تأثير الكوارث على المجتمعات التي تحل بها لا ينحصر بمدى الأذى الذي تتسبب به. ويجب أن يؤخذ بعين الاعتبار طريقة تعامل أفراد المجتمع معها. فكارثة ينظر لها على أنها عالمية ويصعب تفاديها، قد تساهم في تعزيز الروابط بين أفراد المجتمع، على افتراض وجود مستوى مقبول من التماسك الاجتماعي...
هنريك غريف

 

لماذا تنجح بعض المجتمعات في استعادة عافيتها أعقاب الكوارث، في حين ينهار البعض الآخر، يكمن الاختبار الحقيقي للتعاضد في أي مجتمع بطريقة استجابته للكوارث. فعند مواجهة الأزمات، تعمل المجتمعات المتماسكة جنباً إلى جنب وتقوم بتقديم المساعدة عند الحاجة. في حين يركز الأشخاص الذين يعدون جيراناً بالاسم فقط على مصلحتهم الشخصية. لذا يعتبر التماسك الاجتماعي أحد العوامل الرئيسية لمرونة المجتمعات المحلية وقدرتها على الصمود.

ما هي ركائز التماسك الاجتماعي؟ وجدت خلال بحوث سابقة، أن البنوك المحلية خلال الأزمة المالية في الولايات المتحدة عام 1907، استفادت كثيرا من طريقة تعامل مجتمعاتها مع أزمات مماثلة قبل 14 عاما. على وجه التحديد، البنوك التي لجأت في 1893 إلى البنوك الأخرى للحصول على الدعم عقب الأزمات؛ أولئك الذي لم يضعوا ثقتهم بمجتمعاتهم بشكل كافي لإصدار سندات دين. بالنتيجة، ألقت تلك الأزمات على الرغم من ندرتها، بظلالها لفترة طويلة، مغيرة ديناميكيات المجتمع بطرق قد لا تكون واضحة حينها، لتظهر في الأزمات اللاحقة.

بعبارة أخرى، تتأثر قدرة المجتمعات على الصمود في يومنا هذا بالأزمات والكوارث التي حدثت في الماضي، والتي يمتد تأثيرها أحياناً لأجيال أخرى. توصلت في ورقة عمل (شاركني في تأليفها هاياغريفا راو من جامعة ستانفورد)، ستنشر لاحقاً في مجلة أكاديمية الإدارة، إلى أن تأثير الأزمات على المجتمعات لا يكون بنفس الوتيرة. فبالإضافة إلى حجم الكارثة، فبحسب منشأها تترتب الآثار النهائية لها.

الانفلونزا الاسبانية

عند دراسة التأثير المدمر لوباء الإنفلونزاالاسبانية في 1918-1919 على المجتمعات الريفية في النرويج. اخترنا مكاناً بعينه كون تأثير الوباء كان أقل من المعدل ، خسارة 0.6% من مجموع السكان، في حين كان المعدل 5% من مجموع سكان العالم. من المؤكد تأثر تلك المجتمعات بشدة حينها ولكنها لم تصاب بالشلل. كانت هذه الكارثة بالنسبة للنرويجيين ليست بالأمر الجديد، وقد تكون الأقل تأثيراً ضمن سلسلة الأزمات التي تعرضت لها النرويج على مر الزمن.

استطعنا بالاعتماد على البيانات المحلية التي حصلنا عليها من جمعية تعاونية في النرويج من قياس مدى التماسك الاجتماعي للمجتمعات المحلية - وبالتالي قدرتهم على الصمود على مدار عقود. بدأت تعاونيات التجزئة بالظهور في الريف النرويجي في سبعينيات القرن التاسع عشر، عندما حاول المزارعون كسر جشع التجار حينها. على الرغم من قوة الاقتصاد التشاركي في النرويج اليوم والذي يعد مسؤولا عن ربع مبيعات البقالة، إلا أن بداياته لم تكن مضمونة، لأسباب أقلها المقاومة الشرسة للتجار. وفي العقود الأولى كانت المجتمعات الزراعية التي تضم عدد كبير من التعاونيات، تميل إلى تكوين روابط اجتماعية قوية، وقدرة عالية على العمل الجماعي، لذلك فإن تشكيل التعاونيات يشير إلى قدرة المجتمعات المحلية على الصمود خلال تلك الفترة.

الأثار الطويلة الأمد

وجدنا من خلال تحليل بيانات التعاونيات مع معدلات وفيات الانفلونزا الاسبانية بكل مجتمع، أن معدل الوفيات بسبب الانفلونزا في تلك المجتمعات كان سبباً بخفض تأسيس تعاونيات على مدار 20 عاماً بعد الوباء. في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، أصبح تأثير الانفلونزا على تلك التعاونيات أضعف، وكما يبدوا أكملت الشبكات الشخصية والمؤسسية مهمتها ببطء لاستعادة الروابط الاجتماعية.

وجدنا أيضا أن معدل وفيات الأنفلونزا الإسبانية كان له الأثر الأقوى على بناء التعاونيات في المجتمعات المحلية التي كانت تفتقر إلى القدرات المدنية قبل الوباء، كما يتضح من عدم قدرتها على مجاراة الحركة التعاونية التي انتشرت في الأرياف. حيث ضمت تلك المجتمعات عدد أقل من مصارف الادخار وشركات التأمين ضد الحرائق، ومؤسسات أخرى، مما أدى إلى تفشي المرض. وعلى النقيض، كانت المجتمعات التي تحتوي على مجموعة واسعة من هذه المؤسسات قبل الوباء في وضع أفضل. وبالتالي فإن الاستعداد بشكل صحيح يستطيع تقليل حدة تأثير الكارثة.

الصقيع الربيعي

وجدنا أن فداحة وباء الانفلونزا الإسباني لم يكن الأمر الوحيد الذي تسبب بعواقب واضحة على المدى الطويل. فعندما اجتاحت الموجة الأولى للوباء أوروبا، امتلأت الصحف بتحذيرات واشعارات أثارت ذعرا على صعيد العالم. في أوائل القرن العشرين، كان هناك فهم واسع لكيفية انتقال العدوى، وبالتالي كيف يمكن للأشخاص في الجوار أن يشكلوا تهديدا مميتا. وكانت حالة الخوف وانعدام الثقة في الآخرين في تصاعد.

الأمراض المعدية مثل الإنفلونزا الاسبانية أكثر هدماً للنسيج الاجتماعي مقارنة بالكوارث طبيعية التي لا يمكن أن يلقى فيها اللوم على الآخرين. تحققنا من ذلك عند مقارنة تأثير الإنفلونزا الإسبانية على التعاضد الاجتماعي مع الصقيع الربيعي. حيث كانت درجات الحرارة اقل من المتوسط في شهر أبريل مما يؤثر على المحاصيل الزراعية، وتأتي مع بداية موسم الإزهار. وما يترتب عنها من صعوبات على الصعيد الاقتصادي حيث تعد خطرا محدقاً على الحياة الزراعية في ذلك الوقت.

يقوم المزارعون النرويجيين في المجتمعات المتماسكة بالتصدي للصقيع الربيعي من خلال تأسيس تعاونيات مثل بنوك الحبوب ومؤسسات التأمين. وهذا ما حدث بالضبط. فالتأثير الطويل والقصير المدى للصقيع الربيعي يتمثل في التشجيع على بناء مؤسسات التعاونية، في حين أن المجتمعات التي أصابتها الانفلونزا الإسبانية عانت من أثارها بعد عقدين من الزمن.

فئات الكوارث

تأثير الكوارث على المجتمعات التي تحل بها لا ينحصر بمدى الأذى الذي تتسبب به. ويجب أن يؤخذ بعين الاعتبار طريقة تعامل أفراد المجتمع معها. فكارثة ينظر لها على أنها عالمية ويصعب تفاديها، قد تساهم في تعزيز الروابط بين أفراد المجتمع، على افتراض وجود مستوى مقبول من التماسك الاجتماعي. وفي حالة تفشي الأوبئة، قد تكون التداعيات على المدى الطويل أسوأ مما تشير إليه المؤشرات الأولية.

* هنريك آر غريف، أستاذ في ريادة الأعمال بكلية إنسياد.
https://knowledge-arabia.insead.edu

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق