية"، وربما المقصود هو "صفر واردات من النفط الإيراني" - وإن كان الفارق بسيطاً فهو لا يخلو من الدلالات المهمة.

وفي حين لن يهتم الكثير من الأمريكيين إلا بالثمن الذي سيدفعونه في محطات الوقود، تبقى هذه التفاصيل الخاصة بالسياسات على قدرٍ كبير من الأهمية. فمن جهة، قد يبلغ الضغط المتعاظم على النظام الإسلامي الإيراني حدّاً يضطره إلى تغيير أعماله الخبيثة في الشرق الأوسط. ومن جهة أخرى، إن موقف طهران المتكرر بعدم السماح لأي دولة أخرى بتصدير النفط من الخليج إذا كانت هي عاجزة عن ذلك، قد يُطلق نيران الحرب.

ووفقاً للبيت الأبيض، تقوم حسابات هذه السياسة على قيام السعودية والإمارات بالتعويض عن أي نقص في إمدادات النفط العالمية. ولا بأس بذلك، لكن البيان الرسمي السعودي بشأن هذه المسألة جاء كالآتي: "تود المملكة أن تؤكد من جديد سياستها القديمة المتمثلة في العمل على استقرار سوق النفط في جميع الأوقات. وبناءً على ذلك، ستنسق السعودية مع زملائها منتجي النفط الآخرين لضمان توفير إمدادات كافية من النفط للمستهلكين لضمان عدم خروج أسواق النفط العالمية عن حالة التوازن". بيد أن تغريدة الرئيس ترامب التي يقول فيها "ستعوّض وأكثر" توحي بأن الأسعار ستنخفض، في الوقت الذي لم يذكر فيه البيان السعودي أي تعهّد بهذا الخصوص.

وفي حين تملك السعودية كمّاً وافراً ممّا يسمّى بـ "الطاقة الاحتياطية" لزيادة الإنتاج، إلّا أن إمكانيات الإمارات أقل بكثير. ومع ذلك، يعتبر الرئيس الأمريكي على ما يبدو أنه حظي بوعدٍ ما في هذا الخصوص، إذ تحدث هاتفياً حول هذا الموضوع مع ولي عهد الإمارات الأمير محمد بن زايد يوم الخميس الماضي، أي في اليوم نفسه الذي صدر فيه تقرير مولر (في الولايات المتحدة بشأن اتهامات ترامب بعرقلة سير العدالة والتواطء مع روسيا). والواقع أن المستند المكوّن من 448 صفحة الذي وضعه المستشار الخاص روبرت مولر، يوصف الأمير محمد بن زايد في الصفحة 411 بأنه "ولي عهد أبوظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة لدولة الإمارات العربية المتحدة". والملفت هو أن الأمير كان متواجداً في أحد منتجعات جزر سيشل في الوقت نفسه مع إريك برنس، الذي قابل هناك الروسي كيريل ديمترييف، ومستشار الأمير محمد بن زايد جورج نادر.

وحتى الآن، اتّسم رد الفعل الإيراني على القرار الأمريكي بالحذر. إذ قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الإيرانية إن بلاده "لمْ ولا تولي أي قيمة أو مصداقية للإعفاءات". أما الرئيس حسن روحاني، الذي يُعتبر معتدلاً في طهران وخصوصاً بالمقارنة مع «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني، فيتبنى منذ فترة طويلة وجهة نظر مفادها أنه "إذا لم يتم تصدير النفط الإيراني، فلن تتمكن أي دولة أخرى في المنطقة من تصدير نفطها". وسيكون من المثير للاهتمام معرفة ما إذا كان سيكرّر هذه الكلمات في الأيام القليلة المقبلة، على افتراض أنه يعني بـ "دول المنطقة" كلاًّ من السعودية والبحرين والعراق والكويت وقطر والإمارات. فهذه الدول تؤمّن مجتمعةً نسبةً كبيرة جداً من تجارة النفط العالمية.

أما في واشنطن، فوفقاً لوكالة رويترز تحدّث مسؤول رفيع المستوى في الإدارة الأمريكية إلى مراسلين صحفيين بشرط عدم الكشف عن هويته، بقوله إن أي خطوة تقوم بها إيران لإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي ردّاً على الإجراء الأمريكي ستكون غير مبررة وغير مقبولة. وإذا لم تكن النية التكلم بلهجة عدوانية لكانت ستنجح، على الرغم من أنها قللت بالتأكيد من قدرة الردع التي يتحلى بها الأسطول الخامس الأمريكي المتمركز في البحرين وغيره من عناصر القيادة المركزية الأمريكية ولا سيما الوحدات الجوية الأمريكية في قطر والإمارات.

وكما هو الحال مع قرارات السياسة الخارجية الأخرى التي اتخذتها إدارة ترامب، من الصعب في كثير من الأحيان معرفة ما إذا كانت هذه الخطوة جزءاً من خطة أعظم أو مجرد خطوة يعتبرها شخص ما جديرةً بالتنفيذ. ولعله من المغري ربط هذه الخطوة بأحداث السودان حيث أغدقت السعودية والإمارات بأموالهما للتو على طغمة عسكرية جديدة، أو بليبيا حيث تجاهل الزعيم العسكري القوي المدعوم من السعودية والإمارات خليفة حفتر تحذيراً من وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في وقت سابق من هذا الشهر، ليعود البيت الأبيض ويعلن دعمه له الأسبوع الماضي. ولربما تتّصل هذه الخطوة أيضاً بخطة السلام للشرق الأوسط التي لم يُعلن عنها بعد، رغم أن هذه الصلة يصعب تمييزها.

وتقول الحكمة التقليدية إن العقوبات تساعد السياسات ولكنها ليست سياسات بحد ذاتها. ومن المؤكد أن إقناع طهران بتغيير عاداتها أمر يستحق العناء، ولكنه يثبت أنها مهمة شاقة. كما أن هذا التحول الأخير في السياسة والمتمثل بالوصول إلى "صفر صادرات" يحتاج إلى تعاون روسيا التي هي منتج رئيسي آخر للنفط، ويهدّد بنشوب خلاف تجاري آخر مع الصين، التي أشارت إلى أنها ستواصل شراء النفط الإيراني الخام. وفي الواقع المرجّح، سيقارب مستوى "الصفر" هذا نحو مليون برميل من النفط يتم بيعها يومياً إلى الصين على الرغم من الاعتراضات الأمريكية. وهذا يمثل حوالي ثلث قدرة إيران التقنية على التصدير، ومصدر محتمل من العائدات القادر على إنقاذ النظام الإيراني.

لعل الرئيس ترامب يأخذ في الحسبان أن الناخبين الأمريكيين لا يريدون دفع سعر أعلى على الوقود، ولا يريدون حرباً أخرى. وقد يتطلب الأمر حظاً كبيراً لتجنب أحد هذين الاحتمالين أو كليهما.

* سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير "برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة" في معهد واشنطن، والمقال نشر في صحيفة ذي هيل

...........................

* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق